إدواردو جوديناث: حركة بوين فيفير في مواجهة زومبي التنمية.. بدائل لما بعد الرأسمالية الميتة/الحية وما بعد الاشتراكية

إعداد – عمرو خيري

هذه محاضرة قدمها إدواردو جوديناث (أستاذ السوسيولوجيا البيئية من أوروجواي) في قسم الجغرافيا البشرية في جامعة لوند في السويد، يوم 8 سبتمبر/أيلول 2016. يُعد إدواردو جوديناث من المفكرين البيئيين الأبرز والأهم في أمريكا اللاتينية، وله عدة مؤلفات ومقالات عن العدالة العالمية والبيئة والتنمية. جوديناث معروف بأعماله الناقدة عن الأضرار البيئية والاجتماعية لاستراتيجيات التنمية المعاصرة في أمريكا اللاتينية، وبكتاباته عن المسارات البديلة الممكنة لتحقيق الاستدامة. له دراسات عديدة عن فكرة “بوين فيفير”، وهي حركة تستكشف مفهوم وممارسات “العيشة الطيبة”، وجوانبها وأبعادها الاجتماعية والإيكولوجية. خلال السنوات الأخيرة اعتبر المعلقون حركة بون فيفير منصة بديلة محتملة للتنمية، وتم إقرار الفكرة في دستور كل من بوليفيا والإكوادور. إدواردو جوديناث يشغل منصب أستاذ زائر ببرنامج العدالة العالمية والبيئة بجامعة أوسلو 2016-2017، وهو مدير مركز أمريكا اللاتينية للإيكولوجيا الاجتماعية CLAES في أوروجواي.

سيُلاحظ القارئ أن جوديناث لم يحدد بشكل جامع مانع ما هي “بوين فيفير” في محاضرته، وهذا لسببين: أولاً هي تجربة تخص منطقة جغرافية معينة من أمريكا اللاتينية ومن منطلقاتها أنه لا يمكن تعميم فكرة/تجربة واحدة تصلح للعالم كله، بما أنها فكرة مضادة للعولمة، وإذا أراد أحد تبني التجربة فيجب أن يبدأ بناؤها من داخل النطاق المحلي الذي يختلف كثيرا عن منطقة جبال الأنديز، حيث وُلدت الفكرة. ثانياً: هي حركة قيد التشكّل والنمو، ولم تستقر بعد على برنامج موحد واضح، وإن كانت في جوهرها تسعى لتبيّن حدود الحداثة والعولمة، بهدف تجاوزها والخروج تماما منها.

مساء الخير.. تم تقديم التنمية في أواسط القرن العشرين كبديل لمفهوم “التقدم”. التنمية كبرنامج للكوكب كله، لتحديثه، للنمو والاستهلاك، وهي خطة واحدة للجميع. بالتبعية أصبحنا بصدد دول متقدمة ودول “نامية”، دول الجنوب التي عليها اللحاق بركب التقدم الذي أحرزته دول الشمال الصناعية.

استقر ظننا في السبعينيات على أن التنمية كمشروع في طريقها للموت. كانت على وشك أن يحل محلها مفهوم آخر. ثم فجأة ظهرت لنا “التنمية المستدامة، التي قُدمت كـ “حقنة” لإسعاف التنمية، كنواة تسند الزير. مفادها أننا نحتاج للـ “نمو الذي يراعي البيئة”، أن ننمي لكن في الوقت نفسه نحمي الطبيعة. بنهاية الثمانينيات، أصبحت “التنمية المستدامة” علاقة وظيفية بين الإيكولوجيا والتنمية، كل منهما يعتمد على الآخر.

التنمية قوية للغاية، أقوى من الأفكار والأيديولوجيات السياسية وأعمق.

قال الكثيرون، مع كل من أزمات الرأسمالية المتوالية أن “الرأسمالية تحتضر”. قالوا ماتت في الأزمة الاقتصادية عامي 2007-2008، وقالوا ماتت في أزمات سابقة كثيرة. إذن الرأسمالية – ومعها مشروعها التنمية/التقدم – ماتت، لكنها حية. ما الميت الحي؟ الزومبي! الموتى الأحياء.. هو مصطلح مشتق من فلكلور جزر الكاريبي، وجوهر هذا المفهوم أن يفقد الإنسان روحه، يبقى حيا دون سيطرة على عقله، مع وجود “شيء ما” يسيطر على جسده، والروح غائبة. مجاز “الزومبي” قوي للغاية، ويسري على الناس الذين يعيشون داخل فقاعة التنمية والرأسمالية، كلنا زومبي، فقدنا أرواحنا ويهيمن على أجسادنا “شيء ما” من الخارج. هذا المجاز يفتح الباب أيضاً أمام أي تحليل ناقد للتنمية، إذ يشير إلى ضرورة تقصي الجذور العميقة، شديدة العمق، للثقافات والأيديولوجيات من أجل تجاوز التنمية.

