النهضوي الأخير: طه حُسين

د. حسام رأفت أحمد

ترجمة: بسمة ناجي

نُشِرت هذه الترجمة لمجتزأ من كتاب “النهضوي الأخير، طه حُسين وإنشاء المؤسسات التعليمية في مصر” في العدد 1527 من جريدة أخبار الأدب المصرية، بتاريخ 30 أكتوبر، 2022

د. حسام أحمد، أستاذ مساعد في التاريخ بجامعة ماينوث، أيرلندا، والصادر عن جامعة ستانفورد، كاليفورنيا(2021)

التوسعية الثقافية المصرية

طه حسين يواجه النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا

صاحب المعالي مصطفى النحاس باشا، رئيس الوزراء، القاهرة.

تم افتتاح معهد فاروق الأول للدراسات الإسلامية ظهر اليوم في حفل كبير يجدُر بمصر وملكها العظيم وبإسبانيا العظيمة الأبيَّة. بهذه المناسبة أود أن أعبر لمعاليكم عن محبتي العميقة والصادقة ومودتي المخلصة لجميع الزملاء. سأغادر غدًا الأحد إلى باريس.

طه حسين

* برقية من وزير المعارف طه حُسين إلى مصطفى النحاس باشا (بالفرنسية)، 11 نوفمبر 1950.

في السابع من نوفمبر 1950، وصل طه حسين، وزير المعارف المصري، إلى مدريد في رحلة رسمية تستغرق ستة أيام إلى إسبانيا. كان في انتظار حسين وزوجته سوزان في محطة القطار وزير التعليم الإسباني، ونواب وزيري الخارجية والتعليم الإسبان، والمستعرب الإسباني إيميليو جارسيا جوميز (تلميذ طه حُسين القديم وسفير المستقبل) وطلاب البعثة الدراسية المصرية في إسبانيا وأعضاء السلك الدبلوماسي المصري. ركزت الصحف الإسبانية المهتمة بالزيارة على إنجازات حُسين الأدبية وسبب زيارته: افتتاح معهد فاروق الأول للدراسات الإسلامية في مدريد. في تقريره السري للقاهرة، وصف السفير المصري محمد حسني عمر الحدث بأنه انتصار كبير للدبلوماسية الثقافية المصرية، وذكر أن رد الفعل الإسباني الإيجابي يُعَد “يؤكد مكانة مصر العلمية وأهميتها الثقافية.”.

في ذروة حياته المهنية، رأى طه حُسين أن نقل “مكانة مصر العلمية وتأثيرها الثقافي” إلى مستوى إقليمي جزءًا لا يتجزأ مما أسماه “واجب مصر”. في رأيه، كان هذا الواجب ثقافي، خاصة مع الصحوة الوطنية الحديثة، أو النهضة، التي أهّلت البلاد لاستئناف ما رآه دورها التاريخي في قيادة العالم العربي والإسلامي لما وصفه بـ “النهضة الحضارية وتعزيز السلام”. كوزير للمعارف في حكومة الوفد الأخيرة (1950-1952)، دفع حُسين بهذه الأجندة الإقليمية إلى الأمام، لا سيما بين دول البحر المتوسط. أنشأ معهد فاروق الأول للدراسات الإسلامية في مدريد، وكرسي محمد علي الكبير للغة العربية وآدابها في نيس، وكرسي مماثل في جامعة أثينا. عندما حاول إنشاء معاهد مصرية للدراسات العربية والإسلامية في طنجة والرباط وتونس والجزائر، تصادم حُسين وجهاً لوجه مع السلطات الفرنسية التي كانت تخشى وتُعارض أي وجود مصري رسمي في شمال إفريقيا. جاء هذا الصراع بعد توقيع المعاهدة الأنجلو- مصرية (1936) وإلغاء الامتيازات (1937)، التي أعادت لمصر السيطرة على سياستها الخارجية وعلى مئات المؤسسات الأجنبية العاملة في البلاد. عكست تفاصيل هذا الصراع ثقة مصر المتزايدة في مؤسساتها التعليمية والثقافية، كما أشارت إلى توسع نفوذها الثقافي في أوروبا وشمال إفريقيا، ومثَّلَت تحولًا كبيرًا في سياستها الخارجية، التي انصب تركيزها حتى ذلك الحين على المشرق العربي وتجنبت أي تكدير لما كان يعتبر إرثًا من الصداقة المصرية – الفرنسية.

لم يُذكر هذا الصراع إلا بشكل عابر في عدد قليل من المصادر الثانوية، ولا تزال مجهولة بشكل كبير حتى بين الباحثين. في دراستي، أطرحُ صلةً هامة بين ما يسمى بالعصر الليبرالي في مصر والعصر الناصري الذي تلاه، حيث أصبح التدخل السياسي المصري في شمال إفريقيا، وبخاصة الجزائر، أكثر صراحة. أشار الباحثون إلى أن القومية العربية المصرية بدأت في ظل الملكية الدستورية، وركزوا على التدخلات المصرية في المشرق. ومع ذلك، يوضح هذا الفصل أن الاهتمام المصري امتد أيضًا إلى المغرب في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي. بإصراره على وجود مصري رسمي في شمال إفريقيا، أجبر طه حُسين السلطات الفرنسية والمصرية على صياغة سياساتهما الثقافية في المنطقة. تكشف مشاريعه عن جهود واعية ومنهجية لفرض دور ثقافي مصري رسمي في أوروبا وشمال إفريقيا. بدأت هذه الدبلوماسية الثقافية قبل وصول عبد الناصر إلى السلطة، وأنشأت قنوات اتصال هامة بين مصر والمغرب العربي. وردًا على المقاومة الفرنسية الشديدة لخططه، علَّق طه حُسين عمل البعثات الأثرية الفرنسية في مصر وهدد باتخاذ إجراءات جادة ضد المؤسسات الثقافية الفرنسية القديمة في البلاد. تكشف هذه التهديدات والتدابير غير المسبوقة ضد النفوذ الفرنسي في مصر، النفوذ الذي ارتبط به طه حُسين ذاته ارتباطًا وثيقًا، أن هذه المؤسسات قد وصلت إلى وضع ينبئ بالخطر قبل أزمة قناة السويس في عام 1956 بوقت طويل، ما أدى إلى تأميم العديد منها في نهاية المطاف.

