العامية والفصحى.. النقاش لا يزال محتدما

المال والسلطة لهما تأثير على اللغة وفرضها على الناس
الفصحى تتمتع بهيبة وتميز الخطابات الرسمية.. والعامية لا قواعد لها
د. مديحة دوس: “مع احترامي للقومية.. مفيش حاجة اسمها نحل مشاكل الوطن العربي كله في وقت واحد”

عرض ـ هيثم خيري:

لماذا اللغة بالذات تحتل كل هذا الشغف لدى الدارسين والمتخصصين وغير المتخصصين؟ ثم لماذا يشغلنا تحديد الفواصل القاطعة بين مستويي اللغة: العامية والفصحى؟ لماذا تعتبر جماهير غفيرة من “الدولتية” والقطاعات الرسمية وغير الرسمية والمدارس النظامية أن الفصحى هي اللغة “الأعلى” بينما تحتل العامية المكانة “الدنيا”؟ لماذا أكتب هذه السطور بلغة فصحى بينما مؤكد إذا دار نقاش بين اثنين منكم حول هذا المقال سيكون بالعامية؟

بالطبع لا تنسحب هذه الأسئلة على العربية فحسب، وإنما تشغل بال دارسين آخرين ناطقين بلغات أخرى يصعب حصرها.

هذه الجلسة من مشروع سكة المعارف خصصت للحديث عن ثنائية اللغة العامية والصفحى، وكرست فيها الدكتورة مديحة دوس، أستاذ اللغة الفرنسية بجامعة القاهرة، وهي المحاضرة الرئيسية فيها، سنوات عديدة من عمرها للإجابة عن أسئلة كتلك التي نعود لنطرحها.

تستند هذه القراءة من سكة المعارف إلى ثلاث دراسات أساسية، هي “قضايا في الازدواجية اللغوية العربية”، تأليف تشارلز فيرجسون وتحرير جردا منصور ومديحة دوس، ومجتزأ من كتاب “لغتنا العربية في معركة الحضارة“، تحت عنوان “العامية المصرية عند عبد الله النديم” تأليف مديحة دوس أيضا، وأخيرا كتاب “لغة مقدسة وناس عاديون.. معضلات الثقافة والسياسة في مصر” تأليف نيولفر حائري وترجمة إلهام عيداروس.

niloofar_2

نيلوفر حائري

قبل أن ندخل في متن “السيمنار”، سيتحدث الدكتور هاني السيد، أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، قليلا جدا عن سكة المعارف ثم ينتقل النقاش إلى “دوس”

مفاهيم أولية
استطاع سيمنار سكة المعارف تصفية الكثير من المفاهيم الأولية التي كنا نتعامل معها على أنها بديهيات ومسلمات لا يجب أن يشغل بالنا الاقتراب منها مجددا، من الهوية إلى القومية العربية وما إلى ذلك من مفاهيم كنا نظنها أبدية وأزلية، وتبين أن لها تاريخ محدد المعالم وحاضر.. تشعب هذا الحديث بشكل عفوي إلى مجال آخر لا يعتبر فرعا أصيلا في العلوم الاجتماعية بمعناها التقليدي، لأننا الآن نتحدث عن اللغة. ماهية اللغة، ومستويات اللغة الفصحى والعامية وقداسة اللغات وتاريخها، ومن ثم فإننا سنناقش تاريخ اللغة ليس بمعزل عن المجتمعات التي تتحدث به، وإنما في القلب منه حركة المجتمع وتفاعلها مع اللغة.

الثنائية اللغوية
تبدأ الدكتورة مديحة دوس السيمنار فتقول: “هاتكلم النهاردة عن النصوص اللي اتحددت لمناقشتها، وستكون الخطة إني أعمل تقديم لمقالة “الثنائية اللغوية” ومقالات أخرى مرتبطة بها سواء لنفس المؤلف أو  مرتبطة بنفس الموضوع بشكل موجز، لأنقل بشكل منطقي لكتاب “لغة مقدسة وناس عاديون”.

فرجسون لا يزال يثير جدلا حتى هذه اللحظة ويتم الاشارة إليه لما الباحثين يبدأوا الحديث عن ثنائية اللغة، هو مقال مهم ومؤسس واخترته لسبب آخر هو أنني لم أحب أن نظل في منطقة بين العلوم الاجتماعية واللغويات، حبيت أن ننقل إلى منطقة لغوية جدا، بحيث لا تأخذنا إلى مناقشات دائما ما تثيرها اللغة العربية بصفة خاصة.

