لسنا خائفين: “كلهم شارلي” بكل مجدها الكولونيالي النرجسي

تناقص الديمقراطية والتسامح والالتزام بحرية التعبير في المجتمعات الغربية

كتب – غسان حاج – موقع Medium وموقع Critical Legal Thinking
ترجمة – عمرو خيري

كانت هناك علاقة وثيقة بين السخرية satire والعلمانية مع ظهور العلمانية في أوروبا. العلمانية، كما هو معروف، اكتسبت قوتها تاريخياً كرد فعل على عهد العنف والمذابح الأوروبية الدينية. لم تكن مجرد رغبة في فصل الكنيسة عن الدولة كما ورد في المعادلة الكلاسيكية عن العلمانية، إنما كانت أيضاً محاولة لإبعاد العواطف الدينية عن السياسة. تمثل فيها الاعتقاد بأن الدين – لأنه إيمان وليس تفكير منطقي – أنتج الكثير من المشاعر النرجسية: الاعتقاد غير القادر على “البقاء على مسافة” من المُعتَقد. قيل إن هذه النرجسية تكمن وراء الشدّة القاتلة للنزاعات التي يحركها الدين. القدرة على الضحك على نفسك تعني حرفياً قدرتك على ألا تتعامل مع نفسك بجدية زائدة، وهو شيء مهم بدوره لأمرين: أ) تخفيف حدة المشاعر المتولدة عن الدفاع عما يؤمن به المرء،  و ب) “تنسيب” معتقدات المرء الشخصية، والتي كما قال كلود ليفي-شتراوس، مسألة مهمة لتفكير المرء في نفسه مقارنة وعلى صلة بالآخرين (النقيض من النرجسية).

لا شك أن الأصوليين الإسلامويين في الوقت الحالي يمثلون أسوأ ما في النزعات النرجسية المعاصرة. ينظرون إلى تاريخ الاستعمار والعلاقة بين الغرب المسيحي المُستعمِر والعالم الإسلامي المُستَعمَر ويفكرون، وهم على حق، في أن العالم الكولونيالي عقد معهم صفقة خاسرة، إذ أصبحوا ضحايا له ويُعاملون معاملة حقيرة. وهذا كما يرون على الرغم من عظمة حضارتهم. من ثم، يرون أنهم لا يدينون للعالم غير الإسلامي بأي شيء. إنهم مغموسون في إسلامهم تماماً، ويأخذونه بجدية زائدة ومفرطة، ويدافعون عنه بنفس الطريقة الدينية النرجسية القاتلة التي خرجت العلمانية أصلاً لتواجهها بإبعادنا نحن الغربيين عنها.

وهكذا وعلى السطح يبدو وكأن شارلي إبدو والناس المؤيدين لـ “أنا شارلي” يدخلون في هذا الصراع الموصوف ضد الأصوليين الإسلامويين. للأسف ليس هذا صحيحاً. وعندما أقول “للأسف” فأنا أقصدها. مثل الكثير ممن تلقوا تعليماً فرنسياً، نشأت على فن الكاريكاتير وفكاهات كابو وفولينسكي التي كانت جزءاً من أبجدية حسي بالدعابة المكتسب اجتماعياً. ومن ثم، ومن منطلق العاطفة، فإن جزءاً مني يريد أن يقول “أنا شارلي”، مثل البعض من أقاربي المقربين الذين هم يعانون من الإسلاموفوبيا بشدة ويؤيدون إسرائيل ويميلون لليمين. إنهم جزء من تاريخي وما زلت أحبهم وأحب العودة للتوحد بهم. لقد حطمتني أعمال القتل هذه بشدة، لذا فإن جزءاً مني يريد أن يؤمن بأن قول “أنا شارلي” لا يعني الاتفاق معهم في الرأي إنما يعني الدفاع عن المساحة التي كتبوا منها. لكن، ومرة أخرى للأسف، لا أعتقد أن هذه المساحة هي ما تبدو عليه.

يجدر بالتذكر أن العلمانيين/الساخرين إذا كانوا محقين بشأن طبيعة الهوية السياسية الدينية والمشاعر السياسية الدينية وقت الحروب الدينية الأوروبية، فهم مخطئون في التفكير بأن هذه المشاعر غير العقلانية القاتلة كانت ضرورية أو مرتبطة بالدين حصراً. كما تُظهر “تواريخ” القومية والكولونيالية في غرب أوروبا – وتحديداً تواريخ الفاشية – فإن المعتقدات من قبيل “نحن فوق الجميع، قتلة، لنتعامل مع آرائنا بجدية مفرطة” يمكن أن تتولد بسهولة من واقع جميع أشكال الإحساس بالتميز المجتمعي. هذه الفرضية صحيحة أيضاً عندما تصبح “العلمانية الديمقراطية” و”السخرية” في حد ذاتها شكلاً “جاداً” من أشكال التميز المجتمعي القضيبي.

الحق أن “الديمقراطية” و”التسامح” و”حرية التعبير” يمكن أن تصبح جميعاً وبشكل متزايد في العالم الغربي نوعاً من أنواع الاستراتيجيات الراديكالية للتميز القضيبي الذي يأتي في مراحل سقوط الإمبراطوريات. هذه هي الأفكار التي يطلقها الغربيون في وجه المسلمين المتعصبين ليقولوا لهم: انظروا ماذا لدينا ولا يوجد عندكم، أو على أحسن تقدير، فإن ما عندكم منه صغير جداً مقارنة بحجمه عندنا. وهنا في الوقت نفسه تصبح المجتمعات الغربية أقل ديمقراطية وتسامحاً والتزاماً بحرية التعبير.

يمكن قول الشيء نفسه عن “السخرية”. هنا وياللعجب فإن “السخرية” التي كانت تحديداً كما قلت أعلاه، وسيلة ينأى بها المرء عن نفسه لكي يفكر بشكل نسبي وعقلاني في نفسه، تصبح الوسيلة التي تنتج النرجسية الغربية التي تستهدف جعل المرء مادة لرغبته في زمن انحطاط. إن دعابات شارلي إبدو بتجاهلها التام للتواريخ الكولونيالية وعلاقات القوة التي تصرف في قنواتها سخريتها هي مثال نموذجي على هذه النرجسية القضيبية: نحن مضحكون للغاية لدرجة أن “السخرية” و”الإضحاك” هي هويتنا. وأنتم أيها المخابيل الذين لا يمكنكم فهم دعابة لا تعرفون حتى معنى السخرية ومعنى الإضحاك. للأسف، الأمر هكذا من هذا المنطلق لدرجة أن المدافعين الشجعان عن حرية التعبير المتجمعين في شتى أنحاء العالم الغربي وهم يرفعون لافتة “أنا شارلي” محقون تماماً. الحق أن “كلهم شارلي” بكل ألقها الكولونيالي النرجسي. في غيبة تامة عن الواقع الذي يوجد فيه الآخر المسلم حالياً لدرجة أنهم يثبتون شجاعتهم إذ يعلنون أنهم على النقيض من الناس المسلمين في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا وفلسطين الذين قُتلوا بالآلاف باستخدام جملة من التقنيات والوسائل، فهم – الذين هاجمهم ثلاثة مسلحين – ينظرون بكل بطولة للقتلة في أعينهم ويقولون لهم بثبات ورباطة جأش: أنهم “ليسوا خائفين”.

غسان حاج – أستاذ الأنثروبولوجيا والنظرية الاجتماعية في جامعة ميلبورن.

فكرة واحدة على ”لسنا خائفين: “كلهم شارلي” بكل مجدها الكولونيالي النرجسي

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s