يكشف هذا الفصل أيضًا طريقة عمل نظام التعددية الحزبية في مصر. لم يلعب البريطانيون أي دور في هذا الصراع مع فرنسا، وغاب عنه الملك فاروق إلى حد كبير. درس الفرنسيون طلب تدخل الملك لإلغاء إجراءات طه حُسين، لكنهم أدركوا في النهاية أن علاقة فاروق مع حكومة الوفد الشعبية متوترة ولا تسمح بأي تدخل من جانبه لصالحهم. مع ضغوط طه حُسين لقبول إنشاء معاهد ثقافية في شمال إفريقيا، أخذت السلطات الفرنسية في الاعتبار أنه كان عضوًا في حكومة شعبية منتخبة. تابعوا مؤتمراته الصحفية عن كثب وخشوا أن تُقَلِب تصريحاته المؤثرة الرأي العام ضدهم، خاصة وأن العديد من المجلات والدوريات المصرية وجدت طريقها إلى شمال إفريقيا الخاضعة للسيطرة الفرنسية، دون إذن السلطات الفرنسية في الغالب. وبدلاً من المواجهة المباشرة، ماطلت الحكومة الفرنسية في تلبية مطالب طه حُسين، على أمل انتخاب حكومة أقل قومية يكون اهتمامها بالمعاهد الثقافية أضعف.

من خلال لفت الانتباه إلى تحركاته ومفاوضاته مع الفرنسيين، أبينُ هنا أنه بعيدًا عن صورته كأديب غير مهتم بالسياسة، كان طه حُسين شديد الوعي بالطبيعة السياسية للمعاهد التي كان يحاول تأسيسها، ومناهضة الاستعمار كهدف بعيد لها. بناءً على ذلك، أبدأ القسم التالي من هذا الفصل بدراسة بعض أفكاره المنشورة حول توسيع دور مصر الثقافي في المنطقة، والطرق  التي توضح بها هذه الأفكار اعتقاده بعالمية الثقافة وحتمية تجاوزها لمحدودية الدوافع السياسية. بعد ذلك، انتقلتُ إلى جهوده كوزير للمعارف، وإنشاء معاهد ثقافية وكراسي في جامعات المنطقة بالرجوع لمصادر من الأرشيف الوطني المصري ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذلك من أوراق طه حسين الشخصية. بعدها، أستكشفُ رد فعل السلطات الفرنسية على تغيرات المشهد الثقافي وسَعي مصر إلى تقديم نفسها كمدافع عن الدراسات العربية والإسلامية. أختُم بإجراءات حُسين غير المسبوقة ضد النفوذ الثقافي الفرنسي في مصر قبل أسابيع قليلة من إقالة حكومة الوفد في يناير 1952.

طه حسين يدعو إلى بعثات ثقافية مصرية غير سياسية

درس الباحثون اهتمام مصر بالمشرق العربي قبل عام 1952، موضحين أن قومية عبد الناصر العربية تعود جذورها إلى فترة الملكية. يطرح إسرائيل جيرشوني وجيمس يانكوفسكي، على سبيل المثال، نشأة الفكر العروبي في أوائل الثلاثينيات، وكيف زادت قضية فلسطين خلال الثلاثينيات والأربعينيات من الشعور القومي العربي بين المصريين، مما أجبر السياسيين على التعامل مع الأحداث في فلسطين والمشرق عمومًا بجدية أكبر. ونتيجة لذلك، بدأ الزعيم الوفدي مصطفى النحاس، اتباع سياسة خارجية ذات توجه عروبي في عامي 1942 و 43. وفقًا لجرشوني، تطلع النحاس إلى زيادة شعبيته في الداخل من خلال تأييده لقيادة مصر للعالم العربي، وتوجت هذه السياسات بتجمع سبع دول، مبدئيًا، في جامعة للدول العربية، تم الاتفاق عليها في القاهرة، عام 1945. بعد الحرب العالمية الثانية، لجأت الحكومات المصرية المتعاقبة لسياسات القومية العربية لدعم نفوذ مصر في المشرق العربي، على أمل استخدام هذا النفوذ المتزايد للضغط على بريطانيا للجلاء عن بلادهم.

بعد انقلاب الجيش في يوليو 1952، وجَّه عبد الناصر السياسة الخارجية المصرية نحو مزيد من المشاركة الرسمية الصريحة في تسليح حركات المقاومة المناهضة للاستعمار، خاصة في الجزائر، مع إذاعة خطابات أشد ثورية، أبرزها التي كانت تُبَث عبر ترددات إذاعة صوت العرب التي بدات البث في عام 1953. في إحدى الدراسات القليلة حول دور البعثات التعليمية المصرية في الترويج للقومية العربية، يشير جيراسيموس تسوراباس إلى استخدام ناصر هذه البعثات لتعزيز نفوذه في العالم العربي من خلال تزويد الدول بالكتب المدرسية المصرية واختيار المعلمين ذوي العقلية السياسية، وهو ما أدى إلى احتكاكات مع البلدان المضيفة، مثل ليبيا والجزائر، التي كانت تخشى ثورية طلابها.

