لوي ألتوسير: الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية (الجزء 2 من 2)

لوي ألتوسير
الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية

(ملاحظات نحو تحقيق)

للاطلاع على الجزء الأول من المقال. هذا هو الجزء الثاني وهو مُتمم للجزء الأول.

ترجمة – عمرو خيري. نقلاً عن الترجمة الإنجليزية لـ بين بريوستر. المصدر: “لينين والفلسفة ومقالات أخرى”، 1971. نُشر هذا المقال للمرة الأولى في عام 1970.

عن إعادة إنتاج علاقات الإنتاج

يمكنني الآن الإجابة على السؤال المركزي الذي تركته معلقًا لصفحات طوال: كيف تتحقق إعادة إنتاج علاقات الإنتاج؟

فيما يخص اللغة الطبوغرافية (البنية السفلية، البنية الفوقية)، يمكنني أن أقول: تتحقق أغلب عملية[1] إعادة إنتاج علاقات الإنتاج عن طريق البنية الفوقية القانونية-السياسية والبنية الفوقية الأيديولوجية.

لكن وكما سبق لي القول فمن الضروري تجاوز هذه المقولة الوصفية إلى الآن، لأقول: تتحقق أغلب العملية عن طريق ممارسة سلطة الدولة ممثلة في أجهزة الدولة. وقوامها – على جانب – أجهزة الدولة (القمعية)، وعلى الجانب الآخر توجد أجهزة الدولة الأيديولوجية.

ما قلته توًا يجب أن يؤخذ بدوره في الاعتبار، ويمكن نظمه على هيئة السمات الثلاث التالية:

  1. تؤدي جميع أجهزة الدولة عملها عن طريق القمع والأيديولوجية معًا، مع الفارق المتمثل في أن أجهزة الدولة (القمعية) تؤدي السواد الأعظم من نشاطها عن طريق القمع، في حين أن أجهزة الدولة الأيديولوجية تؤدي السواد الأعظم من عملها عن طريق الأيديولوجيا.
  2. في حين أن أجهزة الدولة (القمعية) تمثل كل منظم تتركز أجزائه المختلفة تحت عباءة وحدة كلية، ألا وهي سياسة الصراع الطبقي التي يطبقها الممثلون السياسيون للطبقات الحاكمة المستحوذة على سلطة الدولة، فإن أجهزة الدولة الأيديولوجية متعددة ومتمايزة “وتتمتع باستقلال ذاتي نسبي”، وهي قادرة على فرض مجال موضوعي تتواجد ضمنه التناقضات التي تعبر عن نفسها بأشكال قد تكون محدودة أو متطرفة، وقوامها آثار الصراعات بين الصراع الطبقي الرأسمالي والصراع الطبقي البروليتاري، فضلًا عن الأشكال التابعة من الصراع المندرجة تحت الفئتين المذكورتين.
  3. في حين أن وحدة جهاز الدولة (القمعي) تتحقق عن طريق تنظيم الدولة الموحد والمركزي تحت لواء قيادة ممثلي الطبقات المتمكنة من السلطة التي تنفذ سياسة الصراع الطبقي الخاصة بالطبقات التي تتبوأ السلطة؛ فإن وحدة مختلف أجهزة الدولة الأيديولوجية تتحقق – وعادة ما تتحقق بأشكال متناقضة – عبر الأيديولوجية الحاكمة؛ أي أيديولوجية الطبقة الحاكمة.

إذا راعينا هذه السمات، يصبح من الممكن تمثيل إعادة إنتاج علاقات الإنتاج[2] على النحو التالي، وأنا هنا أتحدث عن صنف من صنوف “تقسيم العمل”.

إن دور جهاز الدولة القمعي، بقدر ما هو جهاز قمعي، يتكون بالضرورة من استخدام القوة (المادية وأشكال القوة الأخرى) في تأمين الظروف السياسية لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج، والتي هي في التحليل الأخير علاقات استغلال. لا يقتصر الأمر على إسهام جهاز الدولة بسخاء في إعادة إنتاجه لنفسه (تتكون “الدولة الرأسمالية” من دول سياسية الطابع ودول عسكرية الطابع، وهلم جرّا)، إنما أيضًا – وهذا أهم – يؤمّن جهاز الدولة عن طريق القمع (من أقسى درجات القوة المادية، إلى الأوامر الإدارية البسيطة، وحتى أشكال الرقابة المفتوحة والناعمة) الظروف السياسية التي تمكّن أجهزة الدولة الأيديولوجية من أن تؤدي أدوارها.

الحقّ أن أجهزة الدولة الأيديولوجية هي التي تضمن إلى درجة كبيرة إعادة إنتاج علاقات الإنتاج على وجه التحديد، وهي محتمية وراء “الدرع” الذي يمدها به جهاز الدولة القمعي. ها هنا يتركز دور الأيديولوجية الحاكمة بكثافة.. أيديولوجية الطبقة الحاكمة، القابضة على سلطة الدولة. إن تبوء الأيديولوجية الحاكمة موقع “الوسيط” هو الذي يضمن “التناغم” بين جهاز الدولة القمعي وأجهزة الدولة الأيديولوجية، وبين مختلف أجهزة الدولة الأيديولوجية.

بناء على ما سبق، فنحن مدفوعون إلى تصور الفرضية التالية، المنبثقة تحديدًا عن تنوع أجهزة الدولة الأيديولوجية مع وحدة دورها – المشترك – في إعادة إنتاج علاقات الإنتاج.

الحق أننا ذكرنا عددًا كبيرًا من أجهزة الدولة الأيديولوجية في سياق التحولات الاجتماعية الرأسمالية المعاصرة: الجهاز التعليمي، والجهاز الديني، والجهاز الأسري، والجهاز السياسي، والجهاز النقابي، والجهاز الإعلامي، والجهاز “الثقافي”، إلخ.

لكننا نلاحظ في التكوينات الاجتماعية لنمط الإنتاج[3] المعروف بنمط الإنتاج الإقطاعي، أنه ورغم وجود جهاز دولة قمعي واحد (والذي كان منذ عهود الدول القديمة، ناهيك عن الملكيات المطلقة، مماثل للغاية لجهاز الدولة القمعي الذي نعرفه حاليًا) فإن عدد أجهزة الدولة الأيديولوجية أقل وأنواع الأجهزة الأيديولوجية يختلف كثيرًا من مكان لآخر. على سبيل المثال، رصدنا أنه في القرون الوسطى كانت الكنيسة (جهاز الدولة الأيديولوجي الديني) تتولى عدداً من المهام التي انفصلت في يومنا هذا إلى عدد من أجهزة الدولة الأيديولوجية المتمايزة عن بعضها البعض، وهي بمثابة أجهزة أيديولوجية جديدة مقارنة بالماضي الذي أستدعيه هنا، ومنها تحديدًا الجهاز التعليمي والجهاز الثقافي. وإلى جانب الكنيسة، كان هناك جهاز الدولة الأيديولوجي الخاص بالأسرة، الذي لعب دوراً هامًا أكبر بكثير من دوره في التكوينات الاجتماعية الرأسمالية. رغم المظاهر، فإن الكنيسة والأسرة لم يكونا جهازا الدولة الأيديولوجيان الوحيدان، إذ كان هناك أيضًا جهاز الدولة الأيديولوجي السياسي (البرلمان، مجالس الشورى، مختلف الفصائل والروابط السياسية، وهي أسلاف الأحزاب السياسية الحالية، والمنظومة السياسية الكلية للكوميونات الحرة والمحليات). وكان هناك أيضًا جهاز دولة أيديولوجي “ما قبل نقابي” نافذ، إن كان لي أن أجري مقارنات هنا (روابط واتحادات التجار والمصرفيين، وروابط الحرفيين، إلخ). وقد شهدت صناعات النشر والإعلام حتى تطورًا كبيرًا، وكذا المسرح، وكانا في البداية جزءًا لا يتجزأ من الكنيسة، ثم زادت استقلالية كل من هذه الكيانات شيئًا فشيئًا.

في الفترة التاريخية السابقة على الرأسمالية التي تناولتها بشكل عام للغاية، من الواضح تمام الوضوح أنه كان ثمة جهاز أيديولوجي واحد مهيمن، وهو الكنيسة، وهو الجهاز الذي تركزت في يده فضلا عن الأدوار الدينية، أدواراً تعليمية، والقدر الكبير من أعمال الإعلام و”الثقافة”. ليس من قبيل المصادفة أن كل صراع أيديولوجي، من القرن السادس عشر وحتى الثامن عشر، بدءًا بالصدمات الأولى لإصلاح الكنيسة، كان مُركزًا في صيغة نضال ضد رجال الدين وضد الدين.

لم يكن هدف ومنجز الثورة الفرنسية الأساسي والأول هو نقل سلطة الدولة من الارستقراطية الإقطاعية إلى برجوازية التجار الرأسمالية، أو القطيعة مع جهاز الدولة القمعي السابق واستبداله بجهاز جديد (مثال: الجيش الوطني الشعبي)، إنما هدفت أيضًا إلى مهاجمة جهاز الدولة الأيديولوجي رقم واحد: الكنيسة. ومعها هيئة رجال الدين، ومصادرة ثروات الكنائس، وتهيئة أجهزة دولة أيديولوجية جديدة لاستبدال جهاز الدولة الأيديولوجي الديني بدوره الأساسي المتركز في الدين.

وبطبيعة الحال، لم تحدث هذه الأشياء تلقائيًا: والشاهد عليها مثلًا مرحلة الاتفاق بين الكنيسة والدولة، ثم عصر استرداد الملكية، والنضال الطويل بين أرستقراطية مُلاك الأراضي والبرجوازية الصناعية على امتداد القرن التاسع عشر، من أجل فرض هيمنة البرجوازية على المهام التي كانت تتولاها الكنيسة سابقًا، ثم وقبل كل شيء المدارس. يمكن القول بأن البرجوازية اعتمدت على جهاز الدولة البرلماني-الديمقراطي الأيديولوجي السياسي الجديد، والذي تم ترسيخه في السنوات الأولى للثورة في إنجلترا، ثم أعيد إلى العمل بعد مرحلة طويلة من الصراعات العنيفة – لشهور معدودة في 1848 ثم لعقود بعد سقوط الإمبراطورية الثانية، كقناة لنضالها ضد الكنيسة ومصادرة مهامها الأيديولوجية منها. أي أنها سعت إلى فرض هيمنتها السياسية وفي الوقت نفسه فرضت هيمنتها الأيديولوجية التي لا غنى عنها لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج الرأسمالية.

لهذا أؤمن بأن من المُبرر أن أمضي قدمًا في الفرضية التالية، بغض النظر عن درجة هشاشتها. أعتقد أن جهاز الدولة الأيديولوجي الذي تم فرضه في سياق هيمنة التكوينات الاجتماعية للرأسمالية الناضجة نتيجة لصراع طبقي سياسي وأيديولوجي عنيف ضد جهاز الدولة الأيديولوجي المهيمن السابق، هو في واقع الأمر الجهاز الأيديولوجي التعليمي.

قد تبدو هذه الفرضية منطوية على إشكاليات، نظرًا لأن الجميع يرون (والقصد هنا التمثيل الأيديولوجي الذي حاولت البرجوازية أن تتبناه عن نفسها وعن الطبقات التي تستغلها) أن الجهاز الأيديولوجي المهيمن للدولة في التكوينات الاجتماعية الرأسمالية ليس المدارس، إنما جهاز الدولة الأيديولوجي السياسي، أي نظام الديمقراطية النيابية مقترنًا بالتصويت للمواطنين جميعًا وبالنضال الحزبي.

