ما هي الدولة؟ هل الدولة شريرة؟ مناقشات عن ماهية الدولة والنظام والحكومة

عرض ـ هيثم خيري:

مين قابل الدولة وهو جاي في الطريق؟

السؤال توجهت به د. حنان سبع، أستاذة الأنثربولوجي بالجامعة الأمريكية، لمجموعة الدارسين في جلسة قراءات “سكة المعارف” بجمعية النهضة، وبدا أن الكثير يتجاوب..

منهم من قال إنه التقى الدولة في إشارة المرور، لدى العسكري الواقف ينظمه، ومنهم من مر إلى جوارها صدفة أمام مبنى الأمن الوطني بمدينة نصر، ومنهم من التقاها في مجمع التحرير لختم جواز سفر أو ما شابه.

تدور جلسة اليوم من مشروع “سكة المعارف” عن مفهوم الدولة، استنادا إلى قراءة ثلاث مقالات تطرح رؤى مختلفة عن الدولة، للفيلسوف لوي ألتوسير والعالم السياسي تيموثي ميتشل وعالم الأنثربولوجي ميشيل رولف ترويلو.

ما الدولة؟ ولماذا الدولة؟ هل هناك ضرورة لوجود الدولة؟ هل الدولة بطبيعتها “طيبة” أم “شريرة”؟

سأسعى لأن أنقل للقارئ ما دار في الجلسة حرفيا، أو بشيء من الحرفية، بلغته العامية كما قيل، في سبيل تقديم مناقشات جديدة عن الدولة..

مقالة ميتشل يتحدث فيها عن: إزاي نحلل الدولة في العلوم السياسية؟ وكيف أن هذا التحليل بنى على أساس قراءة تاريخية في لحظة محددة في الحياة السياسية للولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

المنظور الأساسي للكلام هو الدولة والمجتمع.. الدولة شيء مش مهم والمجتمع هو الشيء الأساسي اللي من غيره الدولة مش هايبقى لها وجود أصلا.. في السبعينيات مجموعة من المنظّرين قالوا إن هذا الكلام عبثي وكلام مجانين.. مفيش حاجة اسمها المجتمع هو الأساس، رجعوا الدولة تاني في تحليلنا للمظاهر السياسية والاجتماعية اللي بنشوفها.

طب هاه يا جدعان.. دخلتوا الدولة والا طلعتوا الدولة؟

هل الدولة هي النظام السياسي وألا هي حاجة تانية؟ هل هي شيء مادي والا شيء معنوى مش ملموس؟

هل هي لها علاقة بعدد من المؤسسات والقوانين اللي بتحدد نوع الكيان القائم، اللي هو الدولة، القائم على المكان والمساحة اللي بتتحكم فيها الدولة والا حاجة تانية؟

تغيير أي نظام محلي مرتبط بتغيير النظام الرأسمالي العالمي

هل الدولة بالضرورة لازم تعتمد على العنف والقمع علشان تبقى دولة؟ أم يحق لنا أنت نتخيل فكرة الدولة خارج حدود العنف؟

أعتقد أننا دخلنا الحكاية من النص، لذا خلّونا نرجع لمقالة ميتشل..

الدولة وعلم السياسة
المقالة بتعطي سرد تاريخي لمجالين للتعامل مع مفهوم الدولة في العلوم السياسية اللي لها الحق والسلطة الكاملة في تحديد سلطة الدولة، وكأن علم السياسة له الحق الوحيد أن يتكلم عن الدولة، مع أنه من خلال الحالات المتعددة اللي بنشوفها في التحليلات إن فيه مشكلة، لأن السياسة وحدها مش كافية أبدا للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بماهية الدولة، لا السياسة ولا التاريخ بس.. إنما العلوم الاجتماعية بمجالاتها وتشعباتها المختلفة ممكن تعطي صورة أشمل عن الدولة.

ولو حاولنا نعرف الدولة بنلاقي طول الوقت إن فيه تعريف ينتهي بنقطة.. وبس، لكن هل من الضروري أن نغير المنظور العام والا لأ.

الأساس أن نغير السؤال، ونبص على الدولة باعتبارها عدد من الديناميكيات والآثار اللي بتترتب في حياتنا اليومية، لذا سألتكم أنتو شفتو الدولة وانتوا جايين.

