الأصول الاجتماعية للإسلام: العقل والاقتصاد والخطاب (عرض كتاب)

بقلم – أحمد الشربيني

(كاتب مهتم بالفلسفة والدراسات الإسلامية)

كتب كارل پوپر في مكان لا أذكره إن أسوأ ما قد يلاقيه الكاتب ليس نقد النقاد وتقريعهم لما كتب، وإنما تجاهله جملة، أي أن ينشر المرء كتابًا فلا يلقى مدحًا ولا ذمًّا، كأنه لم يكتب شيئًا. استدعيت هذا المعنى بينما كنت أقرأ كتاب محمد بامية، «الأصول الاجتماعية للإسلام» (١٩٩٩، بالإنجليزية، عن دار نشر جامعة مينيسوتا)، ليس فقط لأنني وقعت عليه صدفةً، من طريق إحالة سريعة في كتاب آخر بموضوع مختلف تمامًا،[1] بل خصوصًا لأن أحدًا من محيطي المباشر، وفيه كثرة من المهتمين وبعض المختصين، لم يسمع أبدًا بالكتاب، وكثير منهم لم يسمع بالرجل. أما نتيجة البحث على «جودريدز» فكانت خمس تقييمات للكتاب ومراجعة واحدة لقارئ لم يستطع إكماله بسبب “لغته الجافة القفر كالصحراء التي لا يتوقف بامية عن الإشارة إليها”.ا

بدا الأمر لغزًا لأنني وجدت الكتاب أخاذًا، لا فقط بسبب قوة طرحه أو تماسكه النظري، وإنما حتى على مستوى الإشباع الجمالي. ظننت أن الكتاب قد استوفى شروط النص الذي يمكن اعتباره «كلاسيكيًا»، ذاك الذي يحفر لنفسه بمرور السنوات موقعًا راسخًا بين نصوص تشكل «المدونة المعتمدة» لحقل دراسي ما، بتحليلاته الثرية وتأملاته العميقة ولغته الساحرة. لكنني أدركت بعد قليل من النظر أن ما حال بينه وبين هذا الموقع كان عوامل عدة، فهو أولًا قد كُتب بعيدًا عن حقل الدراسات الإسلامية، لأن بامية أستاذ في علم الاجتماع، وهو ثانيًا لا ينضوي بسهولة تحت أي من التقاليد الدراسية الراسخة للإسلاميات، وهو يعتمد منطلقات منهجية قد تكون مثبطة لقارئ لا يعرف بالضبط ما سيكون العائد من قراءته

يقدم بامية للقارئ المحبط أسبابًا مزيدة لأن يضع الكتاب جانبًا فلا يعود إليه، إذ يخصص مساحة المقدمة للهجوم على التمييز الحاد بين «الواقعي» و«الخيالي» في كتابة التاريخ، وللدفاع عن إعادة كتابة التاريخ من دون أن تستجد وقائع أو أدلة بالمعنى الأركيولوجي، ويبلغ وفاؤه لهذا الموقف أن مصادره كلها كلاسيكية: الأزرقي وابن هشام وابن الكلبي وابن سعد وابن الأثير والماوردي والواقدي وغيرهم، وهو موقف لا يبشر بالخير بالنسبة إلى دارس الإسلاميات التقليدي، المتسلح بالمنهج العلمي، طالب الدقة التاريخية

لكن إعادة الترتيب الشاملة التي ينجزها بامية لهذه المصادر تبرر تمامًا اقتصاره عليها، فهو يبعثرها ويعيد تركيبها عنصرًا بعد عنصر، ويملأ الفراغات بينها بالتأمل الفينومينولوجي في خبرتيّ البداوة والحضارة في شبه الجزيرة العربية، وبالنقد الأدبي المقارن للمعلقات والقرآن، وبهذا يبرر دفاعه عن «الخيالي» في المقدمة، فالخيالي هو الجُسور المنطقية التي يبنيها بين الأسطورة الجاهلية والتربة الأنطولوجية التي تفتح العقل الإسلامي فيها، وطموحه ليس أقل من إعادة بناء شاملة للعقل، وبالقدر الذي نجح به في إنجاز هذه المهمة فإن دفاعه عن «الخيالي» كان في محله

