خلفية عن دراسات الطعام

مُجتزأ من كتاب “الطعام في المجتمع: الاقتصاد، والثقافة، والجغرافيا” (Food in Society: economy, culture, geography) لبيتر أتكينز وأيان بولر. نقلًا عن موقع سكة معارف.

الترجمة: نرمين نزار سرحان، محمد عز، نادر هشام، نهال خليل (ضمن أعمال معمل الترجمة والكتابة/سكة المعارف).

  

الطبخ هو عملية أخلاقية، حيث تحول المادة الخام من “الطبيعة” إلى حالة من “التحضر” وبالتالي فأنها تستأنس وتُدجن… بالتالي فالطعم “يتحضر” بالطهي وليس على المستوى البسيط للممارسة فقط ولكن على مستوى الخيال (لوبتون، 1996، ص.2)

 مقدمة

من وجهات النظر الإبتسيمولوجية (نظريات المعرفة والمنهج) والزايتجايست العام (روح أي عصر محدد) كانت هناك مؤثرات عديدة عبر السنين على دراسات الطعام. ما يلي هو مجرد نموذج من الاتجاهات الحالية:

  • – مدرسة التاريخ الاجتماعي Annalesالفرنسية في التاريخ [مدرسة في كتابة التاريخ تركز على التاريخ الاجتماعي والحياة اليومية] خاصة بين أعوام 1960 حتى 1970 عبر أعمال فرناند بروديل الذي اهتم بكل جوانب الحياة “المادية”.(انظر Forster and Rnum, 1979)
  • – الاقتصاد السياسي لمنظومات الطعام ومفاهيم الطعام المرتبطة بها مثل صناعات الطعام، ونظم الطعام، وشبكات الطعام، وأنظمة التموين. ركز كُتّاب البنيوية الماركسية على ذلك بالذات في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
  • – “التحول الثقافي” في العلوم الاجتماعية، أي تسعينيات القرن العشرين، والتي أطلقت سلسلة من الكتابات عن الطعام باستخدام نفس المنهجيات الكيفية qualitative في الإثنوغرافيا وأخرى كثيرة لها نكهة “ما بعد حداثية”
  • – الطفرة في الاهتمام بالطعام بين الجمهور العام في السنوات العشرين الأخيرة. ويرجع هذا إلى حد ما إلى الزيادة الأخيرة في الأطعمة الغريبة التي أصبحت متوفرة في السوبرماركت وكثرة برامج الطهي في التلفزيون وكتب الطهي في المحلات.
  • – القلق الحالي حول سلامة الطعام والذي خلق حالة من الخوف وانعدام الثقة في ممارسات شركات الطعام التجارية والقواعد الحكومية لتنظيم الطعام. وقد توازن ذلك إلى حد ما باكتشاف عدد من “الأطعمة الوظيفية” التي أصبغ عليها صفات مانحة للصحة.
  • – لا تؤثر الصلة بين الطعام والجسد على الصحة فقط. فعدد من اضطرابات الطعام مثل الأنوركسيا نرفوزا والبوليميا مرتبطة بدور الطعام في أزمات هوية الجسد.
  • – إدراك الجوع وسوء التغذية في الدول الفقيرة والتفسير الذي طرحه الكاتب الحاصل على جائزة نوبل أمارتيا سن، لظاهرة المجاعة.

يسعى هذا الفصل إلى إظهار التنوع الثري في السياقات المعرفية والنظرية التي ازدهرت من خلالها دراسات الطعام كنتيجة لهذه التيارات الفكرية وتيارات أخرى نذكرها أدناه.

المداخل التاريخية

بالرغم من أن بعض الدراسات التاريخية عن الطعام دراسات أثرية أو تهدف إلى إلقاء الضوء على بيئة زمنية محددة، إلا أن العديد من الدارسين قد استخدموا الطعام كمحدد تطوري للتغيير عبر فترات زمنية طويلة بهدف إصدار أحكام عامة حول السلوك الاجتماعي-الاقتصادي. أظهر بورنت (Burnett, 1979) بصفة خاصة الدور المركزي للطعام في دراسة التاريخ الاجتماعي، على سبيل المثال كمساهم أساسي في تغير تكاليف المعيشة. ويفضل جليني (Glennie, 1995) أن يفحص الطبيعة المتغيرة للاستهلاك بفحص المراحل المختلفة في تطور السوق العام Mass Market ويجب أن يتضمن هذا الفحص الاعتبارات المادية للثروة وتكنولوجيا الإنتاج، ولكن دراسات ثقافة الاستهلاك مهمة أيضاً، كما هو الأمر فيما يخص عوامل جانب العرض مثل ظهور أشكال جديدة للبيع بالتجزئة. (انظر: Lancaster, 1995).

تعرّف مانيل وموركوت وفون أوترلو (Mennell, Murcott and van Otterloo, 1992) على كتابات “تنموية” عن الطعام. من وجهة نظرهم تتضمن تلك الكتابات بعض من أعمال مارفين هاريس (1986) وستيفن منيل نفسه وأخرين مثل سيدني مينتز وجاك جوودي حيت يكمن التوجه في تفسير الأنماط المختلفة لاستهلاك الطعام في سياق تطورهم التاريخي في بعض سياقات الاقتصاد وممارسة السلطة. لذا لا يكون التفضيل والتجنب فيما يخص الطعام عشوائيا وعصيا على التفسير المنطقي ولكن يمكن أن نستنبطه من سلسلة من الأحداث التاريخية التي تركت أثرها على أنظمة الطعام في الوقت الحالي. يناقش وارد (Warde, 1997) كتاب مانيل المؤثر (1985) وينتقده، حيث يرى أنه امتداد لأعمال نوربرت إلياس عن عملية التحضر. الأساس الضمني لطرح مانيل هو تسليع الطعام من جانب العرض داخل إطار من رأسمالية التصنيع وقطاع الخدمات. على الجانب الأخر يعمل مينتز (Mintz, 1995) من داخل إطار نظرية المنظومة العالمية world system theory وهو توجه مادي لدراسة التغيير استحدثه إيمانويل والرستين. حرر جرو (Grew, 1999) مجموعة أبحاث بتوجه عالمي مماثل.