العلوم السياسية وحدها تعجز عن تحليل الدولة ورغم ذلك تحتكر الحديث عنها

مثلا لما بنتكلم عن ممثلي الدولة، أبسط مثل محصّل فاتورة الكهرباء، بنعامله ساعتها كأنه الدولة (المحصل)، على حسب كلام ألتوسير وميتشل هو اللي بيمثل الجهاز البيروقراطي للدولة، وبيقوم بعمل أساسي .. طيب ليه بحمله مسئولية النظام كله عما يحدث وزيادة الفاتورة وغيره من المشاكل؟ ده نفس اللي بيحصل مع رجل الشرطة والضابط والقاضي وغيرهم من ممثلي الجهاز البيروقراطي أو التنفيذي أو التشريعي في الدولة.

لو بصينا للدولة من منظور مؤسسي، هانلاقيها بتشتبك مع بعضها في خلق نظام، موجود في مكان معين، ولها حدود معينة.

2013-635043379586791775-679

وفكرة الحدود هي أساس ما نتحدث عنه لو عاوزين نفهم أي شيء عن تكوين الدولة، زي الحدود بين المؤسسات المختلفة، على سبيل المثال، عندنا سلطات مختلفة: الجهاز القضائي والشرطة والجيش والوزارات (الحكومة) هل الحدود بينهم واضحة وصريحة والا دايما مبهمة؟ وده اللي بيعيطيني مساحة أفهم كيفية عمل الدولة وكيفية تأثيرها على العلاقات الإنسانية في المجتمع وعلى تحديد ما يحدث لنا بصورة يومية، بحيث آخد تحديدي وتعريفي للدولة، مش بس كشيء هيكلي، إنما من حيث حدوده غير الواضحة وتأثيره على الحياة اليومية للناس، ومن هنا تأتي فرضية ترويلو:

ـ لو زنقنا نفسنا في النظر إلى الدولة باعتبارها كيانا منفصلا عن المجتمع يبقى إحنا بناخد الدولة خارج السياق التاريخي لها.

إعادة إنتاج الدولة
تسأل د. حنان سبع أحد المشاركين: شكلك راجع من الشغل؟ يجيب بنعم و”تعبان فعلا”.. تستكمل كلامها:

الشغل بيشكل جزء كبير جدا من كيان أي بني آدم.. كلنا بنشتغل داخل حدود الدولة في القطاع الخاص أو العام أو الحكومي.. أيان كان شكل الشغل اللي بنقوم بيه فهو بيدخلنا مباشرة في إعادة إنتاج الدولة، لأنها ليست قائمة من خلال نظام اقتصادي بس، إنما اجتماعي وسياسي وثقافي، وبالطبع رأس المال مش بس اقتصادي إنما بالأساس ثقافي أيضا.

اللي قصدي أقوله إن فيه محدودية في عدد وسائل التنظير للدولة، ولابد من توسيع دايرة النظر للدولة:

الدولة لها الحق يكون لها احتكار استخدام القوة ضد أفراد المجتمع، فتقرر لحظة تحكم بالإعدام على  536 بني آدم في قضية واحدة، على سبيل المثال.

أيضا الدولة ـ أيا كان مكانها، خاصة لو تتميز بالاستبداد واستغفال البشر ـ تعطي نفسها الحق في أن تجعل المواطن يختلط عليه الأمر بين الدولة والوطن، ويصبح الوطن والدولة شيئا واحدا، وبذلك يعطي النظام نفسه مشروعية استمراره مدى الحياة، رغم أن الوطن له أسلوب في التحليل مختلف تماما عن الدولة.

ومع أي رفض لفكرة الدولة من الملاحظ إننا بيبقى في مخيلنا الدولة برموزها وأدواتها، حتى وقت قيام ثورة أو حركة تحرر شعبية أو غيرها من أشكال إسقاط الدولة بمعناها التقليدي.

تعداد الدولة

ولو ركزنا على ما تفعله الدولة، هنلاقيها بتقوم بتلات حاجات أساسية:

أولا: عزل الأفراد: اللي معاه بطاقة يبقى داخل الدولة واللي مش معاه بينهار ويبقى نهاره بطيخ.. الدولة بتحول الناس إلى جماعات لها انتماءات، بتقول عليكم مسلمين وأقباط، شمال وجنوب، المتعلم وغير المتعلم.. وهكذا

التعداد السكاني، مثلا، يعطينا نظرة مهمة جدا في كيف تفكر الدولة في الشعب.

سألت الدكتورة حنان سبع عن التعداد السكاني الأخير، ومن زاره “العدّاد” في منزله ليدلي بمعلومات عن أفراد الأسرة والأجهزة الكهربائية وما إلى ذلك، فرفع أربع أشخاص بالقاعة التي تحوي نحو 40 شخصا أيديهم، بينهم شخص سوري، بينما أجابت إحدى المشاركات بأنها رفضت الإدلاء بمعلومات.