ذكر تسوراباس أنه في عهد عبد الناصر فقط “حدث توسع وتسييس للبعثات التعليمية المصرية في الخارج ضمن أجندة سياسة خارجية متميزة”، إلا أن بحثي أظهر أن الوفد قد بدأ ترسيخ الدبلوماسية الثقافية العروبية في شمال إفريقيا قبل وصول عبد الناصر للسلطة. أظهر ديفيد ستينر أيضًا أن القاهرة جذبت العديد من أعضاء حركات المعارضة في شمال أفريقيا فيما قبل 1952، بما في ذلك الرؤساء التونسيون والجزائريون المستقبليون الحبيب بورقيبة وأحمد بن بلة. في عام 1947، سعى هؤلاء المعارضون إلى تنظيم جهودهم من خلال إنشاء مكتب المغرب العربي، الذي صار مقراً للحركات القومية في شمال إفريقيا التي تطلق الدعوات لاستقلال تونس والجزائر والمغرب من خلال فعاليات ومنشورات. مع ذلك، لم تكن تلك هي الأسباب الوحيدة التي جعلت السلطات الفرنسية ترى القاهرة على أنها تهديد محتمل لنفوذها الراسخ في شمال إفريقيا. يكشف صراع طه حُسين مع الفرنسيين أن مصر لم تكن تأوي قوميين من شمال إفريقيا فحسب، بل اتخذت أيضًا خطوات ملموسة للتأسيس لحضور ثقافي مصري رسمي في المغرب من خلال بناء معاهد للدراسات العربية والإسلامية.

رُغم معارضة طه حُسين الدائمة للاندفاع نحو أي وحدة سياسية بين مصر والدول العربية الأخرى، فقد أصر منذ الثلاثينيات على أن المعرفة المُنتَجَة في مصر لابد أن يتم تقاسُمها مع الجيران العرب. في فصل من كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” يركز على ما يراه واجب مصر تجاه الدول العربية، دعا طه حُسين إلى جعل المطبوعات المصرية في متناول بقية العرب، كما حث على إرسال المزيد من المُعلمين إلى الدول العربية، واستقبال الطلاب العرب في المدارس والجامعات المصرية، والتأكد من قيام الحكومة المصرية بكل ما في وسعها لتسهيل إقامتهم في مصر. ولمواجهة البعثات التعليمية الأوروبية القديمة في المشرق، كتلك الموجودة في سوريا ولبنان وفلسطين، اقترح استخدام الحرية التي اكتسبتها مصر فيما يخص السياسات الخارجية بعد معاهدة 1936 لبناء مدارس مصرية في هذه البلدان لتقديم المزيد من “الثقافة العربية الشرقية” اللازمة لطلابها. وأصر على أن تُعلِم هذه المدارس المصرية الطلاب العرب في المشرق تاريخهم وجغرافيتهم، وتتجنب ما فعلته المدارس الأجنبية في مصر، وهو تعليم الطلاب تاريخ وجغرافيا البلدان التي تنتمي إليها تلك المدارس. كما شدد حُسين على أن “تكون معاهد ينشأ فيها الوطنيون لأوطانهم لا لمصر”. علاوة على ذلك، نظرًا لتطور التعليم العالي في مصر، والذي استقطب الطلاب من عدة دول عربية، اقترح طه حُسين توحيد النظم التعليمية في الدول العربية، لإعداد الطلاب العرب للحياة الأكاديمية المصرية. رأى أن مصر، بتوليها مسؤولياتها الثقافية تجاه بقية العرب، ستمثل مركزًا هامًا للتعاون الفكري في العالم، وصِلة ثقافية بين الشرق والغرب. من خلال “موقعها الجغرافي ونهضتها الحديثة”، رأى حُسين أن مصر مناسبة بشكل خاص لتولي هذا الدور الثقافي القيادي. هذا الدور الذي تعززه مؤسسات الدولة الثقافية، بحوارها مع مؤسسات مماثلة في الخارج يسمح لمصر بالمشاركة في بناء ما أسماه “الحضارة الإنسانية”.

معظم المعاهد الثقافية وكراسي الجامعات التي أنشأها وزير المعارف طه حُسين كانت في دول البحر الأبيض المتوسط ​​- إسبانيا وفرنسا واليونان ودول شمال إفريقيا. كما شجع الحكومة اليونانية على إنشاء كرسي للدراسات الهيلينية في جامعة فاروق الأول (جامعة الإسكندرية لاحقًأ)، التي أسسها عام 1942 والتي يحمل شعارها تمثيلاً لفاروس، فنار المدينة الهيليني وأحد عجائب الدنيا السبع القديمة. كان طه حُسين أول رئيس لتلك الجامعة ويظهر في الصورة الواردة في صفحة 48 وهو يلقي خطاب الافتتاح. كما خطط لبناء معهد في شمال إفريقيا على غرار المعاهد العلمية الفرنسية النشطة بالفعل في القاهرة وأثينا وروما، لتسهيل التعاون العلمي والتبادل الثقافي. في “مستقبل الثقافة في مصر”، ذكر طه حُسين أن علاقات مصر ببلدان البحر المتوسط ​​ قديمة وأن التأثير المصري على الشرق الأدنى، وخاصة اليونان، لا يمكن إنكاره. ثم تابع، مؤكدًا على أن الثقافة المصرية تميزت وتأثرت باتصالها الواسع بمنطقة البحر المتوسط​​، وأن النهضة المصرية المعاصرة قد أحيَت تلك الروابط القديمة فحسب. رأى طه حُسين أن مصر بمؤسساتها وثروتها وتأثيرها على الدول العربية والإسلامية، في وضع قوي يتيح لها المساهمة فكريا وماليا في المبادرات التي تعزز التعاون الفكري بين دول البحر الأبيض المتوسط ​​ودعم الدراسات التي تتناول حضارات المنطقة وتفاعلاتها وتاريخها وجغرافيتها. لقد تبنى شكلاً من أشكال التعاون العلمي حيث كان من المفترض أن تصبح مصر شريكًا نشطًا ونَّدًا حقيقيًا، وتساهم بأجندة أعمال بحثية قوية وجيدة التمويل. تنامت هذه النزعة المتوسطية في رؤية طه حُسين لدور مصر الإقليمي مع الصورة الثقافية للقومية العربية وريادة مصرية في مجال الدراسات العربية والإسلامية.