وقد فحص علماء تاريخ آخرون الدور المتغير لسلع معينة عبر فترة طويلة من الزمن. وتظهر دراسة سالامان (Salaman, 1949) أن البطاطس تنال قدراً مستحقاً من الشهرة (انظر أيضًا McNeill 1999) وذلك فعل مينتز مع السكر (Mintz, 1985, 1999). في حين ركز أخرون على تطور نمط الغذاء الوطني مثل دروموند وويلبرهام (Drummond and Wilbraham, 1957)، ولفينستين (Levenstein, 1988, 1993) وسمينار المؤرخين وخبراء التغذية الممتد كونه مشروع يتميز بأنه واسع المدى في هذا السياق (انظر: Yudkin and McKenzie 1964; Barker, McKenzie and Yudkin 1966; Barker, Oddy and Yudkin 1970; Barker and Yudkin 1971; Oddy and Miller 1976, 1985; Geissler and Oddy 1993; Burnett and Oddy 1993). ومن التطورات المشجعة مؤخرا ظهور مجموعات دولية هدفها دراسة الطعام في سياق مقارن. وبشكل خاص نشطت مؤخرا المفوضية الدولية لدراسات تاريخ الطعام الأوروبي (التي تأسست عام 1989) (انظر: Burnett and Oddy 1993; Hartog 1995; Scharer and Fenton 1998; Teuteberg 1992). وتسعى “الجمعية الجديدة لدراسة الطعام والمجتمع” إلى تحقيق نفس الشيء على المستوى الدولي.

ولقد شجع الحماس الشعبي لتاريخ الطهي على التوسع في النشر في هذا المجال بالإضافة إلى فاعليات عامة مثل سيمبوزيوم الطعام والطهي الذي يتم تنظيمه سنويا منذ 1981.

المداخل الثقافية والسوسيولوجية

 بدأ اهتمام العديد من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا – من الوظيفيين والبنيويين – بدراسات الطعام خلال القرن العشرين. ومن بين الوظيفيين، في بداياتهم الأولى، كان الإمبيريقيون، الذين وصفوا عادات الطعام (العادات الغذائية) باعتبارها نوع من السلوك الطقسي والعرفي الذي يدعم إعادة انتاج مجتمع مستقر (انظر: Lupton, 1996). وقد حددوا قيمًا ومعايير معينة في أنماط الأكل تُعد رموزًا لبناءات أوسع داخل المجتمع ككل، وقد جادلوا بأن عادات الطعام التي تبدو مختلفة بالنسبة للغرباء عن المجتمع، فإنها في الحقيقة قد تكون لها وظيفة تساعد على ترابط المجتمع معًا (انظر: Goody, 1982).

ويؤكد الوظيفيون على الطبيعة النفعية للطعام، ويعطوا الأولوية لسماته المادية. وقد تم انتقاد هذه المقاربة كُليًا وكان النقد الموجه إليها هو تحليلها للأنماط والعمليات داخل إطار ثابت ومستقر، وإتاحة مساحة صغيرة لا تُذكر لتفسير أو حتى رؤية أهمية الأصول، والتغير، والصراع. وقد هوجمت – هذه المقاربة – أيضًا لإدعائها بأن من الممكن تفسير الاحتياجات الوظيفية للنظام الاجتماعي من خلال عاداته وبناءاته المؤسسية دون الدخول في جدالات دائرية (جدالات لا تفضي إلى شيء. انظر: Beardsworth and Keil, 1997). إن الكثير من الأعمال المبكرة عن الطعام المرتبطة بالوظيفية قدّمها علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وكان من بين أبرزهم كُتًاب مثل أودري ريتشارد، ومارجريت ميد.

وبالمقارنة؛ نجد أن البنيوية قد سعت إلى فهم أوسع وأعمق لمعاني العادات الغذائية وأسبابها، وبصورة خاصة “كيف أن المذاق (تذوق الطعام) يتشكل وفقًا لقواعد ثقافية ويكون محكومًا بقواعد اجتماعية” (انظر: Mennel, Murcott and van Otterloo, 1992). ويتم التقليل من قيمة النكهة، والملمس، والمميزات الغذائية والخصائص البيولوجية الأخرى لصالح السياق الاجتماعي الذي تكون فيه. وهناك مدخل ضمن البنيوية اشتمل على تطبيق أفكار سوسير حول التحليل اللغوي[1] لفهم ثقافة الطعام. وعلى وجه الخصوص، قام كلود ليفي ستروس (المولود في عام 1908) بتحليل عالمية المعاني المتضادة (فيما أسماه مثلث الطهي): النيئ والمطبوخ والفاسد. وقد اعتقد ستروس أن هناك سلوكيات معينة إزاء الطعام لها جذور راسخة في العقل البشري، وبالتالي فإنها تولد بناءات عالمية من الفكر والفعل. وقد تعرض ليفي ستروس للنقد فقيل إنه خرج بافتراضات وتعميمات “خيالية” استقاها من خرافات الشعوب القبلية، وقيل إنه فشل في تقديم تفسيرات مرضية توضح طرق الطعام في المجتمعات المتقدمة (انظر Bearsworth and Keil, 1997).

وكان رولان بارت (1919 – 1980) واحدًا من البنيويين الأكثر امتاعا وكانت نظرته ثاقبة. لقد استخدم بارت عينه السيميائية (حسه السيميائي) ليحاول تفسير تفضيلات الطعام الشعبية والطعام في وسائل الإعلام كالإعلانات. لقد نظر بارت إلى الطعام باعتباره نظامًا من الإشارات (انظر: Barthes, 1967, page 28). وكأي لغة، فالنظام الغذائي لديه قواعد للإقصاء، والدلالات المتناقضة (مثل مالح/ حلو)، وقواعد حاكمة لمعاني الترابط، مثل كيف يجب تجميع الأطباق الفردية وقوائم الطعام، وطقوس الاستخدام. ومرة أخرى كان للبنيوية اللغوية لسوسير تأثير كبيرًا على بارت، ولكن على النقيض من ليفي ستروس، فإن بارت يناقش مفاهيم كالرأسمالية والإمبريالية، وبالتالي كان تحليله له أهمية كبيرة للقراء الغربيين، ووثيق الصلة بهم. وكانت إحدى إسهامات بارت البارزة والدائمة هي تصنيفه وتفسيره لبعض الأساطير التي استمدها من الحياة اليومية في فرنسا. وقام بتحليل الصابون، وبرج إيفل، وعالم المصارعة، وأشياء أخرى كثيرة. وكان من مناطات التحليل الرئيسية الطعام والشراب، مع تعليقه على أمور مثل تجميل الأطباق ولحم “الستيك” وزبد المارجرين. وكتب عن النبيذ كمشروب طوطمي يقابل اللبن عند الهولنديين أو الشاي عند البريطانيين، وبالتالي يُصنف كرمز وطني (Barth, 1972). ولقد كان الطعام بالنسبة لبارت أساسٌ لمختلف جوانب الحياة التي تمس الجسد والعقل، وكلها قابلة للتحليل من خلال منهج تفسيري واحد هو علم النفس الاجتماعي.