يقول فيرجسون “إن في الكثير من الجماعات اللغوية هناك نمطان لغويان يستخدمهما بعض المتحدثين، كل في ظروف مختلفة. ربما يكون أحد أفضل الأمثلة على تلك الحالة اللغوية هو وجود نمط الفصيح في مقابل اللهجات المحلية المستخدمة في حالة لغات كثيرة كالإيطالية والفارسية، ففي سياقات الحديث بين الأهل والأصدقاء من نفس اللهجة المحلية يستخدم المتحدثون لهجتهم المحلية تلك، أما في سياقات الحديث الرسمية، أو سياقات الحديث مع أبناء لهجات محلية أخرى، فإن النمط اللغوي الفصيح يصبح واجب الاستخدام”.

وتقول مديحة دوس: إذن هناك تجاور لنمطين لغويين في الجماعة الواحدة.. البلد الواحد ممكن يبقى فيه كذا جماعة لغوية مثل المغرب أو بلجيكا أو غيرهما، نمط يشار إليه باعتباره مرتفع أو عالي ونمط آخر منخفض وهو اللغة المحلية العامية. لكل نمط من النمطين وظائف يقوم بها.

كل نمط من النمطين مرتبط بصور أو تخيلات اجتماعية نفسية (تمثيلات)، وده بيتضح من التوصيف نفسه “عالي” و”منخفض”، وبالتأكيد كل نمط من النمطين يختلف عن الآخر.

سنة 1991 راجع نفس المؤلف (فيرجسون) نفسه ـ وده شيء عظيم الحقيقة ـ وقال إنه كتب مقال من 30 سنة لكن الجميع لم يشتبك معه فيما يقوله، وإنما عارضوه لمجرد المعارضة، وافتقد أن الناس عارضته أكتر مما دخلت في حوار معاه فيما يريد إثباته، وإنه “يفتقد” في مقال 1991 أن الناس لم تضف له أمثلة أخرى ولم تناقش وتحلل وتطور آراءه، بل ظلت تناقضه فقط، محدش من هؤلاء المعارضين اتكلم مثلا عن اللغات “المهجنة”، التي يفرضها المستعمر في كثير من الأحيان على البلاد التي تتعرض للاحتلال مثل جزر القمر.

كما إن فيه جماعات لغوية تانية مثل الناطقين بالفرنسية والإنجليزية لديهما اختلافات بين مستويات اللغة، تتوقف على سياق النص: هل هو منطوق شفهي أم مكتوب؟ هل هو عام أم خاص؟ هل نتكلم في المكتب أو العمل أم في المنزل؟ وهذه الثنائية لها سمات خاصة.

فيرجسون كتب هذا الكلام سنة 1995، وكان يطمح منه للتنظير الواسع، بعدها بعدة سنوات تحدث نعوم تشومسكي في هذا السياق، وكان يميل إلى التنظير لغويا ومجتمعيا.

أخذ فيرجسون أربع لغات تعريفية بيلاقي فيها نفس الخصائص لثنائية اللغة، وهي العربي واليوناني والسويسري والهاييتي، وبيشوف السمات المشتركة بينهم، ثم ينقل لتصوره لما يمكن أن يحدث لهذه اللغات، هل سيتم تحليل الثنائية في أي طريق كان، أو بتبني اللغة العليا، أو تبني اللغة الدارجة (المحلية)، أو لغة وسيطة بين هذا وذاك، ثم تحدث عن مستقبل اللغة بعد 200 سنة من وقت كتابة مقاله.

لاحظ الرجل أن كل مستوى من مستويات الثنائية اللغوية لها مسمى، الفصحي والعامية، في السويسرية واليونانية مرادفات مختلفة أيضا (بين لغة الكتابة واللغة الشفاهية)، ثم بدأ يأخذ سمات أخرى مثل “الهيبة” التي تتميز بها اللغة العليا، وأن الناس تعتبرة لغة “راقية” و”جميلة” وتستطيع عن التعبير بصورة أفضل، والأهم أنها بتقول أشياء أكثر تعقيدا.