آمن طه حُسين بقيمة الثقافة ورأى أنها تتجاوز الشبكة المعقدة من علاقات القوى غير المتكافئة التي كانت قائمة بين المستعمرِين والمستعمَرين، ولهذا، تعرض لانتقاداتٍ عِدة. بعض الأعمال التي ترتكز على دراسات ما بعد الاستعمار، ككتاب شادن تاج الدين “الإمبراطورية وإغراءات الترجمة في مصر”، تطرح فكرة أن المثقفين المصريين، استسلموا بسهولة شديدة لسحر المعرفة الغربية، والتي غالبًا ما قدمها علماء الغرب على أنها “المعرفة العالمية”، ويشمل هذا طه حُسين، وتعيد النظر في قول حُسين بأن الثقافة يجب أن تتجاوز السياسة، وتُحَلِل بعناية تأثير هذا الرأي على الترجمة. تدرس الباحثة إحدى المناظرات المنشورة لطه حُسين مع عباس العقاد، حيث ذكر حُسين أن جميع الدول ترجمت نصوصًا من لغات أجنبية إلى لغتها الخاصة من مُنطلق الاحتياج الاجتماعي والفكري، حتى أنه قدم أمثلة تاريخية لإثبات أن المستعمِر احتاج في بعض الأحيان إلى ثقافة المستعمَر أكثر من العكس: كما ترجم الرومان من النصوص اليونانية، وترجم العرب من النصوص اليونانية والفارسية. في تحليلها، تعارض تاج الدين إيمان حُسين بـ “احتياج عالمي” للترجمة، والذي تراه يشير إلى رغبة طبيعية في التبادل ويفترض “استعدادًا فطريًا لدى جميع البشر للتفكير والشعور بصورة متماثلة”. رأت تاج الدين أن هذا التعميم ينزع سمة السياسية عن فعل الترجمة، ويخرجه من سياقه الإمبراطوري، ويخفي الشبكة المعقدة لعلاقات القوى غير المتكافئة التي تدعم عملية الترجمة.

افتتاح جامعة فاروق الأول (الإسكندرية) عام 1943. بإذن من عائلة طه حسين.

خيب امتناع طه حُسين عن ممارسة أي نشاط سياسي علني آمال العديد من المثقفين في شمال إفريقيا. ذكر الباحث الأدبي أبو القاسم محمد كارو أن كُتّاب شمال إفريقيا يأخذون على حُسين عدم تحدثه بصراحة كافية عن الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وخاصة في الجزائر. يشير كارو إلى زيارة حُسين إلى تونس عام 1957 – موثقة في الصورة في الصفحة التالية – في ذروة حرب الاستقلال الجزائرية ضد فرنسا، وكيف أنه خيب آمال جمهوره باختياره موضوعًا أدبيًا بحتًا وعدم ذكر الجزائر على الإطلاق. أثار ذلك غضب العديد من المثقفين حينها، واستقبل بعضهم زيارته بفتور. يذكر كارو، باختصار، أن صِدام طه حُسين مع الفرنسيين بشأن المعهد في الجزائر يبين تفكيره في “عروبة” الجزائر عندما كان وزيراً للمعارف.

ويضيف كارو أن الأمور تغيرت حين ترك طه حُسين منصبه، وشجعه تغيير النظام المصري في عام 1952، حيث شجب الاستعمار الفرنسي علنًا. وهذا يشير، بحسب رأي كارو، إلى تحول حُسين من الصمت واللياقة اللذَين ميزاه كوزير إلى نهج أكثر حسمًا وقوة في عهد عبد الناصر. ورغم اعتراف كارو بما وصفه بالسجل المشرف لطه حُسين ضد الاستعمار البريطاني في مصر، يذكر أنه “لم يُعرف عنه أو يُقرأ له أي موقف ضد الاستعمار الفرنسي”. قبل مقالاته المناهضة للاستعمار الفرنسي في عهد عبد الناصر.

يكشف السياق التاريخي الغني بالتفاصيل المُقدم في هذا الفصل كيف تفاوض حُسين على مشاريعه الثقافية مع الفرنسيين، كما يسمح لنا باستكشاف مدى نجاحه في فصل الثقافة عن السياسية، ويظهر إدراكه للتأثير السياسي للمعاهد الثقافية التي كان يحاول بناءها. لقد فهم أيضًا ما أثارته هذه المعاهد من معارضة ورفض بين الأوساط الفرنسية. في تصريحاته العامة، أكد على رأيه أن الثقافة عالمية ولا ينبغي أن تكون مدفوعة بالسياسة، إلا أن الموضوع الرئيسي لمعظم المراسلات والتقارير المتعلقة بمشاريعه هو مدى كون الثقافة سياسية بالفعل. عند وصوله إلى مدريد، ألقى حُسين خطابًا في الإذاعة المحلية يحمل بصمته الواضحة: “العلاقات الثقافية هي الأساس الصحيح لتوحيد الشعوب لأنها بعيدة عن الدوافع السياسية. هذا هو الغرض الأساسي لما فعلته مصر هنا في إسبانيا.”. بسبب إدراكه لعلاقات القوى غير المتكافئة التي أحبطت جهوده في نشر التأثير الثقافي لمصر في الخارج، اعتبر طه حُسين توظيف الثقافة وتقليص دور السياسة هما حجر الزاوية في مفاوضاته.

رحلة طه حسين إلى تونس عام 1957. بإذن من عائلة طه حسين.

مصر تُنصِب نفسها كراعيةً للدراسات العربية والإسلامية

في يناير 1950، وقبل أيام قليلة من تشكيل حكومة الوفد الجديدة برئاسة مصطفى النحاس، وافق مجلس الوزراء على طلب تقدم به وزير المعارف العمومية آنذاك محمد العشماوي لإنشاء معهد للدراسات الإسلامية في مدريد. كان طه حسين وراء هذه الفكرة، إذ أثار القضية مع مسؤولين إسبان خلال زيارة لإسبانيا مع مثقفين مصريين آخرين في عام 1949، وناقش إمكانية إنشاء معهد مصري في مدريد على غرار المعاهد النشطة بالفعل في لندن وواشنطن، وقوبِلت فكرته بترحاب كبير.