أمريكا الجنوبية مثال جيد لفهم هذه الفكرة.

على مدار السنوات الـ 15 الأخيرة ظهرت في قارتنا حكومات عديدة، من أقصى اليمين إلى اليسار التقدمي. ما نسميه “اليسار الجديد” التقدمي ويسار القرن الحادي والعشرين. وكأن أمريكا اللاتينية حقل تجارب لمبادرات التنمية على مدار تلك السنوات الأخيرة.

عندك مثلا استراتيجية “القاطرة” الكولومبية، حيث الاقتصاد يحتاج إلى “قاطرات” ليتقدم وينمو، قاطرة العقل، وقاطرة الطاقة، وهلم جرا. عندنا “التنموية الجديدة” في البرازيل، “التنمية الوطنية الشعبية” في الأرجنتين، “الاشتراكية الوليدة” في أوروجواي، بمعنى الاشتراكية في مراحلها المبكرة للغاية، تحبو في خطواتها الأولى بلا استعجال.

ما حكاية هذه الاستراتيجيات التنموية؟ هناك أوجه شبه واختلافات. لننظر تحديدا إلى كيف تستخدم هذه الخطط القومية التنموية الموارد الطبيعية، ومدى اتصال أو اغتراب هذه الاستخدامات للموارد عن السياسات الاجتماعية، وأتكلم هنا تحديداً عن “القضاء على الفقر”. المدهش أن فكرة التنمية سواء عند الحكومات اليمينية أو اليسارية الراديكالية متشابهة للغاية، هي نفس الفكرة. الاختلاف الوحيد بين حكومة والأخرى هو كيفية “تطويع واستخدام” دور الدولة. التماثل القائم في خطط تنمية هذه الدول جميعاً هو أن – أولاً: “النمو” مكوّن جوهري، وثانياً: المجتمع منفصل عن “الطبيعة”، بمعنى أن هذا شأن وذاك شأن آخر تماماً. جميع هذه الحكومات على اختلافها تؤمن بأسطورة تقول بأن الطبيعة في أمريكا الجنوبية، والموارد الطبيعية في أمريكا الجنوبية، كبيرة وضخمة، أكبر من أن تمسها كوارث بيئية، لكن هذا غير صحيح. جميع هذه الحكومات تعتبر أن “القضاء على الفقر” يتحقق بزيادة معدلات الاستهلاك، بزيادة القدرة الشرائية للمواطن، وتمكينه من استهلاك السلع. إذا استهلكت فأنت لست فقيرا.

presidents_obama_and_mujica_2014

موخيكا كوردانو رئيس أوروجواي حتى 2015.

الرئيس موخيكا في الأوروغواي يعتبره الناس قديساً، لكنه كان أول رئيس في أمريكا الجنوبية يوقع على عقود سرية مع شركات متعددة الجنسيات، واتفاقيات سرية لزراعة محاصيل مهندسة وراثياً. كوريّا رئيس الإكوادور، من جانبه، قال إذا كان ماركس حياً كان ليدعو إلى مبدأ “الاستخراجية” [أي استخراج وتصدير الموارد الطبيعية للدولة، من معادن ونفط، في صورتها الخام، لتمويل موازنة الدولة الاشتراكية].

الخلاصة أن الاستثمارات الأجنبية والصادرات مكونات أساسية لتمكين الاقتصاد، والضغوط على الطبيعة كبيرة، والشركات الكبرى تُستخدم في تحقيق الاستقرار للاقتصاد، والاقتصاد يضخ الموارد لتمكين الطبقة الوسطى الجديدة من الاستهلاك، مع تقديم “تعويضات” للأسر الأكثر فقرا. للتعويضات هدفين: تقليص عدد العائلات تحت خط الفقر، ولتخفيف حدة النزاعات المجتمعية. ثم بالطبع تُستخدم التعويضات كأداة سياسية نافعة وقت الانتخابات.