لكن التاريخ – والتاريخ الحديث – يُظهر أن البرجوازية كانت وما زالت قادرة على تكييف نفسها مع أجهزة الدولة الأيديولوجية السياسية الأخرى بخلاف الجهاز الأيديولوجي الديمقراطي النيابي: كما في الإمبراطورية الأولى والثانية، والملكية الدستورية (لويس السابع عشر وتشارلز العاشر)، والملكية البرلمانية (لوي-فيليب)، والديمقراطية الرئاسية (ديجول)، وهذه أمثلة قليلة من فرنسا. وفي إنجلترا كان الأمر أوضح. فالثورة كانت “ناجحة” بصفة خاصة هناك من منظور البرجوازية، بما أنه وعلى النقيض من فرنسا حيث اضطرت البرجوازية – لا سيما جراء المعاناة من غباء الأرستقراطية الرثة – للموافقة على الوصول إلى السلطة محمولة على أعناق الفلاحين والثوار البسطاء، وهو الأمر الذي اضطرت إلى دفع ثمنه باهظًا. في المقابل تمكنت البرجوازية الإنجليزية من “الوصول لحل وسط” مع الأرستقراطية و”تشاركت” في سلطة الدولة، وفي استخدام جهاز الدولة لوقت طويل (السلام بين جميع أصحاب النية الحسنة في الطبقات الحاكمة!). وفي ألمانيا كان الأمر أكثر إثارة للعجب، فهناك ووراء جهاز الدولة الأيديولوجي السياسي (وفيه حدث تحالف مع أنصار الإمبريالية وعلى رأسهم بسمارك وجيشهم وشرطتهم)، دخلت البرجوازية الإمبريالية دخولها المروع على التاريخ، قبل المرور بجمهورية ويمار وانتقالها إلى النازية.

إذن فأنا أرى أن عندي أسباب معتبرة للتفكير بأنه وراء مشهد جهاز الدولة الأيديولوجي السياسي – الذي يحتل خشبة المسرح – فما أعدته البرجوازية حقًا وكان أداتها الأولى، في الكواليس، هو الجهاز التعليمي، والذي حل في حقيقة الأمر محلّ جهاز الدولة الأيديولوجي المهيمن السابق، ألا وهو الكنيسة. وللمرء أن يضيف هنا: حلّت ثنائية “المدرسة-الأسرة” محل ثنائية “الكنيسة-الأسرة”.

لكن لماذا يعتبر الجهاز التعليمي هو جهاز الدولة الأيديولوجي المهيمن في التكوينات الاجتماعية الرأسمالية؟ وكيف يعمل؟

يكفي أن أقول الآن ما يلي:

  1. جميع أجهزة الدولة الأيديولوجية – بغض النظر عن ماهيتها – تُسهم في تحقيق النتيجة نفسها: إعادة إنتاج علاقات الإنتاج، أي علاقات الاستغلال الرأسمالية.
  2. كل تلك الأجهزة تسهم في تحقيق هذه النتيجة الواحدة بالشكل الذي يناسبها. فالجهاز السياسي يؤدي دوره عن طريق إخضاع الأفراد لأيديولوجية الدولة السياسية، والأيديولوجية الديمقراطية “غير المباشرة” (البرلمانية) و”المباشرة” (الشعبوية أو الفاشية). ويؤدي جهاز الاتصال/الإعلام دوره عن طريق إطعام كل “مواطن” جرعات يومية من القومية والشوفينية والليبرالية والأخلاقية، وهلم جرا، عن طريق الصحافة والإذاعة والتلفزيون. والأمر نفسه ينسحب على الجهاز الثقافي (دور الرياضة في الشوفينية له أهمية قصوى)، إلخ. ويؤدي الجهاز الديني دوره عن طريق الخطب الدينية وغيرها من الاحتفاليات والطقوس الدينية العظمى، الخاصة بالولادة والزواج والموت، فالبشر من تراب، ويجب أن يحب الإنسان جاره حتى يدير له خده الآخر كلما ضربه. وجهاز الأسرة… لكن لا حاجة بنا لمزيد من التفاصيل هنا.
  3. هذا التكوين يهيمن عليه أمر واحد تعترضه من الحين للآخر تناقضات (فلول الطبقات الحاكمة السابقة، والبروليتاريا ومنظماتها): الأمر هو مسألة الأيديولوجية الخاصة بالطبقة الحاكمة الحالية، التي تُدمج لحنها الذي تعزفه بمعزوفات الإنسانية والأسلاف العظماء، أولئك الذين أنتجوا المعجزة الإغريقية من قبل المسيحية حتى، ثم مجد روما، والمدينة الفاضلة، وغيرها من تيمات كبرى، محددة وعامة، إلخ، من وطنية وأخلاقية وغيره.
  4. لكن ضمن هذه الكوكبة، فهناك جهاز دولة أيديولوجي واحد له الدور المهيمن، وإن كان يكاد لا يوجد من يعير لحنه سمعًا: إنه صامت، مصمت! إنه المدرسة.

فالمدرسة تأخذ الأطفال من الطبقات كافة في أصغر العمر، وتبقى معهم لسنوات، سنوات يكون الطفل فيها أعلى “هشاشة”، مضغوط بين جهاز الدولة الأسري وجهاز الدولة التعليمي، وطبول هذا الجهاز وتلك تقرع في أذنه، سواء باستخدام مناهج جديدة أو قديمة، لتصله “معرفة” ملفوفة في طيات الأيديولوجيا الحاكمة ومغلفة بها (معرفة بالفرنسية أو بالحساب أو بالتاريخ الطبيعي أو بالعلوم أو بالأدب) أو الأيديولوجيا الحاكمة الخام في صورتها الفجة (الأخلاق، تنشئة المواطن، الفلسفة). وفي سن السادسة عشر تقريبًا يخرج كم هائل من الأطفال “إلى الإنتاج”: ها هم العمال وصغار المزارعين. وهناك شق آخر من المتعلمين يبقى في سلك التعليم أكثر، يمضي أبعد، حتى يسقط على جانبي الطريق ليعبئ مناصب صغار ومتوسطي الفنيين، وأصحاب الياقات البيضاء من العمال، والتنفيذيين الصغار والمتوسطين، والبرجوازية الرثة بكافة أشكالها. وهناك مجموعة أخيرة تصل إلى القمة، فتدخل في مجال “شبه العمل” الفكري، أو تدخل في دائرة أعوان الاستغلال (رأسماليون ومدراء) وأعوان للقمع (جنود ورجال شرطة وساسة وإداريون، إلخ) أو أيديولوجيون محترفون (الكهنة من كافة الأصناف، وأغلبهم في الواقع هم “أشخاص عاديون” مقتنعون بالأيديولوجية الموصوفة).

كل كتلة من الخريجين مجهزة بالأيديولوجية المناسبة لكي تضطلع بدورها في المجتمع الطبقي: دور الخاضعين للاستغلال (مع وعي متطور للغاية، أخلاقي، مدني، وطني، ولا-سياسي)؛ دور أعوان الاستغلال (القدرة على إعطاء العمال أوامر والتحدث إليهم: أي العلاقات البشرية)؛ وأعوان القمع (القدرة على منح الأوامر وإنفاذ الطاعة “دون مناقشة” أو القدرة على التلاعب بديماجوجية خطابات الزعيم السياسي)؛ أو محترفي الأيديولوجيا (القدرة على معاملة الوعي باحترام، أي في حقيقة الأمر بازدراء، وابتزاز، وديماجوجية بالقدر الذي يستحقه ذاك الوعي، مع تكييف الأمر بما يوائم اعتبارات الأخلاق والفضيلة والسمو والأمة ودور فرنسا العالمي، إلخ).

بالطبع هناك فضائل متناقضة (التواضع والتصميم، والخضوع على جانب، والسخرية والاحتقار والعجرفة والثقة والإحساس بأهمية الذات بل وحتى الكلام الناعم والمكر على الآخرين، على الجانب الآخر) يتم تلقينها في نطاق الأسرة والكنيسة والجيش والكتب الجيدة والأفلام بل وحتى في استاد كرة القدم. لكن لا يوجد جهاز دولة أيديولوجي آخر له جمهور مُلزم به كليًا مثل الأطفال في التكوين الاجتماعي الرأسمالي: 8 ساعات يوميًا، على مدار خمسة أو ستة أيام في الأسبوع.

لكن عن طريق التدرب على مجموعة متنوعة من المعارف العملية الملفوفة في غلاف ناعم من الأيديولوجية الخاصة بالطبقة الحاكمة، يُعاد إنتاج علاقات الإنتاج في التكوين الاجتماعي الرأسمالي، أي علاقات الخاضع للاستغلال بمن يستغله، والقائم بالاستغلال بمن يستغلهم. الآليات التي تُنتج هذه النتيجة المهمة للنظام الرأسمالي مُغطاة ومخفية تحت طيات الأيديولوجية العالمية المهيمنة الخاصة بالمدرسة، وهي مهيمنة على الجميع لأنها من الأدوات الأساسية لأيديولوجيا البرجوازية الحاكمة: هي أيديولوجية تُمثل المدرسة بصفتها بيئة محايدة تخلو تماما من الأيديولوجيا (لأنها… عادية)، حيث يحترم المعلم “وعي” و”حرية” الأطفال المسؤول عنهم ومن عهد بهم إليه (بثقة تامة) آبائهم وأمهاتهم (وهم أحرار بدوره، أي يملكون أطفالهم) فيفتح لهم طريق الحرية والأخلاق والمسؤولية كأشخاص بالغين، عن طريق المعرفة والآداب والفضائل “التي تحرر الإنسان”.

ليصفح عني المعلمون الذين – وفي ظل ظروف بائسة – يحاولون تحويل الأسلحة القليلة التي يجدوها في التاريخ فيقدموا علمًا ضد الأيديولوجيا، ضد النظام والممارسات الذين هم عالقون فيها. إنهم أبطال نوعًا ما. لكنهم قلة قليلة، والغالبية لا يرتابون حتى محض الارتياب في “طريقة عمل” النظام (وهي أكبر منهم وتسحقهم) المفروضة عليهم، أو الأسوأ: النظام الذي يجعلهم يؤدوا عملهم من القلب وبكل صدق، لأداء عملهم بوعي تام. لا يرتابون إذن عمومًا في أن إخلاصهم الدؤوب يسهم في الحفاظ على وتغذية التمثيل الأيديولوجي الذي تقدمه المدرسة، وهو الأمر الذي يجعل المدرسة في يومنا هذا “طبيعية” ولا غنى عنها ومفيدة للغاية بل وحتى مفيدة كما كانت الكنيسة مفيدة و”طبيعية” من قبل: فلطالما كانت الكنيسة لا غنى عنها وكريمة مع أسلافنا قبل قرون.

الواقع أن الكنيسة قد أفل وذهب دورها بصفتها جهاز الدولة الأيديولوجي المهيمن إلى المدرسة. والمدرسة هنا مقترنة بالأسرة كما كانت الكنيسة من قبل مقترنة بالأسرة. يمكننا أن نقول الآن بأن الأزمة العميقة غير المسبوقة التي تزلزل النظام التعليمي في عدد كبير من الدول في شتى أنحاء العالم حاليًا، وتقترن عادة بأزمة تزلزل كيان الأسرة (كما ورد في المانيفستو الشيوعي)، هل أزمة ذات مغزى سياسي، نظرًا لأن المدرسة (والمدرسة/الأسرة) هي جهاز الدولة الأيديولوجي المهيمن، وهي الجهاز الذي يلعب دورًا حاكمًا في إعادة إنتاج نمط إنتاج مُهدد تهديد وجودي في مواجهة النضال الطبقي العالمي.