يعود تاريخ طلب العشماوي إنشاء مراكز ثقافية في الخارج إلى عام 1943، عندما كان طه حسين مستشارًا فنيًا لنجيب الهلالي، وزير المعارف العمومية الوفدي آنذاك. ذكر العشماوي أنه مع استقلال مصر بموجب المعاهدة الأنجلو-مصرية لعام 1936، لابد لها من وضع سياسة مناسبة للتمثيل الثقافي في الخارج. وأوضح أن مثل هذا التمثيل يجب أن يعكس مكانة مصر الرائدة في المشهد الثقافي العالمي ويبني على ما بدأ عام 1943 بإنشاء المعاهد المصرية في لندن وواشنطن التي أُنشئت لإطلاع المصريين على أحدث الابتكارات العلمية والإدارية، والاحتفاء بالنهضة المصرية الحديثة وإنجازاتها في كلا البلدين. وتابع عشماوي أنه بالنظر إلى نجاح هذه المعاهد، فمن المتوقع تحقُق فائدة كبرى بتعزيز علاقات مماثلة مع إسبانيا لتأثير ذلك على دراسة التاريخ العربي. وأوضح الوزير أنه فيما يخص الإرث العربي في إسبانيا، فإن مركز كهذا سيسهل مهمة الباحثين من الغرب والشرق عن طريق نسخ ونشر المخطوطات العربية الموجودة في إسبانيا، في مجالات الأدب والفلسفة واللغة والدين.

وأضاف العشماوي أن هذه المهمة تُناسب مصر بشكل خاص. وواصل: تاريخيًا، تمتعت مصر بتبادل ثقافي متميز مع إسبانيا المسلمة، حيث انتقل العديد من علماء الأندلس إلى مصر، وما زالت أعمالهم تُدرَّس في الأزهر. مثل هذه الصلة القديمة يمكنها الاستفادة بنشاط المؤسسات المصرية الحديثة، كمعهد الآثار الإسلامية، ومعهد الآثار العربية، ومدرسة الفنون الجميلة، واهتمام مصر الحديث بدراسة ثقافة البحر الأبيض المتوسط​​، خاصةً عندما تتداخل مع الحضارة الإسلامية. وأشار الوزير إلى اثنين من المعاهد الفرنسية للفنون والثقافة يعملان بالفعل في إسبانيا، وأخبر زملائه أن الدول الأوروبية يجب ألا تحتكر مثل هذه المعاهد، خاصة في بلد يعني الكثير للعالم العربي والإسلامي. وافق مجلس الوزراء على الطلب في النهاية.

حين تولى طه حُسين وزارة المعارف العمومية في عام 1950، جعل معهد مدريد أولوية. وأبلغ وزارة المالية بانتهاء جميع الدراسات اللازمة لإنشاء المعهد، ثم طلب ثلاثين ألف جنيه مصري لمعهد مدريد ومعهدًا آخر ينوي افتتاحه في طنجة. تم توفير المال واستخدامها في الإيجار والمفروشات والرواتب وغيرها من المصاريف، وافتتح معهد مدريد في 11 نوفمبر 1950. رد مصطفى النحاس على برقية طه حُسين، الواردة في مفتتح هذا الفصل، مُعبرًا عن سعادته بالافتتاح الناجح للمعهد ورغبته في أن يشهد تعزيزه للروابط الثقافية بين مصر وإسبانيا. كما أرسل تمنياته الشخصية بعودة طه حُسين سالمًا. كما مرت البرقيتين على بلاط الملك فاروق.

رحلة طه حُسين إلى نيس، 1950. بإذن من أسرته

وبالمثل، أبلغ طه حُسين مجلس الوزراء خبر تأسيس معهد الدراسات المتوسطية، التابع لجامعة دي أكس-مرسيليا، في نيس، في أبريل 1950، بعد بضعة أشهر من توليه منصبه. وقد خُصِص المعهد لدراسات الأدبي والعلوم الطبيعية والاجتماعية المتعلقة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط ​​وحضاراتها. ألقى محاضرون فرنسيون وغير فرنسيين محاضرات عامة مَوَّلتها مؤسسات وحكومات مختلفة. كما أورد في مذكرته أنه “نظرًا لمكانة مصر بين دول البحر المتوسط ​​وصلاتها الوثيقة بحضارته، يجب أن تشارك في جهود هذا المعهد، والمعهد نفسه يستحق دعم مصر في تنفيذ رسالته بأفضل ما يكون.”. اقترحت وزارته تمويل سلسلة من المحاضرات بعنوان (إحياءً لذكرى محمد على الكبير)، حيث كانت مصر تحتفل بالذكرى المئوية لوفاة محمد علي في الوقت ذاته. علاوة على ذلك، وكما ورد في تقرير الوزارة، فإن محمد علي “جدد علاقات مصر مع الغرب، وأسس نهضتها الحديثة، وكان ممن أحيوا البحر الأبيض المتوسط ​​سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، مما مهد الطريق لعودته كشريان للتجارة العالمية ومركز حيوي للعلاقات الدولية”. اقترح أن تقدم الحكومة المصرية تمويلًا بمبلغ 1200 جنيه مصري سنويًا ودعوة محاضرين مصريين وغير مصريين لإلقاء محاضرات في السلسلة. ذهب طه حُسين نفسه إلى نيس لتمثيل الحكومة المصرية أثناء افتتاح كرسي محمد علي، كما موضح في الصورة هنا برفقة ابنه مؤنس على يساره.

بعد عام، وافق مجلس الوزراء على رحلة رسمية أخرى لطه حُسين، إلى اليونان هذه المرة، من 22 مارس إلى 3 أبريل 1951، لتلقي الدكتوراه الفخرية من جامعة أثينا. كما أيد المجلس طلبه توفير الأموال اللازمة لتأسيس  كرسي للغة العربية وآدابها في جامعة أثينا. في مذكرته إلى المجلس، أوضح أنه لتعزيز التعاون الثقافي بين مصر واليونان، وفي ضوء زيارته المرتقبة لأثينا، يرى أن الوقت مناسب لتأسيس مثل هذا الكرسي، والذي سيكلف 1200 جنيه سنويًا. ونقل للمجلس مشاوراته التي أجراها بالفعل مع زميله وزير المالية الذي وافق على طلبه. وطلب طه حُسين من المجلس اتخاذ قرار سريع بشأن الأمر حتى يتمكن من إعلان الخبر خلال زيارته لليونان. كما توقع أن ترد الحكومة اليونانية بالمثل وتعلن عن تأسيس كرسي للدراسات اليونانية في جامعة فاروق الأول بالإسكندرية.