وعلى غرار ليفي ستروس وبارت، تفك دوجلاس (Douglas, 1975, 1982, 1984, 1998) شفرة القواعد المرتبطة بالوجبات كما لو كانت نصوصًا مشفرة يتم تفكيكها داخل سياقاتها لتكون ذا دلالة. ولكنها فضّلت تقديم وصف تفصيلي ومُكثف في دراساتها، بناء على منهج “الراصد المُشارك – participant observation”. وقد تم تصنيف دوجلاس على أنها بنائية وظيفية لأنها تعتمد على عناصر من كلا النهجين (المقاربتين)؛ فمعنى الوجبة بالنسبة لها مستمد من دوره كحدث اجتماعي مُنظَّم.

وقد خمدت النزعة اللغوية في كثير من الأعمال الأولية لمشروع الاقتصاد السياسي للماركسيين البنيويين، الذين ساروا على درب مفكرين مؤثرين مثل لوي ألتوسير، الذي كان مهيمنًا بشكل خاص في المجال الفلسفي في السبعينيات والثمانينيات. وكانوا يميلون إلى تمييز (الإعلاء من مكانة) الرؤى النظرية على الرؤى الإمبيريقية، وكانوا يستغرقون بشكل خاص في محاولة الكشف عن البناءات المعقدة والعمليات الخاصة بالتراكمات الرأسمالية. أحد الأمثلة على هذا المدخل هو الفصل الثالث، الذي يبحث في مفهوم النظم الغذائية.

وفي عمله عام 1984، فرض بورديو نفسه كواحد من أهم المنظرين المتصلين بدراسات الطعام. وكعديد من الكُتّاب الآخرين، أدرك بورديو أنه بحاجة إلى أن يتجاوز التفسيرات المجتمعية الموجهة نحو الإنتاج، والتي سيطرت على المادية لفترة طويلة، متجها نحو إطار يُمكّنه من استيعاب اعتبارات الاستهلاك ونمط الحياة. ومع ذلك، لا يزال بورديو يرى أن الطبقة ذات أهمية كبيرة في التحليل، ويفسر المذاق (حب الشخص لنكهات معينة) وطبيعة السلوك الاستهلاكي باعتبارهما تعبيرًا عن الهوية الطبقية، ووسيلة لإعادة إنتاج التمايزات الطبقية في المجتمع. وتمثل العادات الغذائية بالنسبة لبورديو، تجسيدًا للأيديولوجيا (انظر: Miller, 1995).

ويقف بورديو في منطقة وسط بين البنائية الماركسية والدراسات الثقافية. ويوجد باحثون يفضلون بصورة أكبر البنائية الماركسية على الدراسات الثقافية. وهم يفعلون ذلك لأنهم يعتقدون أن الأفراد في العديد من المجتمعات لديهم حرية متزايدة في الاختيار بشأن قراراتهم الاستهلاكية الخاصة، بطرق تجعلهم غير مقيدين بالإنتاج أو بقرارات التسويق الخاصة بالشركات الغذائية أو بالولاء لمعايير طبقية. في وجهة النظر هذه، يُصبح الاستهلاك أكثر فردية، وغير رسمي، وأقل انضباطًا (انظر: Baumann, 1988, Warde, 1994).

ومنذ السبعينيات، أضافت النسوية بُعدًا جديدًا لدراسات الطعام كان مفتقدًا إلى حد كبير في الدراسات السابقة. وقد حللت الكاتبات النسويات دور المرأة داخل الأسرة المعيشية، وبصورة خاصة الدور الذي تلعبه عن طريق مهام إعداد الطعام في إعادة إنتاج العائلة. ولكنهم تناولوا أيضًا العلاقة بين الغذاء وشكل الجسد في بناء هوية الأنثى في إطار من التوقعات الأبوية. حتى إن أحد الأطروحات النسوية ترى أن العناصر الغذائية نفسها لها دلالة، حيث تقول آدامز في دراستها عام 1990 إن قتل الحيوانات وتناول لحومها هي أنشطة ظهرت بإلهام من المؤسسة الأبوية.

وفي التسعينيات، أثرت الانعطافة الثقافية في العلوم الاجتماعية على بعض جوانب دراسات الطعام. ففي كتابهم الصادر عام 1997، يوضح بيل وفالنتين (Bell and Valentine, 1997) موضوعات مختلفة، مُركزين بشكل أساسي على العلاقة بين جغرافية الغذاء والاستهلاك. وقد تبنوا مقاربة تركز على تدرج مستويات التحليل، واستخدموا مستويات مختلفة من التحليل تبدأ بالجسد، ثم تنتقل إلى المنزل، ثم المجتمع المحلي، فالمدينة، فالمنطقة أو الإقليم، فالأمة بأكملها، وأخيرًا العالم أجمع. وقد كان العنوان الفرعي للكتاب “نحن نكون حيثما نأكل” وهو تعديل جغرافي للمقولة الألمانية “أنت ما تأكله”. بالنسبة لمعظم علماء الاجتماع المهتمين بدراسات الطعام، فإن هذه الانعطافة الثقافية تعني لهم التحول إلى استخدام منهجيات إثنوجرافية لجمع البيانات.

مداخل ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية المتصلة بالطعام

التحول الثقافي.. ما بعد الحداثة.. ما بعد البنيوية؛ كلها مصطلحات قد تم استخدامها لفهم وتوضيح التطورات المنهجية والنظرية الأخيرة التي طرأت علي العلوم الاجتماعية. وكانت الأعمال العديدة اللي ظهرت مثيرة ومحفزة للتفكير، ومن القضايا الأساسية اللي اعتنت بها ما يلي:

– فهم طبيعة المعرفة المتعلقة بالطعام من خلال بنائها الاجتماعي، بدلًا من الاعتماد على السرديات “الموضوعية” العلمية أو التاريخية الوصفية حول الطعام بشكل حصري.