لنعد إلى فكرة التنمية، الزومبي. أصبحت وكأنها فكرة دينية، بل هي فكرة دينية عميقة متجذرة، يؤمن بها الجميع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فأصبح هذا الزومبي المشترك الأساسي بين الأيديولوجيات المختلفة، ويحاول أتباع كل أيديولوجيا أن يثبت صحة فرضياته الخاصة بكيف تتحقق التنمية. التنمية دين سياسي.

الرئيس إيفو موراليس في احتفالية للإعلان عن التنقيب عن النفط، استعان بتقاليد تخص الشعوب الأصلية، ومرتبطة بالشعائر الكاثوليكية أيضاً. نرى موراليس ويده ملطخة بالنفط الأسود، يمررها على رؤوس وزرائه. عندنا الكنائس: غرفة شركات النفط التجارية وغرفة شركات التعدين التجارية، إلخ. عندنا الفقه الديني: رجال الاقتصاد مثلا الذين يقولون إن استخراج المعادن لن يؤدي إلى كوارث بيئية، وإذا حدث فنعرف كيف نقلصه. هو أيضاً دين، لأن ورغم كل الأدلة الدامغة على الأضرار الاجتماعية والبيئية، فما زالوا يسيرون على نفس الدرب، عام بعد عام. التنمية كـ “زومبي” لأنها عميقة الجذور، إيمان عميق لا يدعمه أي دليل.

evo_morales_2_year_bolivia_joel_alvarez

إيفو موراليس رئيس بوليفيا

هذا الزومبي له ناقديه. توجد أربع مدارس ناقدة للتنمية، نذكر منها “ما بعد التنمية” التي قدمها أرتورو إسكوبار. “ما بعد التنمية” لا تقدم بدائل تأتي بعد التنمية، إنما هي “ما بعد” على شاكلة “ما بعد البنيوية” مثلا. هي أداة تحليلية ناقدة مهمة نستعين بها على التنمية.

إذا كانت التنمية زومبي، جثة، فـ ما بعد التنمية هي المباضع الجراحية التي نستعين بها في التشريح. تسمونها بالإنجليزية “deconstruction“، التفكيك.

داخل جسد الزومبي يوجد نوعان من النقاشات. النوع الأول هو النقاشات بين أتباع وأولاد التنمية، الرأسماليون. النوع الثاني هو نقاش عن التنمية بين عائلتين مختلفتين، بين الطبعة الاشتراكية للتنمية والطبعة الرأسمالية الأصلية. خارج الجسد توجد أسرة ثالثة من المناقشات، لأشخاص ينتقدون الجسد كله من الخارج، من كون/كوزموس آخر خارجي على العائلات التي دأبت على الشجار حول التنمية. النوعان 1 و2 عندما يجتمعان يقدمان “تنويعات على لحن التنمية”. لنأخذ مثالاً: مشروع استخراج المعادن في جنوب البيرو.. دارت حوله مناقشات بين ناس منحازون لفكرة أن تأخذ شركة أجنبية حقوق الاستخراج. وعندنا ناس آخرون يفضلون أن تدخل شركة وطنية للتعدين في المشروع وتكون لها اليد العليا. ثم عندنا فريق ثالث يقول: “لا. نحن ضد المشروع بالكامل لأن الجبل لا يعجبه المشروع”. الجبل؟

هذا النوع الأخير من المناقشات، خارج جسد الزومبي، هو النوع الثالث، يقع خارج كل طبعات واستراتيجيات التنمية. القائلون بأن الجبل لا يعجبه المشروع هم مجموعة من الناس يعتبرون أنه يوجد في الطبيعة أشياء، غير بشرية، يجب أخذها في الاعتبار عند التفكير في كيفية استخدام الأرض والموارد والطبيعة. المشكلة أن النوعين 1 و2 من النقاشات حول التنمية غير قادرين على فهم حجج النوع 3. فالأفكار والمشاعر من قبيل “الجبل ضد التنمية” تبدو للفريقين الأولين مسائل فولكلورية، أو تتبع فئة “الشعوب الأصلية/السكان الأصليين”، لا تتبع منطق التفكير الاقتصادي. فيكون ردهم: “السوق العالمية لا يهمها الجبل، أرني المكسب البديل المتحقق إذا لم نبدأ المشروع وسمعنا كلام الجبل”. لذا يطلبون من الفريق الثالث أن يترجم حججه إلى لغة اقتصادية، إلى تفكير اقتصادي، حتى يفهم أبناء التنمية كلامهم. للجبل، في سياق الطبيعة، مقدار معين من “القدرة” و”الفعل” (agency).  ومن جانبها فإن التنمية، الزومبي، تضرب بعرض الحائط وجهات النظر الأخرى، وهي مجموعة قوية من العلاقات والعمليات التي تُخفي تماما وتتجاهل التقاليد الأخرى والرؤى المختلفة للعالم.

