كيف تعرض كتابا؟ دليل للاشتباك مع الكتب وأفكارها عبر القراءة الناقدة

كتب – عمرو خيري

هذا المقال ليس أكثر من محاولة للتفكير في كيفية كتابة عروض الكتب الفعالة بما يقدم إضافة إلى مجال العلوم الاجتماعية، أو إضافة إلى “التفكير” في الشأن العام، دون أي زعم بأن هذه المحاولة هي الأسلوب الفعال الوحيد، وقد تختلف معها أو تراها بعيدة كل البُعد عن الصواب.

هو اجتهاد لا أكثر.

من وظائف الكتاب أن يكون وسيطاً لتقديم معلومات و/أو تكثيف أفكار وتوجيهها في مسارات بعينها. الكتاب الجيد يساهم في فهم قضية مركزية يتبناها، لكن لا مانع أيضاً أن يتناول الكتاب مجموعة قضايا أو أن يكون في الأصل مجموعة منفصلة، أو بينها صلات، من المقالات.

هذا طبعاً تعريف قاصر لوظيفة الكتاب، لكن لنقبله تجاوزاً لأنه – التعريف – يسير جنباً إلى جنب مع “وصفة” عرض الكتب التي أقدمها.. على النحو التالي.

عرض الكتاب الفّعال ربما لا يزيد بأي حال من الأحوال عن 2000 كلمة. فيما يلي خطوات مُمكنة لتنظيم عرض أي كتاب.

أولاً: تقديم الفكرة أو المقولة أو الفرضية الأساسية للكتاب.. وليس تلخيصه
الهدف من عرض أي كتاب ليس تلخيصه. فالكتاب موجود ويمكن لأي أحد الاطلاع عليه. التلخيص ليس بالإضافة المهمة. قد تكون نقطة الانطلاق في عرض الكتاب هي تقديم “مقولته الأساسية” أو مجموعة مقولاته الأساسية فيما لا يزيد عن فقرة. هي فقرة شديدة التكثيف. لنأخذ مثالاً عن “تلخيص المقولة الأساسية” من عرض لكتاب لاثنين من المفكرين المعاصرين، أعده أستاذ علوم سياسية:

في “حالة/دولة الأزمة” [اسم الكتاب] يطرح زيجمونت باومان وكارلو بوردوني فكرة أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي نواجهها – وخمول رد الفعل الحكومي تجاهها – ليست أزمات مؤقتة إنما هي عميقة ودائمة. يطرحان فرضيتهما هذه مصحوبة بتحليل قوي لفكرة الدولة وفكرة الحداثة وفكرة الديمقراطية في عالم معولم، حيث القوة الحقيقية – التي تكمن في تدفق رأس المال عالمياً – انفصلت عن السياسة، وتستمر في أداءاتها على المستويات الوطنية والمحلية.

في جملة واحدة طرح عارض الكتاب مقولة الكتاب الأساسية، فرضية الكاتبين. في أغلب الكُتب المعنية بالعلوم الاجتماعية يذكر المؤلف صراحة في المقدمة “فرضيته” أو السؤال الذي يمثل الخط الرئيسي للكتاب. في بعض الكتب، وفي الأدب مثلا، هذه “الخدمة” غير متوفرة لعارض الكتاب، وعليه البحث عنها بنفسه.

ثانياً: “الاشتباك” مع الكتاب في قراءة “ناقدة”
ربما تكمن الإضافة الأساسية التي تقدمها أثناء عرضك لأي كتاب في اشتباكك مع أفكاره (وليس مع مؤلِفه) بشكل “ناقد”، بناء على قراءة ناقدة، أو ما اتفق البعض على وصفه بـ critical reading.

القراءة الناقدة هي أعلى مستويات القراءة الممكنة، وتشير إلى تمكّن القارئ من “هضم” أفكار الكتاب إلى درجة تمكّنه من تطبيقها على مواقف أخرى غير مذكورة في الكتاب، أو أن تصبح جزءاً من وعي هذا القارئ ورؤيته للعالم، ولو حتى في “رفضه” لهذه الأفكار.

القراءة الناقدة هي التمكّن من التعليق على أفكار الكتاب المعني بشكل مُعمق متجاوز لمستوى الفكرة الظاهري الذي قد يصل إليه أي قارئ عابر. والقراءة الناقدة لكل عمل تختلف تماماً من قارئ إلى آخر.

لنأخذ مثالاً: قدّم الأكاديمي الكولومبي المعني بدراسات التنمية “أرتورو إسكوبار” كتاباً في منتصف التسعينيات عنوانه “مواجهة التنمية”. قرأه وعرضه وعلق عليه عدد من الكُتاب، منهم من رأى أنه تطبيق جديد لأدوات تحليل ميشيل فوكو، فأحال الكتاب إلى مرجعية فكرية ومنهجية أقدم و”أعلى” في رأيه. منهم من عرض انتقادات الكتاب اللاذعة لخطاب التنمية “الغربي” ومد الخيط على استقامته واقترح إعادة تطبيق مقولات الكتاب التفصيلية (موزعة على عدد من الفصول) على تطورات خطاب التنمية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية (2008) مثلاً، فبث دماء جديدة في أفكار الكتاب مع طرحه إمكانية “اختبار” أو “إعادة تطبيق” أدوات المؤلف التحليلية. منهم من رأى أن جوهر الكتاب هو سعيه الحثيث لتسليط الضوء على “التعدد” أو “التفكير خارج الصندوق” فأبرز رؤية الكاتب للعالم، ما يُسمى بالأونطولوجيا، مقترحاً تبني هذه الرؤية وتعميمها عند التفكير في مشكلات التنمية.