– مقاربة ناقدة لفهم ممارسات الطعام، تقر بطبيعتها الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية المترسخة، وهي المقاربة التي تسعي إلى فهم وتسليط الضوء على المصالح المتنافسة التي تقود إلى التغيير.

– الخطابات: دراسة أنماط اللغة والممارسات الخاصة بعملية إنتاج المعني فيما يخص الطعام.

– الاهتمام بمواقع متنوعة للنشاط: الثقافة الشعبية، والنصوص، والسرديات الفردية.

– الاهتمام بالجسد كموقع هام لفهم قضايا الصحة والهوية.

– تحليل قضايا الهوية والذات من خلال عدسة دراسات الطعام.

– التأكيد على تشظّي أنماط استهلاك الطعام بدلًا من التأكيد على تماسكها من منطلقات اقتصادية وثقافية. إذ ظهرت أسواق طعام متخصصة ونخبوية مُكرّسة لمن هم أنحف قوامًا، والنباتيين، ومستهلكي الطعام العضوي، وهلم جرّا، لكن في الوقت نفسه أصبحت مسألة اختيار الطعام أيضًا وسيلة لمقاومة توجهات اجتماعية أعرض.

في نفس السياق المذكور، خرج وارد (Warde, 1997, pages 14-18, 30-41) بدراسة تُلخص وتوجز التفسيرات المتنافسة لاتجاهات استهلاك الطعام في الآونة الأخيرة. وقد حدد وارد أربع تيمات، يتعامل أولها مع الميل تجاه التنوع الفردي العشوائي في استهلاك الطعام. وكانت مقولته الأساسية هنا أن في الآونة الأخيرة، انحلّت كثيرًا القيود الاجتماعية على أنماط الحياة، التي كانت فيما سبق قوية، وقد صاحب هذا زيادة كبيرة في تنوع السلوك الاستهلاكي (انظر: Beck, 1992). وتتأكد قدرة المستهلكين الفردية على الاختيار والتأثير، على المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشون في نطاقها، وتُعد هذه القدرة وسيلة هامة من وسائل ترسيخ هوية الفرد (انظر: Giddens, 1991). إن انحلال القيود المتصلة بالطعام (مثل الندرة، الموسمية، الطقوس، التابوهات، أنماط الطعام الثقافية) قد أدى إلى ما وصفه فيشلر (Fischler, 1980) بمسمّى “gastroanomy”. هذا قد يسبب القلق، على سبيل المثال القلق إزاء مفارقة وفرة إمدادات الطعام مقابل القلق إزاء ما الذي يمكن أكله، على خلفية الاعتبارات الصحية والوعي الذاتي بالجسد.

وتتصل التيمة الثانية بما يسميه وارد “طعام ما بعد الفوردية”. هنا يُسلط الضوء على تكوّن جماعات جديدة في المجتمع تتشارك في أنماط الحياة وليس في الطبقة الاجتماعية. تلعب الاختلافات الجيلية والموضة دورًا، ولأن الناس قد أصبح بإمكانهم اختيار صنوف من عادات الاستهلاك، فمن المُرجح أن التنوع داخل مجموعات الأشخاص المتقاربين في التفكير سوف يقل. هناك فكرة مركزية هنا حول ما إذا كان الاستهلاك التخصصي يحدث طوعًا أم هو نتيجة للاتجاهات الرأسمالية نحو إنتاج أكثر مرونة، (انظر: Harvey, 1989) مما يعني أن المبادرة ما زالت في يد الصانع وليس المُستهلك.

ثالثًا، هناك ظاهرة الاستهلاك الجماعي الهائل في مجتمع الإنتاج الكبير التي قد نوقشت كثيرا. وضع ريتزر (Ritzer, 1993) يده على عملية “الماكدونالية”، حيث تلبي المؤسسات الحد الأدنى من القواسم المشتركة الثقافية للقاعدة العريضة من المستهلكين، وبذلك تبيع منتجات مملة غير صعبة في الإنتاج، تتجاوز حدود الطبقة والذوق انطلاقًا من كونها مقبولة على نطاق عريض. الاعتبارات الخاصة بالاستهلاك الجماهيري تشمل أيضًا الحملات الحكومية للتوعية الصحية وبناء الذوق العام في الطعام عن طريق الإعلام.

وأخيرا، لا يسعنا أن نتجاهل استمرار أهمية التمايز الاجتماعي “social differentiation”. فهناك انقسام متزايد بين “الغرب” والبلاد النامية في الدخول. وحتي في بريطانيا فقد اتسعت الفوارق في الثمانينيات والتسعينيات. لكن ما زالت أنماط الاستهلاك الخاصة بالفقراء لم تتغير؛ حيث يتم استبعادهم من إمكانات الجودة والتنوع. وبالنسبة إلى ذلك المنظور تبقى الطبقة جانبًا مهمًا من جوانب الغذاء (Bourdieu, 1984).

أنظمة الطعام

تُعد فكرة نظام الطعام طريقة مناسبة لوضع تصور للعلاقة بين القوى المختلفة القائمة ضمن عملية تدفقات السلع من المُنتِج إلى المستهلك. الفكرة ليست جديدة؛ فهناك كم كبير من الأدبيات يرجع إلى 150 عامًا مضت، وصف فيها الكُتاب خصائص سلاسل غذائية بعينها. فعلى سبيل المثال، كان كتاب جورج دود (1856) محاولة رائدة لإعادة بناء إمدادات مدينة معينة، من مجموعة من المنتجات. ويعتبر كتاب رايسونز (1933) المقسم على مجلدين مثالًا رائعًا على دراسة نوع واحد من السلع، حيث غطت إسهاماته كل جوانب صناعة منتجات الألبان البريطانية بداية من إنتاج الحليب وحتى توصيل الطلبات. وفي الدراسات اللاحقة، أصبح من الممكن إعادة بناء هياكل نظام الطعام من خلال التحليل المعقد لمصفوفات المدخلات والمخرجات الصناعية (الشكل 1.1). وبدأ الباحثون في تنظير ديناميكيات نظام الطعام (مالاسيس 1973, 1975, 1986). والسردية الأحدث والأكثر شهرة عن نظام الطعام تعود لتانسي وورسلي (1995).