نحن نتحدث إذن عن بدائل متجاوزة للتنمية. أحد هذه البدائل هو “بوين فيفير”. هي كلمة إسبانية، يمكن ترجمتها إلى، مثلا، “العيشة الطيبة” في سياق مجتمع من الناس، حيث المجتمع (بالمعنى القديم للكلمة) هو “مجتمع+نطاق بيئي”. ليست “عيشة طيبة” بمعنى الحياة الطيبة كما في أوروبا مثلا، لا، بل العيش في سياق اجتماعي وإيكولوجي في الوقت نفسه، ليس في سياق اجتماعي. الكلمة صعبة الترجمة، ويمكن أن تختلط في الأذهان بمصطلح well-being “إنك تبقى كويس/الرضا“. لكن لا يهم ترجمة الكلمة، وسنفهم لماذا بعد قليل.

“بوين فيفير/العيشة الطيبة” مجموعة من الأفكار المختلفة. هناك ثلاثة مستويات مختلفة لاستخدام كلمة “بون فيفير”: المستوى الأول: الاستخدام العمومي، حيث تُستخدم الكلمة في سياق توجيه الانتقادات لمختلف أنواع التنمية المتفق عليها، مثل انتقاد ممارسات الشركات الكبرى، أو كشعار جامع يُطلق على مشاريع بديلة تقدمها حكومات تقدمية من أمريكا الجنوبية (على سبيل المثال تصنيف بناء مناطق للمشاة داخل المدن بصفته مشروع “بوين فيفير”، أو سياسات التكافل الاجتماعي من قبيل برامج المساعدات المالية للفقراء في فنزويلا).

المستوى الثاني هو مستوى الاستخدام المُحدد ضيق النطاق للكلمة، مثل المطالبة – في سياق الانتقادات والأفكار الناقدة الأكثر تعقيدا للرأسمالية – بنوع جديد من التنمية، متجاوز للرأسمالية، يأتي بعدها. وفي الوقت نفسه فالمناقشات هنا تشتمل على انتقادات للتقاليد الاشتراكية، والتساؤلات حولها عميقة وتقدّم أنواع مختلفة جد الاختلاف من التنمية. رغم أن هذا الاستخدام لا يشكك بالضرورة في هدف “النمو الاقتصادي” أو “الاستخدام النفعي للطبيعة”، فهو يشتمل على آراء محددة حول ملكية الموارد ودور الدولة في تخصيص الموارد. من الأمثلة الأبرز على هذا الاستخدام للكلمة، مشروع “بون فيفير” كمكون من مكونات “الجمهورية الاشتراكية-الحيوية/البيئية” في الإكوادور، أو “التنمية الشاملة” في بوليفيا، كبرنامج عمل.

أما الاستخدام الثالث والأخير للكلمة هو الاستخدام الجذري، فهو ما نسمعه في سياق الانتقادات الراديكالية لجميع أشكال التنمية على مستوى جذورها المفاهيمية، وبالتبعية الدفاع عن بدائل متجاوزة للرأسمالية والاشتراكية معا، هي ما بعد-رأسمالية وما بعد-اشتراكية. هذه البدائل تستند إلى تجارب وخبرات الشعوب الأصلية ووعيهم ومشاعرهم، وتستند أيضا إلى روافد من الفكر الغربي الناقد. ما زال هذا الاستخدام الجذري للكلمة قيد التشكّل، وهو منصة تعددية مستوعبة لمختلف الثقافات. هذا الاستخدام الثالث، الجذري، هو الفكرة الأصيلة والأصلية لـ “بوين فيفير”.

هي حركة تعددية قيد التشكل، لأن ليس من السهل تجاوز هذا الزومبي عميق الجذور – التنمية/الرأسمالية – في ثقافاتنا جميعاً. الفكرة هي أن نتجاوز فكرة التنمية، لا أن نكون ضدها بالضرورة. لا أن نكون ضد الحداثة، إنما “نتجاوزها”.