بعد شهرين، في مايو 1951، رفعت السكرتارية الخاصة بالملك فاروق تقريرًا من طه حُسين إلى الملك اقترح فيه إنشاء معهد فاروق الأول للدراسات العربية في اسطنبول. تماشياً مع محاولات الوفديين التصالحية في ذلك الوقت لتهدئة الملك الشاب وكسب دعمه لرؤى الوفد من خلال إشراكه في صنع السياسات، نقل طه حُسين إلى فاروق دعوة تركيَّة رسمية لمصر كي تنشئ معهدًا في تركيا كتلك المعاهد التي أُنشأت في أماكن أخرى. أعرب السفير التركي لطه حُسين عن هذه الرغبة على العشاء، قائلاً إن المعهد سيكون له أفضل تأثير في تركيا، فوعده حُسين بدراسة الأمر، ثم أبلغ الملك تأييده لإنشاء المعهد، لا للمكانة التي ستتحقق من إنشائه فحسب، بل أيضًا للفائدة الكبرى بنسخ ونقل المخطوطات العربية التي نقلها الأتراك من مصر إلى اسطنبول بعد الاحتلال العثماني في عام 1517، والتي ملأت اثنتين وثلاثين مكتبة هناك. كما اقترح اتخاذ قرار عاجل، بعد حصوله على المال اللازم لتجهيز المعهد قبل اجتماع مؤتمر المستشرقين الدولي المتوقع عقده في اسطنبول في سبتمبر 1951. ومن ثَم، يستفيد افتتاح المعهد من تواجد كبار علماء هذا المجال. تمتع طه حُسين بخبرة واسعة في البيروقراطية الحكومية وقد استحدث طرقًا للتعامل مع متطلبات وزارة المالية على مر السنين، لذا أوضح في طلبه أن لديه تحت تصرفه مبلغ 32 ألف جنيه مصري مخصص لمعهد مدريد، ومبلغًا مماثلًا لمعهد طنجة. وذكر أنه سيتفاوض مع وزارة المالية لإعادة تخصيص جزء من هذه الميزانية لمعهد إسطنبول حتى يتوفر المزيد من المال في السنة المالية المقبلة. ومع ذلك، فإن فاروق، الذي لم يكن على علاقة جيدة مع طه حُسين، واتهمه مرارًا بأنه شيوعي، رفض الطلب. ذكر تعليق باللون الأحمر أنه “لا حاجة لإنشاء معهد في اسطنبول”، دون تقديم تفاصيل.

بعد فشل مسعاه لإشراك فاروق في مشروعه الطموح لإنشاء أكبر عدد ممكن من المراكز الثقافية المصرية في الخارج، وجه طه حُسين طلبه التالي، لإنشاء مركز في لندن، إلى مجلس الوزراء مباشرة. في سبتمبر 1951، كتب إلى المجلس موضحًا أنه تم إنشاء مركز للثقافة الإسلامية في لندن خلال الحرب العالمية الثانية، بتمويل من حكومات إسلامية مختلفة. ومع ذلك، فقد تضاءلت الأموال المخصصة للمركز، حتى أن رأس المال المخصص لبناء مسجد المركز استُخدِم في معاملاته اليومية. وبالتالي، لم يعد بإمكان هذا المركز توفير المعلمين والباحثين القادرين على تمثيل الثقافة الإسلامية في أفضل صورة. كما أضاف أن الوزارة على استعداد لتحمُل جميع نفقات المركز، من منطلق إدراكها لمسؤوليات مصر وواجباتها في مجال التعاون الدولي، كما تمليه مكانة مصر “كرائدة للدراسات الإسلامية ومدافعة عنها”، بشرط تمصير إدارة المركز بالكامل، وتسمية المركز معهد فاروق الأول للثقافة الإسلامية. ودعماً لدبلوماسية طه حُسين الثقافية الطموحة، وافق المجلس على طلبه الجديد.

طه حُسين يفتتح معهدًا في إسبانيا

بحلول هذا الوقت من حياته المهنية، تحققت لطه حسين شهرة واسعة والعديد من الإنجازات، واعتاد تلقي التكريم في مصر وخارجها. بعد عودته من أوروبا إلى القاهرة بفترة وجيزة، علم أن الملك فاروق قد منحه لقب باشا في ديسمبر 1950. وكان السفير المصري قد أورد في تقريره معلومات عن جدول طه حُسين المزدحم في مدريد وقائمة بالمسؤولين الإسبان والشخصيات البارزة التي التقاها، مما أعطانا لمحة عن نشاطه هناك. وجمعته ولائم الغداء والعشاء التي دُعيَ لحضورها بوزراء الخارجية والتعليم الوطني، ونائب وزير الخارجية، والمدير العام للعلاقات الثقافية في وزارة الشؤون الخارجية، والمستعرب جارسيا جوميز. كما التقى برئيس الأكاديمية الإسبانية للتاريخ التي نظمت جلسة على شرفه برئاسة وزير التعليم الوطني الإسباني. قدم جارسيا جوميز طه حُسين باللغتين الإسبانية والفرنسية، وألقى حُسين محاضرة بعنوان “النثر الأدبي في الشرق والغرب الإسلامي”، قارن فيها بين رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ورسالة التوابع والزوابع لأبي عامر أحمد الأندلسي. ثم منحه الوزير الإسباني ميدالية الأكاديمية وعينه عضوا زائرًا، كما منحته الحكومة الإسبانية درجة الدكتوراه الفخرية تقديرًا “لمواهبه الاستثنائية”.