عن الأيديولوجيا

عندما قدمت مفهوم جهاز الدولة الأيديولوجي قلت إن جهاز الدولة الأيديولوجي يعمل “عن طريق الأيديولوجيا”، فأشرت إلى حقيقة تحتاج إلى بعض النقاش: الأيديولوجيا.

من المعروف أن تعبير “أيديولوجيا” صكّه كابانيس، وديستوت دى تراسي وأصدقائهما، وقد جعلوا المفهوم موضوعًا لنظرية “جينية” للأفكار. عندما استخدم ماركس المفهوم بعد خمسين عامًا، منحه معنى مختلف تمامًا، حتى في أعماله المبكرة. عنده، أصبحت الأيديولوجيا منظومة من الأفكار والتمثيلات المهيمنة على عقل الإنسان أو فئة اجتماعية. النضال الأيديولوجي السياسي الذي بذله ماركس منذ مقالاته المبكرة في جريدة رينيش زيتونج جلبه سريعًا في مواجهة هذه الحقيقة، واضطره إلى أن يمضي بأفكاره الأولى بعيدًا.

لكن نحن هنا بصدد لغز مدهش. فكل شيء يبدو وكأنه قد أدى بماركس إلى صوغ نظرية عن الأيديولوجيا. الحق أن “الأيديولوجية الألمانية” يقدم لنا، بعد “مسودات 1844” نظرية صريحة للأيديولوجية، لكن… ليس هذا ماركس (سوف نرى لماذا بعد لحظة). أما بالنسبة إلى كتاب “رأس المال”، ورغم أنه لا يلمح كثيرًا إلى نظرية للأيديولوجيات (والأظهر بينها أيديولوجية الاقتصاديين السذج)، فهو لا يحتوي على نظرية في حد ذاته، إنما يعتمد في الأغلب الأعم على نظرية للأيديولوجيا في العموم.

أود أن أمضي أولًا إلى رسم إطار عريض للغاية لمثل هذه النظرية. والفرضيات التي أنا على وشك سوقها ليست نهائية أو تامة، ولا يمكن تأكيدها أو اختبارها، أي تأكيدها أو رفضها، إلا عن طريق دراسة وتحليل مستفيضين.

ليس للأيديولوجية تاريخ

هناك كلمة أولى لتوضيح المنطق العام لتأسيس – أو على الأقل لتبرير – مشروع نظرية الأيديولوجيا بشكل عام، وليس نظرية لأيديولوجيات بعينها، وهي وبغض النظر عن ماهيتها (دينية أو أخلاقية أو قانونية أو سياسية) تعبر دومًا عن مواقع طبقية.

من الواضح تمامًا أن من الضروري المضي إلى نظرية للأيديولوجيات من المنظورين اللذين اقترحتهما للتو. سيتضح أن نظرية الأيديولوجيات تعتمد في التحليل الأخير على تاريخ التكوينات الاجتماعية، ومن ثم على أنماط الإنتاج المقترنة في التكوينات الاجتماعية، والنضالات الطبقية التي تتطور في سياقها. من هذا المنطلق، من الواضح أنه لا يمكن طرح مسألة نظرية للأيديولوجيات في المُطلق، بما أن الأيديولوجيات (ونُعرّفها من المنظورين المقترحين أعلاه: إقليمية وطبقية) لها تاريخ، ومحدداته في التحليل الأخير تقع خارج الأيديولوجيات نفسها، وإن كانت تخصها.

على النقيض، فإذا كنت قادر على تقديم مشروع لنظرية الأيديولوجيا عمومًا، وإذا كانت هذه النظرية من العناصر التي تعتمد عليها نظريات الأيديولوجيات، يبدو إذن أنني بصدد موقف مُلغّز، أعبر عنه بالعبارة الآتية: ليس للأيديولوجيا تاريخ.

كما نعرف، تظهر هذه العبارة في العديد من مقاطع “الأيديولوجية الألمانية”. ويقولها ماركس فيما يخص الميتافيزيقا، والتي يقول إن ليس لها تاريخ ولا أساس أخلاقي (وهنا يقصد أشكال الأيديولوجيا الأخرى).

في “الأيديولوجيا الألمانية” تظهر هذه العبارة في سياق وضعي تمامًا. فالأيديولوجية هي محض وهم، حلم، أي عدم. حقيقتها في كليتها تقع خارجها. فالأيديولوجيا إذن هي خيال تم تشييده ولا يزيد وضعها عن كونها حلم لكُتاب في أعين ماركس. بالنسبة للكُتاب فإن الحلم هو محض خيال، أي العدم، وهو نتاج “بقايا اليوم”، ويُعرض في ترتيب ونظام متعسف، وأحيانًا في ترتيب “مقلوب”، أي “فوضى”. بالنسبة إليهم، فالحلم خيال وخاو وتركيبه “متعسف”، ويأتي من بقايا اليوم، من بقايا الحقيقة الوضعية، من حقيقة اليوم السابق. هذا هو بالضبط وضع الفلسفة والأيديولوجيا (بما أن الأيديولوجيا في هذا الكتاب هي الفلسفة بامتياز) في “الأيديولوجيا الألمانية”.

الأيديولوجيا عند ماركس إذن هي تجميعة خيالية، محض حلم، خالية وعدمية، ليست إلا بقايا اليوم، من حقيقة إيجابية كاملة وحيدة، هي حقيقة التاريخ المادي الراسخ للأفراد الذين ينتجون وجودهم ماديًا. وبناء على هذا الأساس فليس للأيديولوجيا تاريخ في “الأيديولوجيا الألمانية”، بما أن تاريخها يقع خارجها، حيث التاريخ الموجود الوحيد هو تاريخ الأفراد الماديين، إلخ. في “الأيديولوجيا الألمانية” تعد إذن فرضية أن الأيديولوجيا ليس لها تاريخ فرضية سلبية تمامًا، بما أنها تعني الفرضيتين التاليتين:

  1. الأيديولوجيا عدم بما أنها مجرد حلم (صنعه من يعرفون، إن لم يكن قد صنعه الاغتراب الناتج عن تقسيم العمل، لكن هذا بدوره مُحدد سلبي).
  2. الأيديولوجيا ليس لها تاريخ، وهذا لا يعني أن لا تاريخ فيها (على النقيض، فهي ليست إلا النسخة الشاحبة الفارغة والمقلوبة من التاريخ الحقيقي) لكن ليس هذا تاريخ قائم بذاته.

الآن فالفرضية التي أرغب في الدفاع عنها تستند إلى مصطلحات “الأيديولوجيا الألمانية” (“ليس للأيديولوجيا تاريخ”)، وهي مختلفة تمامًا عن الفرضية الوضعية والتاريخانية الواردة في “الأيديولوجيا الألمانية”.

لأنني من جانب أرى أن من الممكن القول بأن للأيديولوجيات تاريخ قائم بذاته (وإن كان يتحدد في التحليل الأخير بناء على الصراع الطبقي)، وعلى الجانب الآخر أعتقد أن من الممكن تأكيد مقولة أن الأيديولوجيا في العموم ليس لها تاريخ، وليس هذا بالمعنى السلبي (تاريخها يقع خارجها)، لكن بالمعنى الإيجابي المُطلق.

هذا المعنى إيجابي إذا كان من الصحيح أن غرابة الأيديولوجيا تكمن في أن لها كيان ووظيفة تجعلها حقيقة غير تاريخية، أي حقيقة فوق تاريخية، من حيث أن كيانها ووظيفتها حاضرة في نفس الهيئة عبر ما نسميه التاريخ، ومن حيث تعريف “المانيفستو الشيوعي” للتاريخ بصفته تاريخ الصراع الطبقي، أي تاريخ المجتمعات الطبقية.

لتقديم نقطة مرجعية نظرية هنا، فقد أقول إنه وبالعودة إلى مثالنا عن الحلم، وفي المفهوم الفرويدي عن الزمن، فإن فرضيتي هي كما يلي: ليس للأيديولوجيا تاريخ، لكن يمكن، بل ويجب (وبشكل ينفي أي تعسف عنها، بل على العكس، من الضرورة النظرية إذ أن هناك رابط عضوي بين الفرضيتين)، أن تكون متصلة بشكل مباشر بفرضية فرويد القائلة بأن اللاوعي أبدي، أي أن ليس له تاريخ.

إذا كانت فكرة الخلود هنا، وليس التسامي على كل التاريخ (الزماني)، هي الوجود العام والدائم عبر التاريخ، ومن ثم تعني الحصانة من والخارجية على التاريخ، فسوف أتبنى تعبير فرويد، وأكتب “الأيديولوجيا خالدة/أبدية”، مثلها تمامًا في هذا كاللاوعي. وأضيف أنني أجد هذه المقارنة مبررة نظريًا لأن خلود اللاوعي متصل بخلود الأيديولوجيا عمومًا.

لهذا أعتقد أن من المبرر، ولو على سبيل الافتراض، القول بوجود نظرية للأيديولوجيا في العموم، كما عرض فرويد نظرية عن اللاوعي في العموم.

لأبسط العبارة السالفة: من المقبول – مع أخذ ما قلته عن الأيديولوجيات في الاعتبار – استخدام مصطلح الأيديولوجيا العام للإشارة إلى الأيديولوجيا في العموم، وهي التي قلت للتو إن ليس لها تاريخ، أو أنها خالدة، أي حاضرة على هيئتها التامة على امتداد التاريخ (= تاريخ التكوينات الاجتماعية الضامة للطبقات الاجتماعية). سوف أقيد نفسي هنا بـ “المجتمعات الطبقية” وتاريخها.

الأيديولوجيا هي “تمثيل” لعلاقة خيالية بين الأفراد وظروف وجودهم الحقيقية

حتى أقترب من فرضيتي المركزية عن هيكل ووظيفة الأيديولوجيا، فسوف أعرض فرضيتين أولًا، واحدة سلبية والثانية إيجابية. الأولى تخص الموضوع “المُمَثل” في الصورة التخيلية للأيديولوجيا، والثانية تخص مادية الأيديولوجيا.

الفرضية 1. الأيديولوجيا تمثل علاقة خيالية بين الأفراد وظروف وجودهم الحقيقية.

إننا كثيرًا ما نقول عن الأيديولوجيا الدينية والأيديولوجيا الأخلاقية والأيديولوجيا القانونية والأيديولوجيا السياسية، إلخ، إنها “منصات للنظر إلى العالم”. بالطبع نحن لا نفترض أننا نعيش واحدة من هذه الأيديولوجيات كحقيقة مادية (مثال: “الإيمان” برب، بالواجب، بالعدل، إلخ…) إننا نُقرّ بأن الأيديولوجيا التي نناقشها من وجهة نظر ناقدة ونفحصها كما يفحص الإثنولوجي أساطير “المجتمعات البدائية”، أن هذه “المنصات للنظر إلى العالم” هي في الأغلب الأعم خيالية، أي لا “تماثل الحقيقة”.

لكن بينما نعترف بأنها لا تماثل الحقيقة، أي أنها تمثل وهمًا، فنحن نعترف بأنها تحاكي الحقيقة، وأنها يجب أن تخضع “للتفسير” لاستكشاف حقيقة العالم الكامن وراء المخيال الذي تسوقه عن العالم (الأيديولوجيا = وهم/محاكاة).