على الهامش كده أحب أوضح حاجة: إحنا اليوم لدينا من الأعمال الكلاسيكية المترجمة للعامية، زي عمل نص “حلم ليلة صيف”، و”المولودة”، و”رسالة الغفران” للمعري، قصدي إن فيه حركة بطيئة لترجمة النصوص من الفصحى للعامية، وإن كانت تدل على شيء فهي تدل على رغبة إثراء التراث العامي لكنها ضئيلة ومتواضعة.

نرجع لموضوعنا، وهو أن هناك هيبة تتمتع بها الفصحى بخلاف العامية، والتراث الأدبي غالبا بيبقى تراث الفصحي فقط، واكتساب اللغة الفصحى أو العليا دايما بيتم في المدرسة، أما اللغة الثانية الدنيا فيتم اكتسابها في البيت والشارع، ثم يأتي دور “التقعيد” بمعنى وضع قواعد معيارية، سواء بالنحو أو إنشاء معاجم أو غيره.. كل ده موجود في الفصحي بخلاف العامية، ثم يأتي دور الرسائل العلمية في الجامعات التي لا تكتب إلا بالفصحى، ولو فكروا في خلق لغة وسيطة لن يتم قبولها أصلا، بعد كده بيدخل فيرجسون لأشياء أخرى مثل المعاجم اللغوية.

368

مديحة دوس

لغة المال
المرحلة الثانية لفيرجسون لما أراد أن ينتقد نفسه، إنه لم يتخيل أن اللغات الخاصة بالجماعات اللغوية في هذه البلاد اللي كانت مستعمرات باستثناء السويسرية، سترجع بهذه القوة وتسود المجتمع في استخداماته، مكنش عامل حسابه إن الانجليزية هاتبقى سائدة مثلا في لغة المستعمر في مصر، بمعنى إن مصر خضعت للاحتلال الإنجليزي عشرات السنين، ولم يتحدث المصريون بالإنجليزية إلا بين أبناء الطبقات العليا، أما الآن فالجميع يطمح لأن يتحدث الإنجليزية بطلاقة.

أصدرت مجلة “الأنثربولوجيا الآن” سنة 1997 عددا يحتوي على مقالة مطولة وضعت مصر كنموذج لوضع لغوي متميز، فاللغة الرسمية هي العربية، لكنها ليست اللغة السائدة دايما، وليست لغة السلطة أيضا في كل الأحوال، لأن فيه مؤسسات بتفضل في ممارساتها ومواقفها العملية الإنجليزي على العربي، مثال لذلك إن التقديم للخارجية فيه تفضيل للغة الانجليزية.

الصفوة المالية في مصر مثلا، من رجال الأعمال وكبار المحاسبين والعاملين في البنوك والشركات عابرة القوميات ميعرفوش عربي كويس، قصدي هنا القواعد اللي تأسست عليها اللغة العربية الفصحى، إنما يعرفوا أنجليزي أكتر، لذلك فلغة “سلطة المال” تبقى الإنجليزية في مصر، ولغة السلطة في كثير من الأحيان تصبح عامية، ومن أمثلة ذلك أحاديث الرئيس عبد الفتاح السيسي اللي معظمها بتكون بالعامية وأحيانا تحمل إفيهات زي “جبنا فيهم جون”.

لغة مقدسة
ننتقل لكتاب “لغة مقدسة وناس عاديون” لنيلوفر حائري، اللي بيثير فيه التساؤل حول اللغة العربية والحداثة، أول سؤال تطرحه المؤلفة في كتابها إن كانت اللغة العربية حديثة أم لا، ولماذا يكون التحول نحو لغة حديثة شرط لحدوث بعض التحولات الضرورية.

السؤال الأول، بتجاوب عليه بإن اللغة العربية بالطبع ليست حديثة، وهي ليست ملك الناس، بمعنى إنهم لا يستطيعوا التصرف فيها.. وهنا يجب الإشارة إلى أن المعيار اللي بيسمح لأي حد يقول إن هذه اللغة حديثة أن يتحدثها الشخص ويكتبها ويمارسها وتكون ملكه، وليس حارسا أو واصيا عليها، وفيه شواهد كتير جدا إننا حراس اللغة العربية وعلينا أن نحتفظ بها كما ورثناها، وبالتالي فهي ليست حديثة وليست ملكنا أيضا.

نيلوفر بتفرق بين معايير اللغة التي تتميز بقداسة واللغات اللي مبنية على معايير وقواعد ولكنها ليست مقدسة، بالنسبة للغة العربية وغيرها من اللغات الأخرى التي تتمتع بقداسة، لا يجب الاقتراب منها، وبالنسبة للغات غير المقدسة فتحكمها معايير الصالح العام وليس القداسة.