وأغلب “التجارب” في “بوين فيفير” تتعلق بـ “التجاوز” لا “الضدية”. هي لا علاقة لها بالفلسفة اليونانية القديمة، وليس منشأها ثقافات الشعوب الأصلية/السكان الأصليين، وليست مماثلة لأفكار الـ degrowth/وقف النمو. يمكننا فهم “بوين فيفير/العيشة الطيبة” عندما نفهم معنى كلمة “مجتمع” في المجتمعات التي تُطبق فيها الـ “بوين فيفير”. هي رد فعل آني، يحدث الآن، في مواجهة التنمية، تواجه التنمية، وهي أيضاً “خلطة” خرجت من منطقة سلسلة جبال الأنديز. لو أنشأ الناس في اليونان أو إسبانيا مثلا حركة مماثلة لها الآن فسوف يكون لها اسم مختلف، مع اختلاف السياق الثقافي/الحضاري والتاريخي للمكان. هذه المسألة مهمة جداً، لأن الزومبي/التنمية قدم للناس في جميع أنحاء العالم خطة واحدة موحدة. الـ بون فيفير لا تفعل هذا. فكل منطقة لها خطة مختلفة هي الأدرى بها. أفترض مثلا أنه إذا ظهرت حركة مشابهة في إسبانيا فسوف تتأثر كثيراً بميراث إسبانيا الأندلسي/الإسلامي.

نعود إلى منطقة سلسلة جبال الأنديز. معنا في الحركة، صديقي، سيمون يامبارا، وهو عالم اجتماع ومن شعب النيمارا، أحد الشعوب الأصلية حسب تعريف الغرب، وهو مناصر مهم للـ بوين فيفير في بوليفيا. معنا أيضا ألبرتو أكوستا، وهو عالم اقتصاد، وكان وزيرا في الحكومة الإكوادورية السابقة، ومن أعضاء المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور الأخير، وساعد في إضافة أفكار بوين فيفير إلى دستور الإكوادور. حصل على تعليمه من ألمانيا، وهو عالم اقتصاد، هاه، من ألمانيا. هذا قصدي بـ “الخلطة”، خلطة البوين فيفير التي وصلت إلى مستوى المناقشة على أعلى المستويات الحكومية في مختلف دول أمريكا الجنوبية.

لكن التقدم بالحركة مسألة صعبة لأن، كما قلت، زومبي التنمية كيان قوي للغاية ونافذ. تشتمل خلطة الـ بوين فيفير على بعض أفكار السكان الأصليين (مثل اعتبار الطبيعة جزء من المجتمع)، وتضم أيضاً بعض الأفكار الواردة من أدبيات وأفكار نقد الحداثة، مثل النسوية البيئية. مقاربة “الجندر” التي كانت جزءا من النضال في سياق الحداثة تمثل جزءا لا يتجزأ من برنامج عمل “بوين فيفير”. القصد أنها خلطة آنية، من زماننا، لا تتبع الماضي.

من المنطلقات الأساسية لحركة بوين فيفير أنه لا يوجد تاريخ واحد، خطي، إنما تواريخ متجاورة. نرفض فكرة التقدم (بمعنى سمو فكرة التقدم والنمو) ونرفض فكرة سمو المعرفة الأوروبية، ما يعني زحزحة المعارف المصنوعة في أوروبا، على أهميتها، عن المركز. لا نرفض الفكر الأوروبي، إنما نرفض اعتباره “المعرفة الوحيدة الصحيحة”. المجتمع عند حركة بوين فيفير، في عُرفنا، يستوعب كل ما هو غير البشر، من حيوانات و”طبيعة”. وبما أن ما يحيط بالإنسان يختلف من مكان لآخر، فالمجتمع يختلف كثيرا من مكان لمكان، حسب الثقافة الاجتماعية في تعاطيها مع الطبيعة المحلية والسياقات التاريخية المختلفة.

ما هي الـ بوين فيفير إذن؟ هي مجموعة من الأفكار المختلفة. فكرة الـ “سوما كامانيا” لشعب أيمارا في بوليفيا. فكرة “سوماك كاوساي” من الإكوادور، وثالثاً: مقاربة “مركزية المجال الحيوي” التي أضافها الـ كريولوس من أمثالي [أي اللاتينيين-الأوربيين]. لكن عندما نلتقي، تتجاور الأفكار الثلاثة، ونشعر بنفس الأشياء ونتكلم عن نفس الأشياء. التوجهات الثلاثة هي البرنامج، مجموعة موحدة من الأفكار. هي إذن منصة من التعدد، تتداخل فيها المشاعر والأفكار والآراء، أي بين التوجهات الثلاثة مشتركات، أرضية واحدة، مساحة مشتركة. من الأسئلة التي تميّز بين ما هو “بوين فيفير” وما ليس كذلك من أفكار، سؤال: هل أشعر بإمكانية أن يكون لما هو غير “آدمي” قيمة في حد ذاته؟ أن يكون ذلك الشيء/الكائن “ذاتاً”؟

إذا أجبت بالإيجاب، فأنت خارج الحداثة، في هذه اللحظة أنت خارج التنمية والحداثة، لأن التنمية دائماً ما تعتبر الأشياء/الموجودات “أدوات”، لا ترى فيها إلا موارد وأدوات قابلة للإهلاك.