وهناك أنواع مختلفة من التفسير، وأشهرها هي النوع الميكانيستيكي الذي كان رائجًا في القرن الثامن عشر (الرب هو التمثيل الخيالي للملك الحقيقي)، والهرمانطيقي “التفسيري، التأويلي، الذي ابتدعه آباء الكنيسة الأوائل، وأحياه فيورباخ والمدرسة الثيولوجية-الفلسفية التي انحدرت منه، مثل بارت الثيولوجي (بالنسبة إلى فيورباخ على سبيل المثال فالرب هو جوهر الإنسان الحقيقي). النقطة الأساسية هنا هي أننا باشتراط تفسيرنا للتمثيل الخيالي للأيديولوجيا، نصل إلى نتيجة مفادها أن في الأيديولوجيا “يمثل الإنسان لنفسه ظروف وجوده الحقيقية في هيئة تخيلية”.

للأسف فهذا التفسير لم يتناول مشكلة صغيرة: لماذا “يحتاج” الإنسان إلى هذا التمثيل الخيالي لظروف وجوده الحقيقية حتى “يمثل لنفسه” ظروف وجوده الحقيقية؟

الإجابة الأولى (وهي إجابة القرن الثامن عشر) تقترح حلًا بسيطًا: الكهنة والمستبدون هو المسؤولون عن هذا. فقد “صكوا” فكرة “الأكاذيب البيضاء الجميلة” حتى يقوم الإنسان وهو يعتقد أنه يطيع الرب، بطاعة الكهنة والمستبدين، وهم متحالفون في خداعهم هذا، إذ يعمل الكهنة لصالح المستبدين، والعكس صحيح، بحسب المواقف السياسية “للثيوقراط” المعنيين. هناك إذن سبب للتمثيل الخيالي لظروف الوجود الحقيقية: هذا السبب هو وجود عدد قليل من الرجال الذين يسندون هيمنتهم على “الناس” واستغلالهم لهم إلى تمثيل مزيف للعالم قاموا بتخيله وتقديمه حتى يستعبدوا عقول الآخرين عن طريق الهيمنة على خيالهم.

الإجابة الثانية (وتعود إلى فيورباخ، وقد أخذها ماركس بالكلمة في أعماله المبكرة) هي إجابة “أعمق”، أي أنها على نفس القدر من عدم الصحة. هنا أيضًا نرى سعيًا وراء سبب للتمثيل الخيالي ولتشويه ظروف وجود الإنسان الحقيقية، باختصار، سبب لتغريب مخيال تمثيل ظروف الإنسان الحقيقية. هذا السبب هنا ليس الكهنة والمستبدين، ولا خيالهم النشط وخيال ضحاياهم السلبي. هذا السبب هو التغريب المادي المهيمن على ظروف وجود الإنسان نفسه. على هذا المنوال يقوم ماركس في “المسألة اليهودية” وكتابات أخرى بالدفاع عن فكرة فيورباخ بأن الإنسان يقوم بتغريب نفسه بنفسه (=توخي الخيال) في مواجهة ظروف وجوده الحقيقية، لأن ظروف الوجود هذه في حد ذاتها تؤدي إلى اغتراب الإنسان (كما في “مسودات 1844”: لأن هذه الظروف يهيمن عليها جوهر مجتمع الاغتراب – “اغتراب العمل”).

كل هذه التفسيرات إذن تحترم الفرضية التي تنهض عليها بالحرف، وتعتمد عليها تمامًا، أي أن ما يعكسه التمثيل الخيالي للعالم كما هو موجود في الأيديولوجيا، هو ظروف وجود الإنسان، أي عالمه الحقيقي.

ألتفت الآن إلى فرضية سبق أن قدمتها: ليست ظروف الوجود الحقيقية للإنسان أو عالمه الحقيقي هو ما “يمثله الإنسان لنفسه” في الأيديولوجيا، لكنه بالأساس يسوق عبر تمثيله الخيالي علاقته بظروف الوجود التي يمثلها لنفسه في ذلك الخيال. هي علاقة تقع في القلب من كل أيديولوجيا، والقصد بالأيديولوجيا الخيال، التمثيل للعالم الحقيقي. هذه العلاقة هي التي تحتوي على “السبب” المفسر للتشويه الخيالي الكامن في التمثيل الأيديولوجي للعالم الحقيقي. أو – حتى نتجاوز المصطلحات السببية فمن الضروري القول بأن “الطبيعة الخيالية لهذه العلاقة” هي التي تقع وراء التشويه الخيالي الذي نلحظه (إذا كنا لا نعيش في حقيقتها) في جميع الأيديولوجيات.

لصوغ هذه الفرضية بمصطلحات ماركسية، وإذا كان من الحقيقي أن تمثيل ظروف الوجود الحقيقية للأفراد المحتلين لمناصب أعوان الإنتاج والاستغلال والقمع والأدلجة والممارسة العلمية – والتي تنهض في التحليل الأخير من علاقات الإنتاج ومن العلاقات المشتقة من علاقات الإنتاج – فيمكننا أن نقول ما يلي: كل الأيديولوجيا لا تمثل في تشويهها الخيالي بالضرورة العلاقات القائمة للإنتاج (والعلاقات الأخرى المشتقة منها)، إنما هي بالأساس علاقة (تخيلية) بين الأفراد وعلاقات الإنتاج والعلاقات المشتقة من علاقات الإنتاج. المُمثل في الأيديولوجيا إذن ليس منظومة العلاقات الحقيقية الحاكمة لوجود الأفراد، إنما العلاقة الخيالية بين هؤلاء الأفراد والعلاقات الحقيقية التي يعيشون في كنفها.

إذا كان الأمر كذلك، فإن سؤال “سبب” التشويه الخيالي للعلاقات الحقيقية للأيديولوجيا يختفي ولابد من استبداله بسؤال من نوع مختلف: ما سبب أن التمثيل المُقدم للأفراد عن علاقتهم (الفردية) بالعلاقات الاجتماعية الحاكمة لظروف وجودهم وحياتهم الجمعية والفردية هو بالضرورة علاقة خيالية؟ وما هي طبيعة هذه الخيالات؟ مع طرح السؤال بهذا الشكل، فهو فورًا يقترح إجابته الواضحة وهي أن مجموعة من الأفراد (كهنة أو مستبدون) هم من ألفوا هذا التلغيز الأيديولوجي العظيم، وتظهر فورًا أيضًا بالقدر نفسه الإجابة القائلة بالطبيعة التغريبية للعالم الحقيقي. سوف نرى لاحقًا السبب، لكن لن أمضي أبعد مما قلته الآن.

الفرضية 2: للأيديولوجيا وجود مادي.

سبق أن تحدثت بالفعل عن هذه الفرضية فقلت إن “الأفكار” أو “التمثيلات”، إلخ، التي يبدو أنها تشكّل الأيديولوجيا ليس لها وجود من مثل عليا أو وجود روحاني، إنما وجود مادي. بل واقترحت أن المثل العليا أو الوجود الروحاني “للأفكار” يأتي حصرًا في صورة أيديولوجية “فكرة” ومن الأيديولوجيا، دعوني أضيف، في كونها أيديولوجية ما يبدو أنه “أسس” هذا المفهوم منذ ظهور العلوم، أي ما قدمه ممارسو العلوم عن أنفسهم في أيديولوجيتهم التلقائية “كأفكار”، صحيحة كانت أو خاطئة. بالطبع فإن تقديم هذه الفرضية في صورة إيجابية يجعلها غير قابلة للإثبات. سوف أسأل القارئ ببساطة أن يتابع الفرضية، مع تحليلها ماديًا، عبر سلسلة من المقولات اللازمة لإثبات الفرضية.

هذه الفرضية التي أقدمها على سبيل الجدال ليست فرضية عن الوجود الروحاني “للأفكار أو غيرها من “التمثيلات”، بل وجودها المادي، وهي ضرورية إذا كنا نريد التقدم بتحليلنا على مسار فهم طبيعة الأيديولوجيا. بمعنى آخر، هي لا فائدة لها إلا تحسين فهمنا لما تكشف عنه فورًا أية تحليلات جادة لأية أيديولوجية، باستخدام التحليل الإمبريقي، بغض النظر عن مدى كون التحليل ذات طبيعة ناقدة.

في معرض مناقشة أجهزة الدولة الأيديولوجية وممارساتها، قلت إن كل من هذه الأجهزة كان بمثابة تفعيل/تحقيق لأيديولوجيا (وحدة هذه الأيديولوجيات الإقليمية/الجهوية: دينية، أخلاقية، قانونية، سياسية، جمالية، إلخ – التي تتأكد من واقع خضوعها للأيديولوجية الحاكمة). أعود الآن إلى هذه الفرضية: الأيديولوجية موجودة دائمًا في الجهاز، وممارسته أو ممارساته. هذا الوجود مادي.

بالطبع فإن الوجود المادي للأيديولوجية في جهاز وممارساته لا يجب بالضرورة أن يسير على نفس نسق الوجود المادي لأحجار الرصيف أو البنادق. لكن ورغم مخاطرتي باعتباري من أتباع التحليل الأرسطي (كان ماركس يقدّر أرسطو جدًا)، فسوف أقول إن “المادة لها معاني عديدة”، أو أنها موجودة في أنساق عديدة، وجذورها تعود في التحليل الأخير إلى الوجود “الفيزيقي”.

بعد قولي هذا، دعوني أنتقل مباشرة إلى تقديم ما يحدث “للأفراد” الذين يعيشون في الأيديولوجيا، أي في تمثيل حتمي (ديني، أخلاقي، إلخ) للعالم يعتمد تشويهه التخيلي على علاقة الأفراد التخيلية بظروف وجودهم، أي في التحليل الأخير بعلاقات الإنتاج وبالعلاقات الطبقية (الأيديولوجيا = علاقة خيالية بالعلاقات الحقيقية). سوف أقول إن هذه العلاقة الخيالية في حد ذاتها لها وجود مادي.

بناء على ما سبق فإنني أرصد ما يلي.

الفرد يؤمن بالرب أو بالواجب أو بالعدل، إلخ. هذا الإيمان مشتق (بالنسبة للجميع، أي لمن يعيشون في تمثيل أيديولوجي للأيديولوجيا يختزل الأيديولوجيا إلى أفكار متصلة حتمًا بوجود روحاني) من أفكار الفرد المعني، أي منه بصفته ذات واعية لها أفكار عن إيمانه. انطلاقًا من الجهاز “المفاهيمي” الأيديولوجي المُطلق الذي أعد وأسس لذات لها وعي تشكله بحرية أو تحدد فيه الأفكار التي تؤمن بها الذات بحرية، يأتي السلوك (المادي) للذات المعنية بطبيعة الحال.

الفرد المعني هنا يتصرف بشكل معين، ويتبنى سلوكاً عمليًا له صفات معينة، والأهم، أنه يشارك في ممارسات اعتيادية معينة هي ذاتها ممارسات الجهاز الأيديولوجي الذي “تعتمد” عليه الأفكار التي اختارها وعيه بكل حرية وجعلته ذاتًا معينة. إذا كان يؤمن بالرب، فهو يذهب إلى الكنيسة ويحضر الصلاة، ويركع ويصلي ويعترف ويتوب ويرجع عما اقترف من ذنوب وهلم جرا. إذا كان يؤمن “بالواجب”، فسوف يتبنى سلوكيات محاكية لهذا الإيمان، موصوفة ومنحوتة في الممارسات الطقوسية المتصلة بالإيمان بالواجب “بحسب المبادئ السليمة”. إذا كان يؤمن بالعدل، فسوف يخضع دون قيد أو شرط لسيادة القانون، بل وربما يحتج حال خرقها، فيوقع على عرائض ويشارك في المظاهرات، إلخ.