وقد علق فاين وآخرون (Fine et al, 1996) بأن دراسات الطعام ما زالت حتى يومنا هذا متشظية إلى حد كبير، وذلك وفقًا للمداخل التقليدية التي تعتمدها المجالات العلمية المختلفة، فضلًا عن أنها أيضًا تفتقد الترابط النظري. وما يدفعون به هو أن الوقت قد حان لتخصيب متبادل أكبر بين الجغرافيا وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد وعلم النفس وغيرها من العلوم الاجتماعية ذات الاهتمام المشترك بالطعام. وتوفر سلسلة السلع في مظاهرها المختلفة موقعًا مناسبًا لمثل هذا الإثراء المتبادل من الناحية المفاهيمية والإمبريقية. وتشمل كلًا من الإنتاج والاستهلاك، وتوفر روابط واضحة مع المفاهيم المكانية للمجتمع.

ويقدم ليزلي ورايمر (Leslie and Reimer, 1999) نقدًا مفيدًا لأدبيات سلسلة السلع (انظر أيضًا: Jackson and Thrift 1995, 212-17; Hartwick 1998; Doel 1999). والكاتبات يحددان في المقام الأول تقليدًا يستمد إلهامه من نظرية النظام العالمي لكُتّاب مثل والرشتاين. الخطة هنا هي تتبع تدفقات السلع على نطاق عالمي، من أجل الكشف عن العلاقة المتحيزة والاستغلالية، عادة، بين مُورِد المواد الخام و مكان الاستهلاك. وقد قال ليزلي وريمر بأن النطاق الكبير لهذا التحليل يؤدي إلى إهمال نقاط التقاء بعينها في السلسلة، ومثل هذه التحليلات السطحية على هذا المستوى من النظام، هي تحليلات مختزلة وتهمل دور التدخلات البشرية.

ثانياً، يقوم ليزلي ورايمر بفك مفاهيم دوائر السلع وميادين الاستهلاك. فهنا لا تتعرض السلعة المادية إلى التتبع منذ بداية صناعتها وحتى استهلاكها. ولكن يُنظرإلى السلعة كرمز للتفاعلات في المجتمع، المتغيرة عبر الزمان والمكان وفقًا للصلات المحتملة. تنطلق هذه المقاربة من علماء الجغرافيا الثقافية، (انظر: Bell and Valentine 1997, 199-200) لكن هناك احتمالات للاختلاط نظريًا بالاقتصاد السياسي (Crang 1996; Cook and Crang 1996). فيرى البعض أن تاريخ الأطعمة يحتاج إلى أن يأخذ في اعتباره نشأتها الاجتماعية كسلع، وهو ما سيعني، بالضرورة، بعض العلاقات الانعكاسية المتبادلة بين هذه ‘الأشياء’، وبين الأيدي التي تمر عليها (Cook et al, 1998) على سبيل المثال ناقش كوك وآخرون 1999 السياسات المرتبطة بسياسة الهوية لأطعمة الجماعات العرقية والمطاعم ودورها في توطيد التعدد الثقافي البريطاني تدريجيًا.

figure1

الشكل 1 تقديرات المكونات الرئيسية لنظام الطعام في المملكة المتحدة، 1997

المصدر: وزارة الزراعة

ثالثًا، علينا أن نركز على أدبيات “شبكات الطعام” (الفصل الرابع). هناك تشابك مع الاقتصاد السياسي للطعام تحديدًا هنا، لكننا هنا أيضًا بصدد إسهام منهجي مُبتكر مبعثه “نظرية الفواعل-الشبكة” (ANT) التي وضعها برونو لاتور ومن سار على دربه. يقدم لاتور طريقة لفهم الروابط بين الفاعلين: من البشر، والأشياء، وما هو هجين لكليهما. تتشكل هذه الروابط من تأثيرات وتفاعلات متعددة الأشكال، مصحوبة بقدرة (لفاعل بشري أو غير بشري) أكثر بروزًا مما كان سيكون عليه الحال في التحليل البنيوي أو الوظيفي (Lockie and Kitto 2000). وقد تبنى عدد من الكتاب المعنيين بأنظمة الطعام نظرية الفواعل-الشبكة (ANT) (Murdoch 1994,1995,1997; Marsden and Arce 1995). وقدمها جودمان (1999) مؤخرًا على أنها أداة للتغلب على عدم قدرة دراسات الطعام الزراعية على إعطاء الأولوية لكل من الطبيعة والمجتمع في آن (لكن انظر Marsden, 2000).

رابعًا، هناك أنظمة الإمداد (SoP) التي استخدمها فاين وآخرون (1996) للتركيز على موضوعات السلع بشكل “رأسي” بدلًا منه “أفقي”. يركز الأسلوب الأفقي على عوامل الاستهلاك التي يمكن تحديدها عبر كل المجتمع، مثل الطبقة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي للمستهلكين، ويعتمد المنظور الرأسي على دراسة الأنشطة المتعلقة بنظام الطعام، مثل الإنتاج والبيع بالتجزئة (الأفقي). مثال على ذلك، الاهتمام الموجه مؤخرًا لأنظمة الطعام من جانب علماء الاقتصاد السياسي، الذين ركز كثير منهم على توسع دور رأس المال. ورسموا القوة الاقتصادية لشركات تصنيع الأطعمة وحددوا الاتجاه إلى التصنيع الزراعي. يؤكد هذا المنظور على قدرة الصناعة على التوحيد وخلق التماثل في نظم الطعام، والافتراض الكامن هنا هو أن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تجانس أعظم في إنتاج الطعام، وممارسات تصنيعه واستهلاكه. ومن جهة أخرى يعامل الأسلوب الرأسي السلع أو مجموعة السلع بشكل منفصل، وذلك لأن صفاتها تظل مختلفة عن بعضها إلى حد كبير (انظر أيضًا Galizzi and Venturini 1999). وبالتالي منتجات الألبان القابلة للفساد مثل الحليب، ستتطلب نظام إنتاج وتصنيع وتسويق يختلف عن ذلك المستخدم مع القمح على سبيل المثال.

أدى أيضًا رفض فاين لتحليل أنظمة الطعام أفقيًا للتساؤل حول قيمة الكثير من الدراسات الجارية عن الاستهلاك. المثير للدهشة أنه في ضوء نقده اللاذع للاقتصاد الكلاسيكي الوضعي، يبدو أنه واعٍ بكثرة الأدبيات الكيفية التي تظهر مصحوبة بتقديم وجهات نظر مختلفة حول الطعام. السبب الذي قدمه فاين وآخرون (1996) هو أن أدبيات ما بعد الحداثة تتناول تلقائيًا المسائل الأفقية، مثل بناء المعاني والهوية من خلال الطعام، مع استبعاد أمور أخرى. لكن المرء يشك في أن قلقهم ينبع أيضًا من الموقف غير المادي للكتاب الذين يتابعونهم عن كثب. من وجهة نظرنا يوجد الكثير مما يمكن تعلمه من الأدبيات ما بعد الحداثية وما بعد البنيوية، مثل تجاوز التركيز على السلعة في حد ذاتها.