كل قراءة من هذه القراءات سليمة تماماً، واختلف معها المؤلف نفسه أو اتفق، فهذا لا يقلل من قيمة أي منها؛ لأن كل كتاب يصبح كُتباً بعدد من قرأه من الأفراد فتملكه و”هضمه” هضماً جيداً. هذا ما أقصده بالاشتباك مع الكتاب في “قراءة ناقدة”. فأنت عندما تشتبك مع الكتاب بطريقتك الخاصة تقول رأيك بشكل مفيد لقارئ عرضك للكتاب. العرض الجيد “إضافة” للمعرفة، يقدّم جديداً، لا تلخيص أو “خدمة” للقارئ.

ثالثاً: نطاق العرض.. الكتاب كله أو بعضه أو حتى فقرة واحدة منه!
قد يقف القارئ في بعض الكتب أمام فصل واحد من سبعة فصول مثلا، أو أمام بعض الصفحات أو حتى فقرة واحدة. قد يقف عند هذا الجزء من الكل ويعتبره أهم بكثير من الكتاب نفسه. أثناء عرض الكتاب، وبعد استعراض مقولات أو مقولة الكتاب الأساسية في تصدير العرض، قد تختار أن تشتبك بشكل “ناقد” مع هذا الجزء من الكل.

نعود إلى مثال “أرتورو إسكوبار”: في المقدمة، قدم المؤلف عدداً من السيناريوهات التي ساقها بصفتها “معلومات” أو تحليله لمعلومات بعينها. وقدم في المقدمة أيضاً مقترحاته للتعامل مع التحديات التي ساقها تحليله. قد تختار كعارض للكتاب أن تتوقف مثلا أمام المقدمة وتشتبك معها، مقسماً عرضك إلى استعراض لتحليل المؤلف ثم استعراضك وتقييمك لمقترحاته. قد تختار التركيز على تحليله (الاكتفاء باستعراض ما قدم من معلومات هو محض تلخيص، ربما ليس مفيداً) فقط، أو أن تشتبك مع مقترح واحد من مقترحاته وتحلل كيف تناول المؤلف هذا المقترح وطبقه في الفصول التالية، وهلم جرا. الاحتمالات كثيرة ولا أعتقد أن التحيز لنطاق عرض واحد دائماً مفيد لأحد.

رابعاً: الكتاب يفرض نفسه على عارضه
الكتاب محل العرض قد يشير لعارضه على اتجاه بعينه لكتابة العرض. مثلاً كتاب “كل 12 ثانية: الذبح الصناعي وسياسة الرؤية” استند إلى بحث ميداني أجراه باحث أنثروبولوجي تخفى في هيئة عامل ليعمل لعدد من الشهور في مذبح لإتمام مشروعه البحثي. عند عرضه، قررت عارضته تسليط الضوء على المؤلف نفسه قليلاً قبل الانتقال إلى أفكاره. وقررت أيضاً عرض تجربة شخصية تخصها كعارضة للكتاب، تتماس مع تجربة المؤلف خلال عمله الميداني في مذبح/مصنع لحوم. من هناك انتقلت إلى عرض مقولة الكتاب الأساسية “سياسة الرؤية”، وهي فكرة نظرية طوّرها المؤلف بناء على بحثه الميداني واعتبرها إضافته التحليلية والنظرية المهمة التي ساقها من خلال الكتاب، ولاحظت عارضة الكتاب هذا وقررت استعراض هذه الإضافة ليستفيد منها قراء عرضها.

وقد يكون الكتاب محل العرض مثلاً رواية تاريخية. قد يقرر عارضها الاشتباك مع رؤية المؤلف للحقبة التاريخية، أو أن ينطلق في عرضه من تحليل مؤرخين لهذه الحقبة التاريخية مع استعراض الصلات بين هذا التحليل وما تقدمه الرواية.

وربما كان الكتاب محل العرض مُراجعة من المؤلف لأفكاره في كتاب سابق، فيقرر عارض الكتاب الجديد عمل مقارنة ما بين هذه الأفكار وتلك.

وقد يكون الكتاب نصاً تعليمياً، كاستعراض واف لنظرية أو حقل معرفي أو أداة منهجية ما، فيقرر عارض الكتاب تسليط الضوء بشكل متوازن على جميع أو أغلب فصول الكتاب نظراً لقيمتها المعرفية، أو الفصول المتصلة بحقل معرفي يهمّ عارض الكتاب أو يعرف عنه الكثير (مثال: كتاب عن مناهج بحث تحليل الخطاب، يستعرض بشكل وافٍ أربعة مناهج. المناهج الثلاثة الأولى مُتصلة بعلم الاجتماع، لكن المنهج الرابع متصل بعلم النفس، فيقرر عارض الكتاب – وهو مثلاً باحث علم اجتماع – تجاهل المنهج الرابع المُقدم في الكتاب).

خلاصة ما سبق: عرض الكتب حرية. اختر كما تشاء واعرض ما تشاء من الكتاب وعنه، لكن ربما كانت القاعدة الوحيدة هي الاشتباك بقراءة ناقدة مع العمل، لا تلخيصه “من بعيد لبعيد”.

عرض الكتاب الجيد “إضافة” للمعرفة.. يقدّم جديداً، لا تلخيص أو “خدمة” للقارئ.

ستجد هنا عروضاً لكتب، بعضها صاب وبعضها خاب في تقديم إضافة للمعرفة.. أنت وتقديرك!

Advertisements

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s