على امتداد هذا السيناريو نلاحظ أن التمثيل الأيديولوجي للأيديولوجية هو نفسه مضطر للاعتراف بأن كل “ذات” لها “وعي” وتؤمن “بالأفكار” التي يلهمها بها هذا “الوعي”، فيقبل الفرد بحرية، و”يتصرف بناء على أفكاره”، وعليه إذن أن يعتنق أفكاره كذات حرة في نطاق ممارساته المادية. إذا لم يفعل هذا “فهذا أمر شرير”.

الحق أنه إذا لم يفعل ما يجب عليه فعله انطلاقًا من معتقداته/إيمانه، فهذا لأنه يفعل شيء آخر، وهذا الشيء الآخر كدالة من دوال السيناريو المثالي نفسه، يعني أن هناك أفكاراً أخرى في رأسه إضافة إلى الأفكار التي يعتنقها، وأنه يتصرف بناء على هذه الأفكار الأخرى، كإنسان “غير متسق مع ذاته” (“فلا أحد يقبل على الشرّ إلا مضطرًا”) أو كإنسان ضعيف الإيمان، أو خبيث.

في كل الحالات، فأيديولوجية الأيديولوجيا تقر بأنه ورغم تشويهها الخيالي للواقع، فإن “أفكار” الذات الإنسانية موجودة في أفعال الفرد وتصرفاته، وإذا لم تتواجد في أفعاله وتصرفاته فهذا لأنه يتصرف بناء على أفكار أخرى تحاكي تلك الأفعال والتصرفات الأخرى (على خبثها). هذه الأيديولوجيا تخص الأفعال: وسوف أتحدث عن الأفعال المغروسة في “الممارسات”، وسوف أشير لأن هذه الممارسات تحكمها “طقوس” منحوتة فيها هذه الممارسات، في زمام “الوجود المادي للجهاز الأيديولوجي”، سواء كانت الممارسات جزءًا صغيرًا من الجهاز: صلاة صغيرة في كنيسة صغيرة، أو جنازة، أو مباراة صغيرة في ناد رياضي أو يوم مدرسي أو اجتماع لحزب سياسي، إلخ.

كما أننا مدينون لتعريف باسكال للـ “ديالكتيك” في فهمنا للمعادلة الرائعة التي تمكننا من أن نقلب نظام التعريف المفاهيمي للأيديولوجيا. فباسكال يقول: “اركع، حرك كشفتيك وأنت تصلي، وسوف تؤمن”. من ثم فهو يقلب نظام الأشياء، جالبًا – مثل المسيح – التنازع، لا السلم، ومعه شيء غير مسيحي بالمرة، هو الفضيحة، الفضيحة في حد ذاتها. هي فضيحة صالحة تجعله متسقًا مع عناد الحركة الينسينية في وجه الخطاب الذي يوضح الحقيقة المباشرة.

سأترك باسكال منتقلًا إلى مقولاته عن النضال الأيديولوجي مع جهاز الدولة الأيديولوجي الديني في زمنه. ومن المتوقع مني هنا استخدام قاموس ماركسي أكثر، إذا كان هذا ممكنًا، بما أننا نمضي هنا إلى مناطق قل استكشافها من قبل.

فأقول إذن فيما يخص الذات المفردة (ذات الفرد): وجود الأفكار الخاصة بإيمانه هو وجود مادي من حيث أن “أفكاره هي تصرفاته المادية المغروسة في الممارسات المادية التي تحكمها طقوس مادية هي ذاتها مُعرفّة من واقع الجهاز الأيديولوجي المادي الذي تُشتَق منه أفكار تلك الذات”. بطبيعة حال فإن الخصائص الأربع لكلمة “مادية” في طرحي هذا تتأثر بطرائق مختلفة: ماديات الأزاحة المادية، من الذهاب إلى الصلاة، من الركوع، والإشارة بعلامة الصليب، أو ترديد عبارة من عبارات الصلاة، أو الفعل المادي للتوبة والتطهر، أو التحديق في الفراغ، أو الكلام المنطوق والمسموع، أو الكلام “الداخلي” والهمس (داخل الوعي)، فصنوف هذه الأفعال المادية ليست واحدة. لكنني لن أخوض في مشكلة صوغ نظرية عن الاختلافات بين طرائق الإقدام على فعل مادي.

يبقى القول بأنه مع قلب طبيعة تمثيل الأشياء، فنحن لسنا بصدد “قلب” بالمرة، بما أنه من الواضح أن بعض المفاهيم قد اختفت ببساطة وبوضوح من مقالنا هذا، فيما ظهرت مصطلحات جديدة، على النسق التالي.

ما اختفى: مصطلح “أفكار”.

ما بقي: “مصطلحات “ذات”، “وعي”، “إيمان”، “أفعال/تصرفات”.

ما ظهر: مصطلحات “ممارسات”، “طقوس”، “جهاز أيديولوجي”.

إذن فأنا لم أقلب الأمور رأسًا على عقب (إلا كأن يقول المرء إن هذا الكوب مقلوب)، إنما قمت بإعادة ترتيب للمفاهيم، وهي إعادة ترتيب قوية، مفادها النتيجة التالية.

اختفت “الأفكار” في حد ذاتها (من حيث أنها حاملة لمُثل أو وجود روحاني) بدرجة تبين أن وجودها مغروس في الأفعال والممارسات المحكومة بالطقوس التي يحددها في التحليل الأخير جهاز أيديولوجي. يبدو إذن أن الذات تتصرف بقدر ما تتبع المنظومة التالية (التي أوضحها بترتيب حدوثها الحقيقي): الإيديولوجيا موجودة في الجهاز الأيديولوجي المادي – هناك أفعال مادية مغروسة في وتحكمها الطقوس المادية – وهي الطقوس التي تعد ممارساتها مغروسة في التصرفات المادية للذات التي تتصرف بكل وعي بناء على إيمانها.

لكن هذا العرض للفرضية يكشف عن احتفاظنا واستبقائنا على المفاهيم التالية: الذات، الوعي، الإيمان، الأفعال/التصرفات. من هذه السلسلة من المفاهيم، استخلص المصطلح المركزي الذي يعتمد عليه كل ما سواه: مفهوم “الذات”.

وأنتقل فورًا إلى صوغ فرضيتين متواشجتين:

  1. لا توجد ممارسة إلا الممارسة التي تفرضها الأيديولوجية وهي ممارسة مغروسة فيها؛
  2. لا توجد أيديولوجية إلا من قِبل ذات ولصالح ذوات.

من ثم، يمكنني الآن الانتقال إلى فرضيتي المركزية.

الأيديولوجية “تنادي” على الأفراد ليتحولوا إلى ذوات.

هذه الفرضية هي ببساطة محاولة لتوضيح طرحي الأخير بصفاء: لا توجد أيديولوجية إلا من قِبل ذات ولصالح ذوات. القصد هنا أن لا أيديولوجية إلا لصالح ذوات ملموسة، وهذا التمييز للأيديولوجية لا يتحقق إلا من قِبل ذات: والقصد هنا “من قبل فئة من الذوات” والوظائف التي تؤديها هذه الفئة.

أقصد أنه حتى ولو ظهرت فئة الذوات تحت هذا المسمى (الذات) مع نهوض الأيديولوجية البرجوازية – وبالأساس صعود الأيديولوجية القانونية[4] – فإن فئة الذوات (وقد يكون لها مسميات أخرى: مثل الروح عند أفلاطون، أو الرب، إلخ) هي الفئة التي تتكون منها كل أيديولوجية، بغض النظر عن محدداتها (إقليمية/جهوية أو طبقية)، وبغض النظر عن موعد حدوثها التاريخي، بما أنه ليس للأيديولوجيا تاريخ.

أقول إن فئة الذوات هي التي تتكون منها كل أيديولوجية، لكن في الوقت نفسه وعلى الفور أضيف أن “فئة الذوات لا تكون الأيديولوجيا كلها إلا بقدر ما تعد كل الأيديولوجيا مؤدية لوظيفة “تكوين” الأفراد كذوات”. في سياق هذا التفاعل للتكوين المتبادل بين الذات والأيديولوجيا تكمن آلية عمل كل الأيديولوجيات، فالأيديولوجية ليست أكثر من وظيفتها في السياقات المادية للوجود الخاص باضطلاعها بوظائفها.

لكي نفهم ما يلي، فمن الضروري إدراك أن من يكتب هذه السطور والقارئ الذي يقرأ هما ليسا أكثر من ذات وذات، ومن ثم فهما ذوات أيديولوجية. أي أن المؤلف والقارئ لهذه السطور يعيشان “بديهيًا” أو “طبيعيًا” في الأيديولوجيا بالمعنى الذي قصدته عندما قلت “الإنسان حيوان أيديولوجي بطبيعته”.

إن المؤلف من حيث كتابته لهذه السطور في زمام خطاب يزعم أنه علمي، غائب تمامًا كـ “ذات” عن “خطابه العلمي” (فكل خطاب علمي هو من حيث التعريف خطاب غير-ذاتي، فلا توجد “ذاتية في العلم” باستثناء عندما نتحدث عن أيديولوجية للعلم)، وهذه مسألة مختلفة أنحيها جانبًا ثم أعود إليها لاحقًا.

كما قال القديس بولس بوضوح، ففي “اللوجوس” – وكان قصده الأيديولوجيا – “نحيا ونتحرك وتتحقق كينونتنا”. ومن قوله يظهر أنه بالنسبة إليك وإليّ، فإن فئة “الذات” هي فئة أساسية “واضحة”: فمن الواضح أنني وأنك ذوات (أحرار، أخلاقيون، إلخ). ومثل كل بديهي، مثل بديهيات أن الكلمة “تصف شيئًا” أو “لها معنى”، فإن “بداهة” أنني أنا وأنت ذوات، وأن ليس في هذا مشكلة، هي نتاج للأيديولوجيا، أو التأثير الأيديولوجي الأساسي.[5] من العجيب قطعًا في الأيديولوجيا أنها تفرض (دون أن يبدو عليها أنها تفعل هذا، بما أن هذا “بديهي”) “البداهة” بصفتها “بداهة”، لا يمكننا إلا أن نراها واضحة، وأمامها يقع رد فعلنا الحتمي والطبيعي بأن نصيح عاليًا: هذا واضح، هذا صحيح، هذا حقيقي!”.

ضمن آليات رد الفعل هذا، يقبع “الفهم” الأيديولوجي، وهو وظيفة من وظيفتين للأيديولوجيا في حد ذاتها (ومقلوبها هو دالة في عدم الفهم أو إساءة الفهم).

لنأخذ مثالًا واضحًا. لنا جميعًا أصدقاء، عندما يطرقون على بابنا ونسأل من وراء الباب: من هناك؟ يجيبون (بما أن هذا بديهي): “أنا”. ونعرف أن “هذا هو” أو “هذه هي”، فنفتح الباب. وكان ما قيل صحيح، فقد كانت هي التي قالت “أنا”. مثال آخر: عندما نتبين شخص من معارفنا السابقين في الشارع، فإننا نُظهر له أننا تبينّاه وعرفناه (وعرفنا أنه عرفنا) إذ نقول له: “أهلا أيها الصديق” ونصافحه (وهو طقس مادي من واقع أيديولوجية التبين في الممارسات اليومية، وهناك في فرنسا – فضلًا عن الأماكن الأخرى – طقوس أخرى مصاحبة لعملية تبين الشخص هذه).