اتفق جلينى وتريفت (1992، 1993، 1996) على أن أنظمة الإمداد SoPs لها مكان في دراسات الاستهلاك، لكنهما رفضا نقد فاين للدراسات الأفقية. كليهما ليس متعارض. إعادة بناء أنظمة الإمداد SoPs للسلع الفردية معرض لخطر إهمال الروابط بين الأنظمة و “التأثيرات الجديدة التي لا يمكن أن نجدها مُركّزة في نظام واحد”. وبدلًا من تبني ما يقوم به فاين من تركيز على السلعة فضّل جلينى وتريفت أن يركزا عملهما على المظاهر المتكررة والبديهية للاستهلاك فالمستهلكون هدف مهم للدراسة، خاصة الجوانب العملية والمتجسدة في معرفتهم وليس فهمهم بشكل عقلاني على أنهم أهداف فردية. على الأقل في الفترة التي سبقت بداية القرن العشرين، فتجنب جلينى وتريفت تحليل الاستهلاك على المستوى التجريدي، مثل إشارات الإعلانات على سبيل المثال. وبدلًا من ذلك كرسا طاقتهما لتغطية التسلسل الزمني لتاريخ الاستهلاك.

figure 2

الشكل 2 نظام الطعام الزراعي.

المصدر: تعديل على واتمور 1995.

عارض جليني (1998) نظرية الاستهلاك التي رآها اختزالية، واشتبك مع دراسة تاريخية مفصلة للبيع بالتجزئة تضمنت تعليقات على شراء الأطعمة.

فاين عالم اقتصاد سياسي، لكنه لا يشارك زملاءه في إجماعهم على أن أنظمة الطعام ظهرت خلال ما يقرب من العشرين سنة الأخيرة. فموقف فاين من آراء زملائه نابع من ملاحظة أن تسليع الطعام في تزايد وأن الاقتصاد الزراعي في العموم أصبح مندمجًا ضمن الهياكل الأوسع للرأسمالية إلى الحد الذي أصبحت معه ظروف الإنتاج الصناعية غالبة بين بعض القطاعات الزراعية. إن دور رأس المال التمويلي، وانتشار العمالة والتكنولوجيا، وأنماط تراكم رأس المال، كلها جوانب أخرى لعلاقات الصناعات الزراعية التي تجذب أساليب تحليل متعارف عليها في دراسات إعادة هيكلة الصناعة الفوردية، وما بعد الفوردية. على المستوى العالمي تُحدد هذه المجموعة من علماء الاقتصاد السياسي ما يسمونه ‘نظم الطعام ‘ “food regimes” (الفصل الثالث). هذه تحولات في أنماط التجارة العالمية التي تطورت من هياكل تجارية وهياكل استعمارية، ثم إلى هيمنة متزايدة من قِبَل القوة الشرائية والمؤسسية للشركات متعددة الجنسيات ومن قِبَل الأطر التنظيمية لمنظمة التجارة العالمية.

لاحظ فاين ومن معه أهمية كتابات علماء الاقتصاد السياسي، والكثيرون منهم علماء جغرافيا اقتصادية لكنهم يختلفون مع بعض الافتراضات. نقطة انطلاقهم الأساسية هي القول بأن الطعام كسلعة يختلف عن باقي السلع لدرجة أنه يستحق معاملة منفصلة. فهم يشددون على أن الطعام له خصائص ‘عضوية ‘ تجعله متفردًا عن صناعة السيارات أو المنسوجات (فاين 1993). يقع نظام الطعام في الحد بين البيئة والمجتمع وبالتالي محكوم بالظواهر الطبيعية. سيطرة الإنسان تتزايد، لكن أنظمة الطعام مازالت مُعتمدة بشكل كبير، أولًا على ظروف الإنتاج التي تتأثر بالتربة والشمس والمياه، وثانيًا قابلية الطعام لأن يفسد مما يعني ضرورة أن يحظى بعناية كبيرة في كل مرحلة بداية من الحقل، وحتى تقديمه على المائدة. تفرض هذه الاعتبارات قيودًا تنظيمية وتكنولوجية مختلفة عن تلك المفروضة في القطاعات الصناعية. ويؤكد فاين وآخرون الاحتياجات البيولوجية للأفراد المستهلكين في نهاية السلسلة الغذائية. وهذا مهم للغاية بسبب تواتر استهلاك الطعام، مقرونًا بكون الطعام بالنسبة لنا جميعًا مسألة حياة أو موت حرفيًا. الاعتبار الأساسي الثاني هو وجود حد أقصى لاستهلاك الطعام بشكل لا ينطبق على أي سلعة أخرى، هناك حد أقصى لما يمكن أن نأكله أو نشربه في المرة الواحدة، أو حتى في حياتنا كلها، وهذا أمر يختلف عن طلبنا الشره الذي لا يمكن إشباعه على سلع أخرى.

إننا نتفق مع فاين وزملائه، على أن التحليل الشامل لأنظمة الطعام (أنظمة الإمداد SoPs وفقًا لهم) أمر مثمر. تعقب السلسلة بداية من الإنتاج ووصولًا إلى الاستهلاك، يساعدنا على فهم مجموعات العوامل المحتملة والتي تتجه إلى الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسية والتكنولوجيا وما إلى ذلك. يمكننا أن نتعمق ونجادل حول أن أنماط التطور أساسية حتمًا لهذه الاحتمالات. لتصبح النتيجة أنه لا يجب إهمال المناطق الجغرافية التاريخية لنظم الطعام. ومع ذلك، لن نطور هذه الحجة هنا أكثر من ذلك، لأننا نرغب في تطوير مداخل أخرى لدراسة الطعام.