استكملت د. حنان حديثها:

ثانيا: من المهم إن أنا لازم أخلي الشعب أو السكان مقروئين ليا بسلاسة، من خلال إعطائهم توصيفات محددة وعدد من القوانين والآليات اللي بستخدمها وافصلهم إلى مجموعات وأستطيع التحكم فيها.

ثالثا: تحديد الحيز المكاني لكل فرد، والحدود الجغرافية له سواء كان في سينا أو الصحراء الغربية أو الدلتا أو غيرها.

أجهزة الدولة الأيديولوجية
ألتوسير بيقول إن الدولة ممكن تعطي للأفراد تصنيفات يشتغلوا عليها، ويفضلوا ياخدوا ويدوا مع هذه التصنيفات لحد ما يبقى فيه تصنيف واضح وصريح لكل ما هو “غير” بالنسبة لأغلبية الشعب، أو اللي الدولة عاوزاهم يبقوا الأغلبية. الأفراد نفسهم بالشكل ده ممكن يكونوا ضد أي حاجة مختلفة معاهم بإيعاز من الأجهزة الأيديولوجية في الدولة زي قادة الرأي والقضاة والإعلام وغيرهم، ويصبح لدى الأفراد دوافع لممارسة السلطة الشعبية أو المجتمعية ضد الغير من المختلفين معاهم.

ألتوسير شايف إن الجهاز الأيديولوجي للدولة يخرج عن حدود لميس الحديدي وأحمد موسى والجرايد لـ “أنا” و”إنت”. لما يتم تجنيدنا طواعية عشان نبلغ عن حد مختلفين معاه في الرأي، نصبح بنمارس السلطة على غيرنا بدون أن نشعر تقريبا، وبناخد حق من حقوق الدولة الأصيلة لنا.. ساعتها الدولة تصبح مش محتاجة تعمل أي حاجة، ودي مصيبة تانية في حد ذاتها.

4529641_orig

لوي ألتوسير

لذا، نرجع للحديث عن الدولة وتعريفها.. النقطة الأساسية إننا لو زنقنا نفسنا في القوانين والهيكل الإداري للدولة والبوليس والأجهزة القمعية وتعريف شيء هانفضل نبص في حتت غلط ومش هانشوف عدد هائل من العلاقات والتفاعلات والتغييرات اللي بتحصل بصورة يومية دائمة، واللي مش هانقدر من خلالها فهم ما يحدث.

يعني لو لازم تحلل الدولة، يبقى لازم يكون عندنا مستويات متعددة من التحليل ووضعها في حيز حسب علاقات وتفاعلات عديدة مش جغرافيا ولا القانون ولا أجهزة الدولة فقط.

الجغرافيا لن تعطيني القدرة على تحليل: لماذا تبنى الدولة مركز شرطة ووحدة صحية في حلايب وشلاتين، في نفس اللحظة اللي قالت فيها “تيران وصنافير مش تبعي”.

الدولة والنظام

إيه الفرق بين الدولة والنظام؟

ألتوسير بيقول إن النظام ليس فقط نظام الدولة، وإن الدولة الحديثة بالأساس جزء لا يتجزأ من النظام الرأسمالي العالمي. بالطبع النظام تعبير عن النظام السياسي الذي يحكم في إطار الدولة، إنما أي نظام سياسي؟ هل هو نظام سياسي محلي جدا أم أنه خاضع للمنطقة الجغرافية المحيطة ثم النظام السياسي العالمي.

في ثورة 25 يناير كان فيه خناقة كبيرة جدا على إسقاط النظام.

بعض الأنظمة تتعمد تغييب الحدود الفاصلة بين الوطن والدولة لتمنح نفسها صفة البقاء

كان فيه إشكالية كبيرة بتقول “الشعب يريد إسقاط النظام”، وكان النظام ممثلا في الكثير من التصورات عنه: الجشع والسرقة والفساد السياسي والحكومة والأمن والنظام الرأسمالي العالمي، قصدي إن النظام كان يشمل عدد ضخم من المفردات اللي الحكومة كانت ممثلة لها وقتها.

وظهرت تنظيرات مفادها: إن فشل الحركات الاحتجاجية العالمية، ومن بينها الربيع العربي سببه إن النظام عشان يتغير في دولة ما، لازم يتغير النظام العالمي بالكامل، وهذا ما نلمسه اليوم في الرغبة الملحة في تكوين شيء تاني بأسس أخرى غير القائمة الآن.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s