من هذه الملحوظة التمهيدية وهذه الأمثلة الملموسة، أود فقط الإشارة إلى أنك وأنا “ذوات” على الدوام، ومن ثم فنحن نمارس بصفة مستمرة طقوساً أيديولوجية لتبين الأشخاص والتعرف عليهم، وهو ما يضمن لنا أننا حقًا ماديون، وأفراد، ومتمايزون عن بعضنا البعض و(بطبيعة الحال) لا يمكن استبدالنا بذوات أخرى. فالكتابة التي أكتبها حالياً والقراءة التي تؤديها أنت حاليًا،[6] هي أيضًا من هذا المنظور فهم أيديولوجي، بما يشمل “بداهة” “الحقيقة” أو “الأخطاء” التي قد تغرسها تأملاتي هذه فيك.

لكن إدراك أننا ذوات وأننا ندور في فلك الطقوس العملية للحياة اليومية (المصافحة باليد، المناداة عليك بالاسم، معرفة أنه حتى ولو لم أكن أعرف اسمك فأعرف أن لك اسم، ما يعني الاعتراف بك كذات منفصلة مستقلة، إلخ)، أقول إن هذا الإدراك يمنحنا “الوعي” بممارسة الإدراك الأيديولوجي (المؤبد): أي الوعي الذي تضفيه الأيديولوجيا، وعيها، دون تحصيل معرفة أن علينا أن نتواصل – إذا رغبنا في التواصل – عبر الحديث من خلال الأيديولوجيا. ومن داخل الأيديولوجيا يتحدد لنا إطار للخطاب يحاول أن ينأى بنفسه عن الأيديولوجيا ليحاول أن يتجرأ على أن يكون بداية لخطاب علمي (أي غير ذاتي/موضوعي) عن الأيديولوجيا.

إذن فمن أجل توضيح لماذا أن مفهوم “الذات” مكون للأيديولوجيا – التي لا توجد إلا عن طريق تحديد الذوات كذوات – فسوف أستخدم نموذج خاص للتعبير عن طرحي: “ملموس” بما يكفي لفهمه بوضوح، لكنه مجرد بما يكفي أيضًا للتفكر فيه، بما يؤدي إلى تكوين المعرفة بعد التفكر فيه.

التعبير الأول الذي أطرحه هو كالتالي: “كل الأيديولوجيا تنادي أو تنده على الأفراد الملموسين بصفتهم ذوات ملموسة”، وهذا يتحقق من خلال فئة/مفهوم “الذات”.

هذا طرح يستتبع أن نميّز للحظة بين الأفراد الملموسين على جانب، والذوات الملموسة على جانب آخر، وإن كان على هذا المستوى لا تتواجد ذوات ملموسة إلا بقدر ما يوجد أفراد ملموسين.

ثم إنني أسوق فكرة أن الأيديولوجيا “تتصرف” أو “تؤدي عملها” عبر “تجنيدها” للذوات في الأفراد (فهي تجندهم جميعًا)، أو من حيث “تحويلها” الأفراد إلى ذوات (فهي تحوّلهم جميعًا) عبر عين العملية التي سميتها “نده” أو “مناداة”، ويمكن تخيلها عبر مثال من أكثر الأعمال اليومية للشرطة شيوعًا، أو عبر أشكال المناداة الأخرى: “أنت، هناك!”[7]

بافتراض أن المسرح النظري الذي تخيلته تدور أحداثه في الشارع، فإن الفرد الذي تمت المناداة عليه سوف يلتفت. وعن طريق هذه الالتفاتة بمائة وثمانين درجة على المقياس الفيزيقي، يصبح “ذاتًا”. لماذا؟ لأنه يفهم أن المناداة “في الحقيقة” تخاطبه، وأنه “كان هو في حقيقة الأمر الفرد الذي تمت مناداته” (وليس فردًا آخر). تُظهر التجربة أن ممارسة التواصل العملية الخاصة بالمناداة نادرًا ما تتعطل مراحلها: فالمناداة شفاهة تعني أن من تمت المناداة عليه يدرك دائمًا أنه هو حقًا من تتم مناداته. لكنها ظاهرة غريبة، وهي ظاهرة لا يمكن للمرء أن يفسرها انطلاقًا من “مشاعر الذنب” فقط، رغم كثرة عدد من “تشوب ضمائرهم شائبة”.

بطبيعة الحال ولتبسيط مسرحي النظري المنصوب هذا، اضطررت لعرض الأمور في صورة متتالية من الأحداث، فيها ما هو قبل وما هو بعد، ومن ثم فهي تتبع تسلسل زمني ما. هناك فرد يسير في الشارع. وفي مكان ما (غالبًا ورائه) ترن المناداة: “أنت، هناك!” فيقوم الفرد (في تسع مرات من كل عشر مرات هو الفرد المقصود بالمناداة) بالالتفات. لكن في الواقع فهذه الأشياء تحدث دون تتابع ما. فوجود الأيديولوجيا والمناداة أو النده للأفراد كذوات هو الأمر نفسه دون تتابع أو تسلسل.

ويمكن أن أضيف ما يلي: ما يبدو أنه يحدث خارج نطاق الأيديولوجيا (في الشارع على وجه الدقة) فهو يحدث في حقيقة الأمر داخل نطاق الأيديولوجيا. ما يحدث حقًا في الأيديولوجيا يبدو إذن وكأنه يحدث خارجها. لهذا فإن من يقعون داخل نطاق أيديولوجيا يعتبرون أنفسهم خارج الأيديولوجيا: فمن آثار الأيديولوجيا ممارسة نفي السمة الأيديولوجية للأيديولوجيا عن طريق الأيديولوجيا: فالأيديولوجيا لا تقول أبدًا: “انظر، أنا أيديولوجيّة”. فمن الضروري أن تكون خارج الأيديولوجيا، أي في نطاق المعرفة العلمية، لكي تتمكن من أن تقول: أنا داخل الأيديولوجيا (وهي حالة استثنائية للغاية) أو (وكما في الحالة العامة): كنت داخل نطاق الأيديولوجيا. فمن المعروف أن الاتهام بأن المرء يتصرف داخل نطاق الأيديولوجيا هو اتهام موجه دائمًا للآخرين، ولا يوجهه المرء لنفسه أبدًا (ما لم يكن سبينوزي أو ماركسي، وسواء كان هذا أو ذاك فالأمر سيان). ويرقى هذا إلى مصاف القول بأن الأيديولوجيا “ليس لها ما هو خارجي عليها” (لنفسها)، وفي الوقت نفسه فإن “لا شيء يوجد إلا خارجها (وهي مقولة تنسحب على العلم والحقيقة)”.

شرح سبينوزا هذا قبل ماركس بقرنين من الزمان، الذي مارس هذا الأمر دون أن يوضحه تفصيلًا. دعوني أترك هذه النقطة، وإن كانت مُحملة بالتبعات، وهي تبعات لا تقتصر على النظرية فحسب، إنا على ما هو سياسي أيضًا وبشكل مباشر، بما أن – على سبيل المثال – نظرية النقد والنقد الذاتي (القاعدة الذهبية للممارسة الماركسية/اللينينية للصراع الطبقي) تعتمد عليها.

إذن فالأيديولوجيا تنادي أو تنده على الأفراد ليتحولوا إلى ذوات. فكما أن الأيديولوجيا أبدية، فلابد لها الآن من أن تقمع التسلسل الزماني الذي عرضت من خلاله طبيعة عمل الأيديولوجيا، وأقول: الأيديولوجيا دائمًا وأبدًا تنده الأفراد كذوات وقد نادتهم فعلًا، ما يرقى لمصاف توضيح أن الأفراد هم دائمًا-وبالفعل ذوات نادت عليها الأيديولوجيا، ما يؤدي بنا بالضرورة إلى فرضية أخيرة: “الأفراد دائماً-وبالفعل ذوات”. إذن فإن الأفراد “مجردين” فيما يخص الذوات التي كانوها دائمًا وبالفعل. إنها فرضية مُلغزة ومحيرة.

كون الفرد دائمًا-وبالفعل ذات، حتى قبل أن يولد، هي حقيقة واضحة تمام الوضوح، ومفهومة للجميع، وليست لغزًا بالمرة. لقد أظهر فرويد أن الأفراد دائمًا “مجردين” فيما يخص الذوات التي كانوها دائمًا-وبالفعل، إذ أشار ببساطة إلى الطقس الأيديولوجي المحيط بتوقع “الولادة”.. “ذلك الحدث السعيد”. الكل يعرف كيف بالضبط ولأي درجة يُنتظر الطفل الذي لم يولد بعد. ما يرقى لأن نتحدث – إذا نحينا المشاعر جانبًا – عن أيديولوجيا الأسرة (الأبوة/الأمومة/الأخوة) المتوقع وصول الطفل عندما يولد إليها. فقبل أن يولد سوف يحمل اسم أبيه قطعًا، وسوف تكون له هوية ولن يكون استبداله بغيره من الأفراد مطروحًا للمناقشة. قبل ولادة الطفل فهو دائمًا-وبالفعل ذات، هو ذات داخل وبموجب التكوين الأيديولوجي الأسري المحدد الذي من المنتظر له أن يصل إليه ما إن يولد. لا حاجة لي بأن أقول إن هذا التكوين الأيديولوجي الأسري هو – على تفرده – مهيكل للغاية، وأنه في هذا الكيان غير القابل للاستبدال بغيره سوف يتعين على الذات التي سيكون لها وجود.. أن “تجد” مكانها، أي أن “تصبح” ذاتًا لها جنس (صبي/صبية) تحددت قبل وجودها. من الواضح أن هذا القيد الأيديولوجي وكل الطقوس الخاصة بالتنشئة ثم التعليم في الأسرة، لها صلة بما درسه فرويد بشأن “مراحل” الجنسانية ما قبل تكون الأعضاء الجنسية وما بعد تكونها، أي “في أسر” ما قاله فرويد عن اللاوعي ضمن الجنسانية. دعونا نتجاوز هذه النقطة بدورها الآن.

دعوني أنتقل خطوة إلى الأمام. ما سأعيره انتباهي الآن هو كيف ينعكس “الفاعلون” في مسرح “النده” هذا – فيما يخص أدوارهم – ضمن بنية كل الأيديولوجيا.

مثال: الأيديولوجية المسيحية الدينية

بما أن الهيكل الرسمي لجميع الأيديولوجيات هو دائمًا هيكل واحد، فسوف يقتصر تحليلي هنا على مثال واحد، وهو معروف للجميع، وهو مثال الأيديولوجية الدينية، مع الإقرار بأنه مثال متكرر في الأيديولوجيات الأخلاقية والقانونية والسياسية والجمالية، إلخ.