دراسات الطعام كمشروع للتخصصات المتعددة/المشتركة

لا شك في أن اهتمام عامة الناس بالطعام في الدول المتقدمة يتنامى. حيث تتناثر برامج الطبخ في جداول عروض التلفزيون البريطاني، وعادة ما تتصدر كتب الطبخ قوائم الكتب الأكثر مبيعًا. الربط المتكرر والكثير الآن بين الطعام والصحة واقترانه بظهور مشاكل الطعام على الأجندات السياسية في تسعينيات القرن الماضي، وهو ما دفعنا جميعًا للاهتمام والقلق على ما يخص أنظمتنا الغذائية.

ودون أدنى شك شجع هذا الوعي المرتفع بمسألة الطعام على توسعٍ موازٍ في البحث الأكاديمي. والأهم على نحو خاص، كان برنامج بحوث مجلس الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية ‘النظام الغذائي الوطني’ الذي استمر عمله من منذ 1992 وحتى 1998 قدمت آن ماركوت (أ1998) عرضًا شاملًا لكل أهدافه ونتائجه، وباختصار فإنه ساهم في تعزيز الأجندة متعددة التخصصات للعمل، في محاولة للإجابة عن سؤال، لماذا نأكل ما نصنع؟ (جدول 1) وكان هناك مشاركة من الممارسين للاقتصاد والجغرافيا وعلم النفس وإدارة الشئون الاجتماعية والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع والتعليم ودراسات الإعلام والتسويق.

واستنادًا لماركوت، أظهر تعدد التخصصات قوة التنوع في العلوم الاجتماعية، لكنها حذرت من أي توقعات كبرى حول إمكانية أن يمثل هذا البرنامج شكلًا من أشكال التكامل.

ونحن لا نشارك ماركوت تشاؤمها، ونفضل أن نقول أن الحواجز الفكرية أمر مبالغ فيه، وأنه إذا صح ذلك، فهناك، مؤخرًا، تقارب بين العلوم الاجتماعية والنظريات الثقافية ذات الصلة بدراسات الطعام. بالطبع تبين خبراتنا البحثية كم الفرص الهائل للإثراء المتبادل بين المجالات الأكاديمية التي تدرس الطعام. المشاكل العملية، المرتبطة بالوقت والتمويل أساسًا، ستظل قائمة، ولكن هذه المشاكل يمكن حلها. وتدعيم مراكز أبحاث دراسات الطعام متعددة التخصصات سيكون بمثابة بداية. وذلك بجانب الهيكل العلوي للدوريات العلمية المعروفة، وغيرها مما يمكن أن يتبعها.

جدول 1 الموضوعات الأساسية لبرنامج أبحاث نظام طعام الشعب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • تكوين وأثر سلوك الفرد ومعتقداته ومعرفته على اختيار الطعام
  • التعريفات الثقافية والرمزية لاستخدام الطعام
  • العمليات الاجتماعية واختيار الطعام
  • تأثير الاقتصاد الجزئي على اختيار الطعام

__________________________________________

المصدر: ماركوت ( 1998أ، ص 10)

[1] فرديناند دي سوسير (1857 – 1913): عالم لغوي سويسري شهير. يعتبر بمثابة الأب للمدرسة البنيوية في علم اللسانيات. اتجه دي سوسير نحو دراسة اللغات دراسة وصفية باعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية. ثم تبعه الكثير من الباحثين في استخدام منهجه اللغوي في تحليل الظاهرات الاجتماعية. (المترجم، نقلا عن ويكيبيديا).

 

المراجع: 

Adams, C. 1990: The sexual politics of meat: a feminist-vegetarian critical theory. New York: Continuum Publishing.

Atkins, P.J. and Raw, M. 1995: Agriculture and food. London: Collins Educational.

Barker, T.C., McKenzie, J.C. and Yudkin, J. (eds) 1966: Our changing fare. London:MacGibbon & Kee.

Barthes, R. 1967: Elements of semiology. London: Cape.

Barthes, R. 1972: Wine and milk. In Idem., Mythologies. London: Cape, 58-61.

Barthes, R. 1975: Toward a psychosociology of contemporary food consumption.

In Forster, E. and Forster, R. (eds): European diet from pre-industrial to modern times. New York: Harper & Row, 47-59.

Bauman, Z. 1988: Freedom. Milton Keynes: Open University Press.

Beardsworth, A. and Keil, T. 1997: Sociology on the menu: an invitation to the study of food and society. London: Routledge.

Beck, U. 1992: Risk society. London: Sage.

Bell, D. and Valentine, G. 1997: Consuming geographies: we are where we eat. London: Routledge.

Bourdieu, P. 1984: Distinction: a social critique of the judgement of taste. London:Routledge & Kegan Paul.

Burnett, J. 1979: Plenty and want: a social history of diet in England from 1815 to the present day. Revised edn. London: Scolar Press.

Caplan, P. (ed.) 1997: Food, health and identity. London: Routledge.

Cook, I. and Crang, P. 1996: The world on a plate: culinary culture, displacement and geographical knowledges. Journal of Material Culture 1, 131-54.

Cook, I., Crang, P. and Thorpe, M. 1998: Biographies and geographies: consumer understandings of the origins of foods. British Food Journal 100, 162-67.

Cook, I., Crang, P. and Thorpe, M. 1999: Eating into Britishness: multicultural imaginaries and the identity politics of food. In Roseneil, S. and Seymour, J. (eds) Practising identities: power and resistance. Basingstoke: Macmillan, 223—48.

Crang, P. 1996: Displacement, consumption and identity. Environment and Planning A 28, 47-67.

Dodd, G. 1856: The food of London. London: Longman, Brown, Green and Longman.

Doel, C. 1999: Towards a supply-chain community? Insights from governance processes in the food industry. Environment and Planning A 31, 69-85.

Douglas, M. 1975: Deciphering a meal. Daedalus 101, 61-81.

Douglas, M. 1982: Food as a system of communication. In Idem: In the active voice. London: Routledge, 81-118.

Douglas, M. (ed.) 1984: Food in the social order: studies of food and festivities in three American communities. New York: Russell Sage Foundation.

Douglas, M. 1998: Coded messages. In Griffiths, S. and Wallace, J. (eds): Consuming passions: food in the age of anxiety. Manchester: Mandolin, 103-10.

Drummond, J.C. and Wilbraham, A. 1957: The Englishman’s food. Revised edn. London: Cape.

Fine, B. 1993: Resolving the diet paradox. Social Science Information 32, 669-87.

Fine, B., Heasman, M. and Wright, J. 1996: Consumption in the age of affluence: the world of food. London: Routledge.