بدأ حفل افتتاح معهد فاروق الأول للدراسات الإسلامية ظهر الحادي عشر من نوفمبر 1950، بحضور وزيري الخارجية والتعليم الوطني من بين المسؤولين الإسبان المدعوين. وُزعت على الضيوف نشرة باللغتين العربية والإسبانية تحمل رسالة المعهد. وفي كلمته الافتتاحية التي ألقاها بالفرنسية، شكر طه حُسين حكومة إسبانيا والملك المصري على دعمهما، وذَكر أن العرب والإسبان أنشأوا حضارة معًا رغم كل الحروب التي دارت بينهم. والآن  تقدمت الإنسانية، ويمثل المعهد صورة لنبذ العنف، “إذ تقوم العلاقات بين البشر الآن على الثقافة”. ودعا الحكومة الإسبانية إلى السماح باستخدام مطبعة في المعهد لنسخ المخطوطات العربية الموجودة في إسبانيا، مُعربًا عن أمله في أن يصبح المعهد مكانًا “للتعاون العلمي الحميد بين البلدين”. وفي رد وزير التعليم الوطني الإسباني، أشار إلى العلاقات التاريخية التي ربطت إسبانيا بالعالم العربي، وخاصة مصر، قائلاً أن المعهد الجديد سيعمل إلى جانب مؤسستين إسبانيتين هما معهد أسين بالاسيوس بمدريد ومعهد الدراسات العربية بغرناطة. بعد ذلك، منح طه حُسين النيشان المدني لألفونسو العاشر الحكيم.

مخاوف فرنسا من تغير المشهد الثقافي

أزعجت هذه الأنشطة الثقافية المصرية القوى الاستعمارية، وخاصة فرنسا. حضر الحفل الذي نظمته أكاديمية التاريخ الإسبانية تكريما لطه حُسين، برنارد هارديون القائم بأعمال الوفد الفرنسي في إسبانيا، الذي هنأ السفير المصري على معرفة طه حُسين الواسعة، وإتقانه للغة الفرنسية، ووضوح طرحه ومنهجه. كما أبلغ السفير المصري برغبة وزير الإرشاد العام الفرنسي في استضافة طه حُسين وزوجته خلال زيارتهم المرتقبة في فرنسا. ونقل هارديون رغبة مدير جامعة باريس في أن يلقي طه حُسين محاضرة في السوربون ودعاه لحضور الاحتفال الرسمي ببداية العام الدراسي بالجامعة في باريس يوم 2 ديسمبر 1950. وقبل طه حُسين الدعوة.

مع ذلك، في تقاريره إلى باريس، ركز هارديون بشكل شبه كامل على التبعات السياسية لزيارة طه حُسين إلى إسبانيا، ووعيه الذكي بهذه التبعات. أوضح هارديون أن إنشاء المعهد كان مُزعجًا للإسبان القلقين من الانعكاسات السياسية المحتملة في المغرب الخاضع للسيطرة الإسبانية. وكشف أن الموافقة الإسبانية نتجت عن مبادرة شخصية من وزير الخارجية الإسباني مارتن أرتاجو، رُغم المعارضة الجادة من وزارة أرتاجو. علاوة على ذلك، أوضح هارديون أن التحفظ الذي أبدته الإدارة الإسبانية للعلاقات الثقافية فيما يتعلق بافتتاح مدرسة مصرية في طنجة كان مؤشرا آخر على مخاوف إسبانيا بشأن التوجهات القومية المحتملة التي قد تميل السلطات في القاهرة إلى اتخاذها. وخلُص إلى أن إسبانيا، مثل فرنسا، قلِقة بشأن التأثير الثقافي المصري المتصاعد.

في هذا التقرير، حاول هارديون أيضًا شرح أسباب الاهتمام البالغ الذي حظي به طه حُسين من الحكومة الإسبانية، لأنه على حد تعبير القائم بالأعمال، “أثناء إقامته، حظيَ الدكتور طه حُسين بك باهتمام بارز من السلطات الإسبانية”. رأى هارديون أن هذا الاهتمام قد يكون محاولة من نظام فرانكو لإعطاء الانطباع بأن زيارة طه حُسين مدفوعة برغبة في تقوية العلاقات السياسية بين مدريد والقاهرة. لكن طوال تلك الزيارة، حرص رجل الدولة المصري على التأكيد على الطبيعة غير السياسية لمساعيه. حتى أن هارديون نقل عن طه حُسين قوله: “نريد شيئًا واحدًا فقط، وهو تعميق الثقافة ونشر المعرفة. علاقتنا بإسبانيا، القائمة على هذا المفهوم النقي والصحي، تهتم فقط بفروع العلم”. وخلص هارديون إلى أنه إذا كانت الحكومة الإسبانية تأمل في جني بعض الفوائد السياسية من الزيارة، فقد أحبطت مساعيهم بالتأكيد لأن الوزير المصري، على حد قوله، “عرف كيف يتجنب الفخ الذي نصب له بمهارة”. رسالة طه حُسين الرسمية كانت واضحة. أنشئ المعهد لأسباب ثقافية، لا للترويج لمكاسب سياسية ولا السعى إلى إثارة المشاعر القومية في المغرب الخاضع للسيطرة الإسبانية أو في أي مكان آخر.

في الأشهر السابقة لذلك، تواصل طه حُسين مع السلطات الفرنسية في باريس حول إنشاء معهد فاروق الأول للدراسات الإسلامية في شمال إفريقيا. وألمح للمسؤولين الفرنسيين بأنه في حالة رفض فرنسا، فإن مصر سترد بالمثل وتغلق المعهد الفرنسي للآثار الشرقية (IFAO) في القاهرة. كما كتب إلى الملك فاروق يطلب دعمه في حال اضطر إلى جعل التهديد رسميًا. لكن المصادر الفرنسية تظهر معارضة فاروق لاتخاذ أي إجراءات ضد المصالح الفرنسية في مصر. إذ عارض الملك فكرة وزيره وكتب له: مازالت البرودة تغلف العلاقات [بين مصر وفرنسا]. لنؤجل هذا حتى يتضح الموقف”.