لننظر الآن إلى الأيديولوجية المسيحية الدينية. سوف أستعين بمجاز خطابي فأجعل هذه الأيديولوجية تتكلم، أي أضعها في خطاب تخيلي، وكأنها “تقول” وتتكلم عن نفسها ليس فحسب من خلال كتبها المقدسة أو رجال الدين أو الخطب والصلوات، بل تتكلم أيضًا من خلال ممارساتها وطقوسها واحتفالياتها المقدسة. إذا تكلمت الأيديولوجية المسيحية الدينية فسوف تقول ما يلي:

إنني أتوجه بالكلام إليك، أيها الإنسان الفرد المدعو بيتر (كل إنسان تنادي عليه باسمه، في ضمير المُخاطب) لأخبرك أن الرب موجود وأنك مسؤول أمامه. وسوف تضيف: الرب يخاطبك من خلال صوتي (الكتب المقدسة التي فيها كلمة الرب، والتقاليد التي تثبتها مؤسسة البابوية إلى الأبد). تقول: هذا أنت، أنت يا بيتر! هذا أصلك، وقد خلقك الرب لتحيا حياة أبدية، وإن كنت وُلدت في العشرينيات من القرن العشرين! هذا مكانك في العالم! وهذا ما عليك أن تفعله! عن طريق أدوات الدين سوف تراعي “قانون الحب” وسوف يخلصك يا بيتر، وسوف تصبح جزءًا من مجد المسيح! إلخ…

هذا خطاب مألوف وعادي، لكنه في الوقت نفسه خطاب مُدهش للغاية.

هو مُدهش لأننا إذا اعتبرنا أن الأيديولوجية الدينية موجهة حقًا إلى الأفراد،[8] من أجل “تحويلهم إلى ذوات”، عن طريق النداء على الفرد، بيتر، لجعله ذاتًا، حرة في طاعة أو عصيان النداء، أي أوامر الرب. إذا نادت الأيديولوجية على هؤلاء الأفراد بأسمائهم، فهي من ثم تقر بأنهم دائمًا-وبالفعل كانوا مُنادى عليهم كذوات بهوية شخصية (بقدر ما يقول مسيح باسكال: “لك أنت أرقت هذه القطرة من دمي!”)، وإذا كانت تناديهم بشكل ترد عليه الذوات قائلة: “نعم، هذا أنا!” وإذا كانت تستخلص منهم الاعتراف بأنهم حقًا يشغلون الحيز الذي خصصته لهم في العالم: “نعم هذا أنا، أنا هنا، عامل أو مدير أو جندي!”، وإذا كانت تستخلص منهم الاعتراف بالمصير (الحياة أو اللعنة الأبدية) بحسب مدى احترام أو ازدراء “أوامر الرب” وقانون الحب… وإذا كان كل شيء يحدث بهذه الطريقة (على مسار ممارسات طقوس التعميد والمناولة والاعتراف، إلخ)، فلنا أن نلاحظ أن كل هذه الإجراءات لإنشاء الذوات المسيحية الدينية تهيمن عليها ظاهرة غريبة: حقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك كل هذه الذوات الدينية إلا في ظل توفر شرط مُطلق، هو وجود كيان متفرد ومطلق وهو ذات أخرى هو الرب.

تيسيرًا للأمور دعونا نتحدث عن هذه الذات الكبرى عن طريق كتابة ذات بخط ثقيل، للتمييز بينها وبين الذوات العادية بالخط العادي.

يتبين إذن بناء على المذكور أن النداء على الأفراد كذوات يسبقه شرط “وجود” ذات أخرى فريدة ومركزية، باسمها تنادي الأيديولوجية الدينية على الأفراد جميعًا كذوات. كل هذا مكتوب بوضوح[9] في الكتاب المقدس. “فحدث أن الرب يهوه كلم موسى في السحاب. وهتف الرب في موسى: يا موسى!، فرد موسى: “إنه هذا أنا (حقًا)! أنا موسى خادمك، تكلم فأسمع!” وتكلم الرب إلى موسى وقال له: “أنا هو أنا”.

إذن يعرّف الرب نفسه بصفته ذات بامتياز، فهو نفسه ولنفسه (“أنا هو أنا”)، وهو ينادي على ذات يملكها، الفرد الخاضع له (subjected) عبر النداء في حد ذاته، الفرد المدعو موسى. وموسى، المندوه باسمه، وقد تبين أن من ينادي عليه هو حقًا الرب، يعترف بنفسه كذات، ذات تابعة للرب، ذات خاضعة (subjected) للرب، ذات مُعرّفة من خلال الذات وخاضعة للذات. الإثبات: هو يطيع الرب، ويجعل شعبه يطيع أوامر الرب.

الرب هو إذن الذات، وموسى والذوات الأخرى من شعبه هم شعب الرب، من تحادثهم/تناديهم الذات، هم مرايا له، انعكاس له. ألم يُخلق البشر في صورة الرب؟ وكما تثبت جميع الأفكار الثيولوجية، فبينما كان بإمكان الرب أن يستغنى تمامًا عن البشر، فإن الرب يحتاجهم، الذات تحتاج الذوات، كما يحتاج البشر الرب، والذوات تحتاج الذات: الرب يحتاج البشر، الذات العظيمة تحتاج الذوات، والاحتياج يذهب حتى إلى حالة مقلوب صورته العظيمة فيهم (عندما ينغمس الذوات في الفجور، أي الخطيئة).

أي أن الرب يستنسخ نفسه ويرسل ابنه إلى الأرض، كذات مجردة “هجرها” (الشكوى المطولة من بستان الزيتون التي تنتهي بالصلب)، مسيح ذات لكنه ذات، إنسان لكنه رب، يفعل ما يمهد الطريق أمام الخلاص النهائي، عودة المسيح. إذن يحتاج الرب إلى “جعل نفسه” إنسان، الذات تحتاج لأن تصبح ذاتًا، وكأنها تحاول أن تُظهر إمبريقيًا وبشكل ظاهر للجميع وملموس للأصابع (انظر القديس توماس) عند الذوات، إذا كانوا ذواتًا، خاضعون للذات أنه وفي يوم القيامة سوف يعودوا إلى حضن الرب، مثل المسيح، سيعودون إلى الدخول في الذات.[10]

دعونا نحوّل هذا المثال إلى لغة نظرية، عن الضرورة القصوى لتحويل الذات إلى ذوات وتحويل الذات نفسها إلى ذات-ذات.

إننا نلاحظ إذن أن هيكل كل الأيديولوجيا واحد، فهي تنادي على الأفراد كذوات باسم ذات فريدة ومُطلقة، وهذه الذات كالمرآة، فهي مكون من مكونات الأيديولوجية وتضمن عملها. هذا يعني أن كل الأيديولوجيا مركزية الهيكل، وأن الذات المطلقة تحتل موقع المركز فيها، وهي تنادي عدد لا نهائي من الأفراد ليصطفوا حولها كذوات ليصبحوا خاضعين كذوات للذات المركزية، مع منحهم الذات التي هي كالمرآة يتأمل فيها كل منهم صورته (في الحاضر والمستقبل) وأن هذه العلاقة تخص الذات الفردية وتخص الذات المركزية، وأنه بما أن كل شيء يحدث في الأسرة (الأسرة المقدسة: الأسرة بالمعنى الجوهري: المقدس)، مثل: “الرب يعرف أتباعه المخلصين فيها”، أي من يقر بهم الرب بصفتهم المخلصين، وعرفوا أنهم مخلصين للرب، وهم الناجون.

دعوني ألخص ما اكتشفناه حول الأيديولوجيا عموماً.

المرآة المزدوجة للأيديولوجيا تضمن ما يلي:

  1. النداء على “الأفراد” كذوات.
  2. إخضاعهم للذات.
  3. الاعتراف المتبادل بين الذوات والذات، حيث تتعرف الذوات على بعضها البعض، وفي النهاية تتعرف الذات على نفسها كذات تعرضت للنداء.[11]
  4. الضمان المُطلق بأن كل شيء هو كما يبدو حقًا، وأنه باشتراط تبين الذوات كنههم وتصرفهم بناء على فهمهم لأنفسهم، فكل شيء سيكون على ما يرام: آمين… “فليكن”.

النتيجة: الخضوع لهذا النظام الرباعي للنده كذوات، من الخضوع للذات، والاعتراف التام بالضمان المُطلق، و”عمل” الذوات – وهي تعمل “وحدها وبمبادرة منها” في الغالبية العظمى من الحالات باستثناء “الذوات المخطئة/الشريرة” التي تستفز أحيانًا تدخل جهاز الدولة (القمعي) ضدها. لكن الغالبية العظمى من الذوات (الصالحة) تعمل “من تلقاء ذاتها” لعمل الخير، أي تعمل بدافع من الأيديولوجية (التي تتحقق صورتها الملموسة في أجهزة الدولة الأيديولوجية). تصبح مغروسة في ممارسات تحكمها طقوس أجهزة الدولة الأيديولوجية. هي “تعترف” بوجود طابع قائم للأمور، و”الأمر حقا كذا وكذا وليس غير ذلك”، وتعرف أن عليها طاعة الرب، والضمير، والكاهن، أو ديجول، أو المدير، أو المهندس المسؤول، ومن ثم فسوف تقوم الذات “بحب جارها كما تحب نفسها”، إلخ. السلوك المادي الملموس للذوات هو ببساطة خطة الحياة المرسومة والتي تعبر عنها تلك العبارة التي تُتلى في الصلوات “آمين… فليكن”.

نعم، الذوات “تعمل بمبادرة منها ومن تلقاء ذاتها”. لغز هذا العمل يكمن في اللحظتين الأوليين من النظام الرباعي المذكور أعلاه، أو إذا سمحتم لي، في التباس مفهوم الذات. في الاستخدام العادي للمصطلح فإن الذات تعني: (1) ذاتية حُرة، مركز للمبادرة، كيان يقوم بعمل وهو مسؤول عن تصرفه؛ (2) كيان خاضع subjected، مسؤول أمام سلطة أعلى، ومن ثم فهي مجردة من كل حرية باستثناء حرية قبول الخضوع. هذا المعنى الأخير يتيح لنا فهم هذا الغموض، وهو مجرد انعكاس للأثر الذي يحدثه: الفرد يُنادى عليه بصفته ذات (حرة) حتى يخضع بحرية لأوامر الذات، أي من أجل أن يقبل (بحرية) أن يتم إخضاعه، أي أن يقوم بالأعمال والتصرفات الخاصة بإخضاعه “بمبادرة ذاتية منه”. لا توجد ذوات إلا بقدر ما هي خاضعة. لهذا فإن الذوات “تعمل من تلقاء نفسها”.

“فليكن”… هذه الكلمة التي تؤشر بإحداث أثر العملية الملموس تثبت أنها ليست عملية طبيعية تلقائية (“طبيعية”: خارج الصلاة، أي خارج التدخل الأيديولوجي). هذه الكلمة تثبت أنه من الضروري أن يكون الأمر كذلك، فلم لا نقولها: إذا كانت إعادة إنتاج علاقات الإنتاج يجب أن تكون مضمونة، حتى في عملية الإنتاج، كل يوم، في “الوعي”، أي في سلوكيات الفرد-الذات الذي يحتل مكانه في التقسيم الاجتماعي-التقني للعمل كمنتج أو مستغل أو قامع أو أيديولوجي أو ممارس للعلوم، إلخ، فالحق أن ما هو على المحك هنا هو هذه الآلية، آلية الاعتراف والتبين بوجود المرآة بين الذات والأفراد المنادى عليهم فأصبحوا ذواتًا، والضمان الذي تعطيه الذات للذوات إذا قبلوا طوعًا بخضوعهم لأوامر الذات. حقيقة المسألة المذكورة ضمن هذه الآلية، هي حقيقة يتم تجاهلها من حيث التعريف في آليات التبين والاعتراف (الأيديولوجية = التشويه للحقيقة/الجهل) وهي في التحليل الأخير جوهر إعادة إنتاج علاقات الإنتاج والعلاقات المشتقة منها.