Fine, B., Heasman, M. and Wright, J. 1998: What we eat and why: social norms and systems of provision. In Murcott, A. (ed.) ‘The Nation’s Diet’: the social science of food choice. London: Longman, 95-111.

Fischler, C. 1980: Food habits, social change and the nature/culture dilemma. Social Science Information 19, 937-53.

Forster, R. and Ranum, O. (eds) 1979: food and drink in history: selections from the Annales E-S-C. Baltimore: Johns Hopkins University Press.

Galizzi, G. and Venturini, L. (eds) 1999: Vertical relationships and coordination in the food system. New York: Physica Verlag.

Giddens, A. 1991: Modernity and self-identity. Cambridge: Polity Press.

Glennie, P. 1995: Consumption within historical studies. In Miller, D. (ed.) Acknowledging consumption. London: Routledge, 164-203.

Glennie, P. 1998: Consumption, consumerism and urban form: historical perspectives. Urban Studies 35, 927-52.

Glennie, P.D. and Thrift, NJ. 1992: Modernity, urbanism, and modern consumption. Society and Space 10, 423-43.

Glennie, P.D. and Thrift, NJ. 1993: Modern consumption: theorising commodities and consumers. Society and Space 11, 603-06.

Glennie, P.D. and Thrift, NJ. 1996: Consumers, identities, and consumption: spaces in early modern England. Environment and Planning A 28, 25-45.

Goodman, D. 1999: Agro-food studies in the ‘age of ecology’: nature, corporeality, bio-politics. Sociologia Ruralis 39, 17-38.

Goody, J. 1982: Cooking, cuisine and class: a study in comparative sociology. Cambridge: Cambridge University Press.

Grew, R. (ed.) 1999: Food in global history. Boulder, CO: Westview.

Harris, M.B. 1986: Good to eat: riddles of food and culture. London: Allen and Unwin.

Harriss-White, B. and Hoffenberg, R. (eds) 1994: Food: multidisciplinary perspectives. Oxford: Blackwell.

Hartwick, E. 1998: Geographies of consumption: a commodity-chain approach. Society and Space 16, 423-37.

Harvey, D.W. 1989: The condition of postmodernity. Oxford: Blackwell.

Jackson, P. and Thrift, N. 1995: Geographies of consumption. In Miller, D. (ed.) Acknowledging consumption. London: Routledge, 204-37.

Lancaster, W. 1995: The department store: a social history. London: Leicester University Press.

Leslie, D. and Reimer, S. 1999: Spatializing commodity chains. Progress in Human Geography 23, 401-20.

Levenstein, H. 1988: Revolution at the table: the transformation of the American diet. New York: Oxford University Press.

Levenstein, H. 1993: Paradox of plenty: a social history of eating in modern America. New York: Oxford University Press.

Levi-Strauss, C. 1978: The raw and the cooked. London: Cape.

Lockie, S. and Kitto, S. 2000: Beyond the farm gate: production-consumption networks and agri-food research. Sociologia Ruralis 40, 3-19.

Lupton, D. 1996: Food, the body and the self. London: Sage.

McNeill, W.H. 1999: How the potato changed the world’s history. Social Research 66, 67-83.

Malassis, L. 1973: Economie agro-alimentaire, tome I: economie de la consummation et de la production agro-alimentaire. Paris: Editions Cujas.

Malassis, L. 1975: Groupes, complexes et combinats agro-industriels. Paris: ISMEA.

Malassis, L. 1986: Economie agro-alimentaire, tome III: I’economie mondiale. Paris: Editions Cujas.

Marsden, T.K. 2000: Food matters and the matter of food: towards a new food governance? Sociologia Ruralis 40, 20-29.

Marsden, T.K. and Arce, A. 1995: Constructing quality: emerging food networks in the rural transition. Environment and Planning A 27, 1261-79.

Mennell, S. 1985: All manners of food: eating and taste in England and France from the middle ages to the present. Oxford: Blackwell.

Mennell, S., Murcott, A. and van Otterloo, A.H. 1992: The sociology of food: eating, diet and culture. London: Sage.

Miller, D. 1995: Consumption and commodities. Annual Review of Anthropology 24, 141-61.

Mintz, S.W. 1985: Sweetness and power: the place of sugar in modern history. London: Viking.

Mintz, S. 1999: Sweet polychrest. Social Research 66, 85-101.

Murcott, A. (ed.) 1998a: ‘The Nation’s Diet’: the social science of food choice. London: Longman.

Murcott, A. 1998b: The nation’s diet. In Griffiths, S. and Wallace, J. (eds): Consuming passions: food in the age of anxiety. Manchester: Mandolin, 110-18.

Murdoch, J. 1994: Some comments on ‘nature’ and ‘society’ in the political economy of food. Review of International Political Economy 1, 571-77.

Murdoch, J. 1995: Actor-networks and the evolution of economic forms: combining description and explanation in theories of regulation, flexible specialization, and networks. Environment and Planning A 27, 731-58.

Murdoch, J. 1997: Inhuman/nonhuman/human: actor-network theory and the prospects for a nondualistic and symmetrical perspective on nature and society. Society and Space 15, 731-56.

Raison, C. (ed.) 1933: The milk trade: a comprehensive guide to the development of the dairy industry. 2 vols. London: Virtue & Co.

Ritzer, G. 1993: The Macdonaldization of society. Thousand Oaks, CA: Pine Forge Press.

Rozin, P. 1999: Food is fundamental, fun, frightening, and far-reaching. Social Research 66, 9-30.

Salaman, R.N. 1949: The history and social influence of the potato. Cambridge: Cambridge University Press.

Scharer, M.R. and Fenton, A. (eds) (1998) Food and material culture: Proceedings of the Fourth Symposium of the International Commission for Research into European Food History. East Linton: Tuckwell Press.

Tansey, G. and Worsley, T. 1995: The food system: a guide. London: Earthscan.

Warde, A. 1994: Consumers, identity and belonging: reflections on some theses of Zygmunt Bauman. In Abercrombie, N., Keat, R. and Whiteley, N. (eds) The authority of the consumer. London: Routledge, 58—74.

Warde, A. 1997: Consumption, food and taste: culinary antimonies and commodity culture. London: Sage.

Whatmore, S. 1995: From farming to agribusiness: the global agri-food system. In Johnston, R.J., Taylor, P.J. and Watts, M.J. (eds) Geographies of global change: remapping the world in the late twentieth century. Oxford: Blackwell.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s