في فرنسا مثلا بينزل كتب بالإملاء الجديد والنحو الجديد والرسائل العلمية بيتم طباعتها بموجب الإملاءات الجديدة للغة والتحدث بها والمشاركة في صياغات هذه القواعد الجديدة.

ما أراه ناقصا في عمل لنيلوفر أنها تتجاهل بدون قصد المستويات المتوسطة بين الفصحى واللغة المحلية تاريخيا، ولا ترى إن كانت قد طرأت اختلافات كبيرة جدا بين الممارسات الكتابية والاستخدام والكلام نفسه.. مشافتش حاجة مهمة أيضا مثل النصوص الوسيطة، زي ما هو موجود فصحى وعامية من أول نشأة اللغة العربية، وتتجاهل كل هذا التراث الكبير الذي قارب بين مستويي اللغة.

وفي النهاية ممكن نقول إن عندنا ثنائية لغوية ليس لها حل. ومشكلة العامية وكتابتها رغم انتشارها إن ملهاش معايير واضحة، ومشكلة اللغة العربية الفصحى أنها لا تستجيب لطلب التطوير والتبسيط، مش بس في المفردات وإنما في القواعد النحوية والتركيبات المعقدة.

حوار مفتوح
انتهى حديث الدكتورة مديحة دوس، وبدأت المداخلات..

يتحدث أحد المشاركين في السيمنار عن الهيمنة اللغوية: في جزئية الخطاب والسلطة هاذكر خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون لما كان في البرلمان التونسي.. الراجل جيه يتكلم إننا (فرنسا يعني) والتونسيين تجمعنا ثقافة واحدة، وإن فرنسا هاتساعد تونس عشان تطلع من كبوتها الاقتصادية، واللي مش هايحصل إلا بالتعليم، والتعليم يجب أن يكون فرنسيا، ولذلك هاننشئ 200 مدرسة في تونس لتوطيد هذا الاتجاه. السلطة تملك تعميم اللغة ونشرها بالطبع.

تبادرت أسئلة كثيرة حول “هل اللغة العامية هي لغة أم مجرد لهجة”، وتجيب عنها د. مديحة قائلة: اللغة هي لهجة ذات أسطول كبير من القواعد والنحو والاعتراف الرسمي والمجتمعي، يعني تبقى بتمثل كلام السلطة، وطول ما فيه اعتراف، بمعنى إنك مش هاتلاقي كتب نحو توصفها، أو قاموس.. كلمة زي “مش شفت” جاية من الشرقية ولم تمنعها الحدود لتصل إلى القاهرة، لكن ليس لها قاعدة بالطبع.

البيزنس له سلطة طبعا على اللغة، الشركات الفرنسية العاملة في مصر تتطلب شبابا يعرفون الفرنسية ويجيدونها، وبالتالي يفرضون سلطة لغتهم على الغير، كذلك الحال في الهيمنة الأمريكية باللغة على العالم كله.

يقفز سؤال على لسان إحدى المشاركات في السيمنار، حول إمكانية حل إشكالات اللغة على مستوى “الوطن العربي”، فتقول “دوس”: إحنا منقدرش نحل مشاكل الوطني العربي لا لغويا ولا اقتصاديا ولا سياسيا، اللغة العربية ميهمنة بتخدم وتخص عوالم من الشرق والغرب، يوم ما تحب تعمل حاجة ف لغتك يجب أن تتفاعل مع العامية المصرية، طب انا اعمل ايه في التوانسة مثلا اللي بيتكلموا هجين بين العربية العامية والفرنسية؟ لذلك هناك أهمية للاشتغال على الذات، لأن لازم تهتم بشئونك ومش هاتعرف تهتم بغير شئونك، لو خليناها على المستوى العربي كله يبقى صعب إن مكانش مستحيل. أـكيد تونس لما بتعمل قواميس مش بتشوف مصر هاترضى عن القاموس ده أم لا.

كذلك الحال فيما يخص ما يسمى بالحقبة القومية، مع احترامي لها إنما مفيش حاجة اسمها نحل مشاكل الوطن العربي كله في وقت واحد، وتنتطلق جميع هذه الحلول من مصر.. ده كلام غير علمي وبالتالي غير مجدي.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s