لا ينشغل بامية بالإسلام مذهبًا، أي باعتباره نسقًا للمقولات والسلوك نشأ في محيط سياسي وثقافي بعينه، فاستجاب بهذه الطريقة أو تلك، تلبية لمطالب هذه الفئة أو تلك، وإن كان يعرج طبعًا على مثل هذه المسائل، لكن الشاغل الأساسي للكتاب هو العقل الإسلامي المبكر نفسه، مقارنًا بالعقل الجاهلي: كيف ظهر الزمان والموت والتاريخ، وما كان معنى الحركة والسكون، وما الذي كانته الطبيعة وما الذي كانته الكتابة بالنسبة إلى العقل الإسلامي الأول؟ ومن بين ثنايا هذه الأسئلة تُبث حركة الحياة مجددًا في الشعر الجاهلي وآيات القرآن فكأن المرء أحيانًا يتعرف إليهم للمرة الأولى. أقتبس هنا مفتتح الكتاب من أجل صورة أوضح عن الطريقة التي يروم بها استكشاف الظاهرة من داخلها بالتأمل الفينومينولوجي، ولفهم طبيعة اللغة التي يستخدمها:ت

نحن قبالة أرض تنعاد فيها الحياة أبدًا وإن هزلت. تتفتح عين المرء كل يوم على مساحات من وحدة مهيبة، تفوق وطأتها على النفس كل الجزر الدقيقة للاجتماع. الصحراء هي أرض الصمت، والغريب عن الصحراء هو الكلام، والتفكير بالكلمات، والمحاورة، والتواصل. في خضم هذا الاتساع الهائل، الساخر مريرًا من أي مفهوم متضخم عن الذات، ليس شيءٌ إلا الخلاء الكثيف غطاءً لكل ما تقع عليه العين هنا وحتى الآفاق، أما الفاعل الإنساني فملحوظة تافهة على هامش المكان. أن يفكر المرء في المكان كما نفكر نحن فيه، في الصحراء حيث لا يكون المكان بيتًا إلا بين موسم وموسم، هو تهديد بالفناء. لا دائم إلا الأفق الذي يقاوم الاحتجاب ليرسم حدود الطبيعة المعروفة، ومثلما هو الحال في البحر، يقف الأفق مقابلًا للأرض باعتباره نهاية الطبيعة التي لا تُبلغ، وخاتمتها التي لا تُختتم

إن ما يقدمه بامية للدراسات الإسلامية هو حشو الحياة اليومية ومادتها، معايشة لانبثاق العقل الإسلامي وتفتحه من داخل العقل الجاهلي، وهو بهذا المعنى ليس تاريخًا بالمعنى التقليدي، وخطاطة الكتاب ليست تتابعًا زمنيًا للأحداث «المادية» وإنما حركة ديالكتيكية لمفاهيم العقل. فالكتاب مقسم إلى بابين عنوانهما «الأرض» و«العقيدة»، ومن بين فصوله مثلًا: «الأفق والرؤية والاستقرار»، «التوقف والخطاب»، «الانتظار»، «الطبيعة والنص والأطلال»، «منطق التجوال»، «عبرَة الشاعر وخوف النبي: خيبات الاغتراب». هذه الروح الشعرية مردها الاعتماد الكبير على الفينومينولوجيا والنقد الأدبي، وهي الأشياء التي تهب الكتاب سحره فيما تثبط قارئه الباحث عن «المعرفة الجديدة» في صورة وثائق

لكن هذا المنهج يهب بامية القدرة على افتتاح إشكالات جديدة لم تكن لتخطر على بال الباحث الكلاسيكي أصلًا، مثلًا: ما دلالة الشهادة المنطوقة؟ وما الوظيفة الثقافية التي أداها «الطلل» الجاهلي، وكيف استوعبه الإسلام ثم تجاوزه؟ وما علاقة تحريم الخمر بمشروع لتجاوز الهوية القبلية؟ وما المثل الأعلى للمعرفة والسلطة الجاهليين؟ وأزعم أن بعض هذه الأسئلة لا يقبل الطرح ولا التصور من داخل تراث الدراسات الإسلامية بمناهجه التقليدية. أعتقد أن بامية ينجح في إنجاز الكثير مما وعد به، وينجح قبل أي شيء في إثبات أن فهمنا الحالي للتراث الإسلامي «الكلاسيكي» مهزوز وقاصر، وأننا بالتأكيد نحتاج إلى مزيد من الكشوف التاريخية والأدلة الأركيولوجية، لكننا نحتاج قبل ذلك إلى المزيد والمزيد من الخيال والجسارة، كي نفهم ما هو فعلًا بين أيدينا


[1] قيس ماضي فرو، ثقافة النهضة العربية وخطابات الهوية الجماعية في مصر وبلاد الشام، الفارابي، ٢٠١٧.

فكرة واحدة على ”الأصول الاجتماعية للإسلام: العقل والاقتصاد والخطاب (عرض كتاب)

  1. انك بدات ب بوبر وموضوع الريفيو مدح لحاجه ضد “المنهج العلمي” مقصوده ؟
    + سؤال دلاله الشهاده المنطوقه تقصد بيه ايه لاني اعتقد انه اتطرح في التراث نفسه

    إعجاب

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s