ملحوظة، قبل العودة لماهية “بوين فيفير”: الرأسمالية “مش ساكتة”، الزومبي عينه على “بوين فيفير”، يحاول إنتاج “طبعات” جديدة منها، تكون غير متعارضة مع النمو والتقدم! يوجد في كولومبيا والبيرو ودول أخرى الآن في أمريكا اللاتينية نقاش محتدم حول هذه المسألة.. عن كيف تحاول الرأسمالية إعادة إنتاج بوين فيفير لتصبح “لطيفة” و”مهذبة”.

حركة “بوين فيفير” لها موقف ضد العولمة بمعناها الواسع.

نحن عندما ننظر إلى الطبيعة لا نراها إلا على المستوى المحلي، لا العالمي. ربما كان بإمكان رائد فضاء مثلا أن يتحدث عن علاقة تربطه بالكوكب، لكن مالنا والكوكب؟ ماذا نعرف عنه؟ فكرة الطبيعة ككيان كوكبي عالمي هي فكرة أوروبية للغاية. لا أعرف لماذا توجد في أوروبا هذه اللمسة “التعليمية” عند الأوروبيين، الذين يعلمون الصغار كيف يتصرفون “بأدب” مع الكوكب على مستوى عالمي. نحن لا نعرف ما الذي على “الكوكب” أن يفعله وكيف يتصرف!

إن قدرة البوين فيفير تكمن في قدرتها – كحركة قيد التشكل – على أن تشير إلى حدود موجودة، حتى يراها الناس ويتجاوزونها. كيف نخرج من الحداثة؟ كيف نتجاوزها؟ لابد أن نرى حدودها أولا ونشعر بها فنُقبل عليها ونخرج. هذه المناقشات – التي أدت إليها حركة بوين فيفير – غير تقليدية على الإطلاق، تدور على مستوى فلسفي محلق في برج عاجي، وفي الوقت نفسه لها جانب عملي براجماتي بحت، عن كيفية تنظيم اقتصاد الدولة على المستوى المحلي بمعزل عن العولمة، خارج العولمة، بعيداً عن اليمين وبعيداً عن اليسار، إلى خارج الجثة/الزومبي.

حركة بوين فيفير بدأت في شق فتحة في ثوب الحداثة. ماذا سيحدث غدا؟ لا أعرف، لا غداً ولا بعد شهر، ولا عندي أدنى فكرة. هناك فاعلون كثيرون، من أعلى المستويات في أروقة السلطة وعلى المستوى المحلي، بين الناس البسيطة. المهم أن يفكر الناس في مصطلحات جديدة، والمصطلحات الجديدة – الآن – تبدو عجيبة، غير منطقية لأنها خارج منطق الاقتصاد/الرأسمالية/التنمية، ثم تشق لنفسها طريقاً.

لا أعرف ولا يهمني ماذا يحدث غداً. لكن عندما يبدأ الناس في الكلام على شاشات التلفزيون عن “المرحلة الانتقالية بعد أن نخرج من مرحلة استخراج النفط” – وهي مناقشات لم تبدأ بعد في النرويج مثلاً – فهذا إنجاز. عندما تدعو الحكومة في الإكوادور الناس إلى استفتاء على “هل توافق على استخراج النفط من منطقة دلتا الأمازون؟”.. هذا نجاح. لكن على الجانب الآخر هناك من يقولون إننا خسرنا المعركة. لكن هناك معارك كثيرة في بلاد كثيرة في أمريكا اللاتينية، تدور الآن، في هذه اللحظة. لا أعرف ما النتائج.. معارك في دوائر الأكاديميين والمتخصصين، في إعداد الخطط الحكومية، في شكل نزاعات مجتمعية بسبب مشاريع تتبناها حركة بوني فيفير ويقف بعض السكان ضدها.

كلمتي الأخيرة: لقد جرّبنا كل شيء في أمريكا اللاتينية على مدار السنوات الـ 14 الأخيرة، كل شيء، وفشل. هل نكرر تجارب الماضي بعدما ثبت فشلها؟

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s