نتجت هذه البرود في العلاقات عن حادثة سياسية قوضت بشكل خطير جهود طه حُسين لإنشاء معهد ثقافي في المدينة العالمية. كتب مسؤول فرنسي إلى السفير الفرنسي في القاهرة أن إنشاء المعهد يجب أن ينتظر عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها بعد ارتباكها بسبب زيارة بعض الكتاب المصريين المستهترين لطنجة، بحسب وصف المسؤول الفرنسي. هذان الكاتبان هما الصحفيان محمود أبو الفتح وسعيد رمضان اللذان تحدثا لصالح القومية المغربية أمام جمهور من ألفي شخص. واشتكى المسؤول الفرنسي من أنهم لم يشجعوا الناس على تبني موقفًا معاديًا لفرنسا فحسب، بل دعا رمضان أيضًا إلى “الحرب المقدسة” كوسيلة لتوحيد جميع المسلمين. كانت العواقب جسيمة لدرجة أن المسؤولين المغاربة اضطروا للتدخل وفض التجمع. بسلوك استعماري مألوف، استخدم المسؤول الفرنسي هذه الواقعة للادعاء بأن مصر ليست ناضجة بما يكفي للتعامل مع مسؤولياتها السياسية في شمال إفريقيا، وأنه لا يثق في أي مصري.

لم تكن المخاوف الفرنسية بشأن النفوذ المصري في شمال إفريقيا جديدة. رفض الفرنسيون أي وجود رسمي مصري في شمال إفريقيا. لم يبدوا حساسيتهم لزيارات المثقفين والمُعلمين المصريين فحسب، بل قاموا أيضًا بتفتيش المطبوعات والأفلام والعروض المسرحية المصرية الموزعة في المغرب بدقة. بعد انتهاء الامتيازات في عام 1949، ووضع حد للامتيازات التي تتجاوز القانون المحلي التي تمتع بها المواطنون الأوروبيون والمؤسسات الأوروبية في مصر، أدرك الفرنسيون أنها مسألة وقت فقط قبل أن يثير المسؤولون المصريون مسألة التبادل الثقافي. تعكس التقارير الفرنسية قلقًا حقيقيًا بشأن استمرار العمل المنتظم للمؤسسات الفرنسية في مصر – خاصة المعاهد الثقافية والمدارس والمدرسة الفرنسية دو درويت والمستشفيات – وتوقعوا أن تعاوِد مسألة النفوذ المصري في شمال إفريقيا الظهور في أية لحظة. ومن المفارقات، أنه بالنظر إلى العلاقات المحلية والثقافية المعروفة لطه حُسين مع فرنسا، فإن تعيينه وزيراً للمعارف العمومية كان بمثابة شرارة بدء أول نزاع سياسي رسمي طويل بين مصر وفرنسا حول شمال إفريقيا.

قبل ذلك بعامين، في فبراير 1948، كتب الحاكم العام الجزائري، إيف شاتانيو، لوزير الخارجية الفرنسي، جورج بيدول، مذكِّراً إياه بتقرير أرسله إليه قبل عدة أشهر. أيد التقرير تبادلاً ثقافيًا بين مصر وفرنسا يشمل الجزائر. قدمت الدكتورة آن ماري جويشون، المتخصصة المعروفة في الفلسفة الإسلامية، هذا التقرير في عام 1946، بعد رحلة إلى مصر، بتكليف من وزارة التعليم الوطني الفرنسية، لجمع المعلومات حول ما يحتاجه المصريون وماذا أرادوا، حتى تعرف فرنسا البطاقات الرابحة لديها عندما يحين وقت المفاوضات حول شمال إفريقيا والمؤسسات الفرنسية في مصر. اقترحت جويشون تعاونًا ثقافيًا يمر فيه أي تبادل تشارك فيه الجزائر عبر باريس، مما يضمن احتفاظ فرنسا بالسيطرة. أوصت أيضًا بإنشاء مركز تعاون فرنسي شرقي في باريس، حيث سيلقي أساتذة من ذوي الكفاءات العالية سلسلة من المحاضرات. كتب الحاكم العام للجزائر لاحقًا أنه يعتقد أن تبادل الأساتذة بين القاهرة وباريس والجزائر سيعزز “التأثير الثقافي والأدبي” لفرنسا في البلدان الإسلامية. وجهت المديرية العامة للعلاقات الثقافية المشروع لإدارة شئون إفريقيا والمشرق العربي، مع إبداء مخاوف حقيقية بشأن المشروع:

ستكون المديرية العامة للعلاقات الثقافية ممتنة لمعرفة ما إذا كانت إدارة شئون إفريقيا والمشرق العربي تعتقد أن مثل هذا المشروع – خلافًا للسياسة المعتادة لإدارات شمال إفريقيا – لن يكون له عواقب وخيمة، على الأقل بالنسبة للجزائر، من خلال حالات سابقة للبلاد الواقعة تحت حمايتنا في شمال إفريقيا والتي أبدت السلطات المصرية أحيانًا اهتمامًا مُفرطًا بها.

ذكرت المديرية العامة أن إبرام اتفاق مع المصريين سيسعدها إذا لم يمانع الفرنسيون المقيمون في المغرب وتونس من الوجود المصري في الجزائر وفيما بعد في الأقاليم التي يقيمون فيها، لأن مثل هذه الاتفاقية من شأنها أن تساعد في الحفاظ على المؤسسات الفرنسية في مصر بعد انتهاء الامتيازات في عام 1949. إلا أن الإدارة العامة حذرت من أن المصريين سيرون في هذا الاتفاق فرصة للمطالبة بإنشاء المزيد من المؤسسات في شمال إفريقيا، وربما حتى الخدمات القنصلية العادية، التي مُنعوا منها حتى ذلك الحين، إن لم يروه ضعفًا من الجانب الفرنسي. وانتهت الرسالة بتذكير بأنه رُغم أهمية مثل هذه الاقتراحات ثقافيًا، إلا أنها ستسبب “إزعاجًا حقيقيًا على المستوى السياسي”.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s