يناير/كانون الثاني – أبريل/نيسان 1969.

ملحوظة ختامية: إذا كانت الفرضيات التي قدمها مقالي تسلط الضوء على بعض جوانب كيفية عمل البناء الفوقي وكيف يتدخل في البناء التحتي، فهي أيضًا فرضيات مجردة، وبالضرورة تترك إشكاليات مهمة بلا إجابات، وسوف أذكرها فيما يلي:

أولاً: مشكلة “العملية الكاملة” لتحقيق إعادة إنتاج علاقات الإنتاج.

كعنصر في هذه العملية، فإن أجهزة الدولة الأيديولوجية تسهم في عملية إعادة الإنتاج هذه. لكن منظور إسهامها وحده ما زال منظورًا مجردًا.

لكن داخل عمليات إنتاج وحركة إعادة الإنتاج هذه – وحدها – تتحقق إعادة الإنتاج هذه. إنها تتحقق عبر آليات عمل هذه العمليات، وفي سياقها “يتم بالكامل” تدريب العمال، ويتم توزيعهم على أدوارهم على خط الإنتاج، إلخ. في الآليات الداخلية لهذه العمليات يتم الشعور بأثر مختلف الأيديولوجيات (وقبل كل شيء بأثر الأيديولوجية القانونية-الأخلاقية).

لكن على ما قلته، تبقى وجهة النظر هذه مجردة. في المجتمع الطبقي تكون علاقات الإنتاج علاقات استغلال، ومن ثم فهي علاقات بين طبقات بينها عداوة. إعادة إنتاج علاقات الإنتاج – وهو الهدف الأسمى للطبقة الحاكمة – لا يمكن إذن أن تكون محض عملية تقنية تقتصر على تدريب وتوزيع الأفراد على مواقعهم على خط الإنتاج في سياق “تقسيم تقني” للعمالة. في الواقع، لا يوجد “تقسيم تقني” للعمالة إلا في إطار أيديولوجية الطبقة الحاكمة: فكل تقسيم “تقني” وكل تنظيم “تقني” للعمل هو شكل من أشكال وقناع من أقنعة التقسيم الاجتماعي (= الطبقي) وتنظيم للعمالة. إعادة إنتاج علاقات الإنتاج إذن ليست إلا عملية طبقية. وهي تتحقق عن طريق صراع طبقي يضع الطبقة الحاكمة في مواجهة الطبقة المُستغَلة.

إن “كامل عملية” تحقق إعادة إنتاج علاقات الإنتاج ما زالت إذن مجردة، من حيث أنها لم تتبن بعد وجهة نظر الصراع الطبقي. إن تبني وجهة نظر إعادة الإنتاج إذن – في التحليل الأخير – يعني تبني وجهة نظر الصراع الطبقي.

ثانياً: مشكلة الطبيعة الطبقية للأيديولوجيات القائمة في التكوين الاجتماعي.

إن “آلية” الأيديولوجيا في العموم هي آلية واحدة. فلقد رأينا أنه يمكن اختزالها إلى مبادئ قليلة عبرنا عنها بكلمات قليلة. إذا كانت ثمة حقيقة فيها، فهذه الآلية يجب أن تكون مجردة في مواجهة كل تكوين أيديولوجي حقيقي.

ولقد افترضت أن الأيديولوجيات تتحقق في مؤسسات، وأن طقوسها وممارساتها تتحقق من خلال أجهزة الدولة الأيديولوجية. لقد رأينا بناء على هذا الأساس كيف تسهم في هذا الشكل من أشكال الصراع الطبقي، الضروري للطبقة الحاكمة، وهو إعادة إنتاج علاقات الإنتاج. لكن وجهة النظر هذه ورغم أنها حقيقية فهي ما زالت مجردة.

الحق أنه ليس للدولة وأجهزتها معنى إلا من وجهة نظر الصراع الطبقي، كجهاز للصراع الطبقي يضمن اضطهاد طبقة لطبقة، ويضمن ظروف الاستغلال وإعادة الإنتاج. لكن لا يوجد صراع طبقي دون وجود طبقات بينها عداوة. فمن يتكلم عن الصراع الطبقي والطبقة الحاكمة يتكلم بالضرورة عن المقاومة والتمرد والصراع الطبقي ضد الطبقة الحاكمة.

لهذا لا تعتبر أجهزة الدولة الأيديولوجية هي تحقيق كامل ووافٍ للأيديولوجيا في العموم، ولا حتى لتحقق أيديولوجية الطبقة الحاكمة دون صراع. فأيديولوجية الطبقة الحاكمة لا تصبح الأيديولوجية الحاكمة بفضل الرب، ولا حتى بفضل السيطرة على سلطة الدولة فحسب. من خلال تنصيب أجهزة الدولة الأيديولوجية التي تتحقق فيها هذه الأيديولوجية وتحقق نفسها، تصبح هي الأيديولوجية الحاكمة. لكن هذا التنصيب لا يتحقق من تلقاء ذاته، على النقيض، فهناك صراع طبقي مرير ومتواصل: أولًا ضد الطبقات الحاكمة السابقة ومواقعها في أجهزة الدولة الأيديولوجية القديمة والجديدة، ثم ضد الطبقة الخاضعة للاستغلال.

لكن ما زالت وجهة النظر هذه الخاصة بالصراع الطبقي ضمن أجهزة الدولة الأيديولوجية وجهة نظر مجردة. في الواقع فإن الصراع الطبقي داخل أجهزة الدولة الأيديولوجية هو حقًا جانب من جوانب الصراع الطبقي، وهو أحيانًا جانب مهم وله تبعات. مثال: الصراع ضد الدين في القرن الثامن عشر، أو “أزمة” جهاز الدولة الأيديولوجي التعليمي في كل الدول الرأسمالية حاليًا. لكن الصراعات الطبقية داخل أجهزة الدولة الأيديولوجية هي جانب واحد من جوانب الصراع الطبقي المتجاوز لأجهزة الدولة الأيديولوجية. فالأيديولوجية التي تجعلها طبقة محتلة لمنصب السلطة أيديولوجية حاكمة ضمن أجهزة الدولة الأيديولوجية الخاصة بها “تتحقق” في إطار أجهزة الدولة الأيديولوجية هذه، لكنها أيضًا تتحقق فيما يتجاوزها، إذ أنها قادمة من مكان آخر. وبالمثل، فالأيديولوجية التي تتمكن طبقة محكومة من الدفاع عنها وضد أجهزة الدولة الأيديولوجية هي متجاوزة للطبقة المحكومة، إذ أنها تأتي من مكان آخر.

فقط من وجهة نظر الطبقات (أي الصراع الطبقي) يمكن شرح وفهم الأيديولوجيات الموجودة في التكوين الاجتماعي. ليس فحسب من نقطة البداية هذه يمكن شرح وفهم تحقق الأيديولوجية الحاكمة في أجهزة الدولة الأيديولوجية وفي تكوينات الصراع الطبقي الذي تتخذ فيه أجهزة الدولة الأيديولوجية موقع المركز والصدارة. إنما أيضًا ومن نقطة البداية هذه يمكن فهم جذور ومكامن الأيديولوجيات المتحققة في أجهزة الدولة الأيديولوجية والتي تواجه بعضها بعضًا في تلك الأجهزة. فلو كان من الحقيقي أن أجهزة الدولة الأيديولوجية تمثل “الهيئة” التي “يجب بالضرورة” أن تتحقق فيها أيديولوجية الطبقة الحاكمة، والهيئة التي يجب “بالضرورة” أن تُقاس بها أيديولوجية الطبقة الحاكمة وتتم مواجهتها، فالأيديولوجيات لا “تولد” في أجهزة الدولة الأيديولوجية، بل من رحم الطبقات الاجتماعية العالقة في الصراع الطبقي: من شروط وجودها ومن ممارساتها ومن تجربتها الخاصة بالصراع، إلخ.

أبريل/نيسان 1970.

[1]  أغلب الأمر وليس كله. إذ أن علاقات الإنتاج يُعاد إنتاجها أولًا عبر مادية عمليات الإنتاج ودورتها. لكن يجب ألا ننسى أن العلاقات الأيديولوجية حاضرة بشكل مباشر في هذه العمليات عينها.

[2]  أغلب عملية إعادة الإنتاج التي يسهم فيها جهاز الدولة القمعي وجهاز الدولة الأيديولوجي.

[3]  Mode of production  هي حالة، نمط، أو طريقة الإنتاج: وهي مجمل الصراع بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. كلما نمت وتطورت قوى الإنتاج (الناس والماكينات)، ازداد تناقضها مع علاقات الإنتاج المستغلة (جوهر النظام الرأسمالي، وتضمن علاقات العمل بأجر حيث الرأسمالي يملك وسائل الإنتاج ويستغل العاملين لديه، والعلاقات الاجتماعية المختلفة لإعادة انتاج المجتمع والعامل). حالة أو نمط الإنتاج هي التوازن المؤقت (دائم التغيير) بين مستوى تطور قوى الإنتاج (قدرة الناس على التنظيم…) وبين درجة استغلال ولا عدالة علاقات الإنتاج ويمكن تصورها ببساطة بأنها حالة الحياة ككل [تعقيب حول مصطلح “نمط الإنتاج” من الباحث يوسف رامز].

[4]  واستقيها من المصطلح القانوني “ذات في القانون” بما يجعلها مفهوم أيديولوجي: فالإنسان بطبيعته ذات.

[5]  علماء اللغة ومن يهتمون باللسانيات لأغراض عديدة عادة ما يواجهون مشكلات كبيرة عند تجاهلهم للآثار الأيديولوجية للخطابات، بما في ذلك الخطابات العلمية.

[6]  ملحوظة: هذه الممارسة الحالية المزدوجة هي إثبات إضافي لحقيقة أن الأيديولوجيا “خارجية” بما أن ازدواج “الآن” في هذه الممارسة متحقق عبر زمنين منفصلين غير متصلين: فأنا أكتب هذه السطور يوم 6 أبريل/نيسان 1969، وأنت تقرأه في وقت لاحق.

[7]  المناداة على الفرد هي ممارسة يومية ضمن ممارسة طقس محدد تتخذ منحى خاص في ممارسة رجل الشرطة الخاصة بالمناداة، وهي المناداة على من يشتبه فيهم الشرطي.

[8]  وإن كنا نعرف أن الفرد هو دائمًا ذات، فسوف نستخدم هذا المصطلح (الفرد) نظرًا للأثر المتناقض الذي يحمله.

[9]  أقول مكتوب بوضوح بالمعنى المزدوج هنا، أي أن الاقتباس التالي ورد في الكتاب المقدس حقًا وورد فيه أيضًا روحًا لا بالكلمة.

[10]  دوجما الثالوث المقدس هي بالضبط نظرية استنساخ الذات (الأب) في الذات (الابن) والرابط بينهما الذي هو عبارة عن مرآة (الروح القدس).

[11]  هيجل (على غير علم منه) “مُنظّر” رائع للأيديولوجيا من حيث كونه “مُنظّر” للاعتراف المُطلق الذي ينتهي به المطاف لسوء الحظ في أيديولوجية المعرفة المطلقة. فيورباخ “مُنظّر” مدهش للمرآة، وينتهي به المطاف لسوء الحظ في أيديولوجية الجوهر الإنساني. أما إذا أردنا العثور على المادة التي يجب استخدامها في بناء نظرية لفهم الضمان القائم بين الذات والذوات، فعلينا الالتفات إلى سبينوزا.

Advertisements

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s