لوي ألتوسير: الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية (الجزء 1 من 2)

لوي ألتوسير
الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية
(ملاحظات نحو تحقيق)

ترجمة – عمرو خيري. نقلاً عن الترجمة الإنجليزية لـ بين بريوستر. المصدر: “لينين والفلسفة ومقالات أخرى”، 1971. نُشر هذا المقال للمرة الأولى في عام 1970.

عن إعادة إنتاج ظروف الإنتاج[1]

 عليّ الآن أن أكشف بشكل أكثر استفاضة عن شيءٍ مر مرور الكرام في تحليلي عندما تحدثت عن ضرورة تجديد وسائل الإنتاج means of production  إذا كان المطلوب هو التمكين من الإنتاج. كانت تلك ملاحظة عابرة، وسوف أتناولها الآن في حد ذاتها.

كما قال ماركس، فإن كل طفل يعرف أن التكوين الاجتماعي social formation الذي لا يعيد إنتاج ظروف الإنتاج conditions of production وقت إنتاجه، لن يدوم عاماً.[2] من ثم فإن الشرط الجوهري للإنتاج هو إعادة إنتاج ظروف الإنتاج. قد تكون إعادة الإنتاج هذه “بسيطة” (إعادة إنتاج ظروف الإنتاج السابقة كما كانت بالضبط) أو “على نطاق موسع” (توسيع ظروف الإنتاج). دعونا نتجاهل هذا التمييز الأخير للحظة.

ما هي إذن إعادة إنتاج ظروف الإنتاج؟

نحن هنا ندخل مجالاً مألوفاً للغاية (منذ صدور رأس المال المجلد الثاني) وهو في الوقت نفسه يتم تجاهله تماماً. إن الوضوح التام (الوضوح الإيديولوجي من نوع إمبريقي) لوجهة نظر الإنتاج وحدها، أو حتى وجهة نظر الممارسة الإنتاجية (هي في حد ذاتها مجردة في علاقتها بعملية الإنتاج) هو وضوحٌ مدمجٌ بـ “وعينا” اليومي لدرجة أنه من الصعب للغاية – إن لم يكن مستحيلاً – أن يرقى المرء فوق مستوى وجهة نظر إعادة الإنتاج. ولكن، كل شيء خارج وجهة النظر هذه يبقى مجرداً (أسوأ حتى من كونه أحادي الرؤية: مشوه)، حتى على مستوى الإنتاج، بل وحتى على مستوى محض الممارسة.

دعونا نحاول فحص المسألة بشكل منهجي.

تبسيطاً لطرحي، وافتراضاً بأن كل تكوين اجتماعي ينشأ من قالب مهيمن للإنتاج؛ يمكنني القول بأن عملية الإنتاج تحرّك قوى الإنتاج القائمة داخل وبموجب علاقات مُعَرّفة للإنتاج.

يستتبع ذلك أنه ولكي يتواجد أي تكوين اجتماعي، فلابد من أن يعيد إنتاج ظروف إنتاجه في الوقت الذي يُنتِج فيه، ومن أجل أن يتمكن من الإنتاج. من ثم فلابد أن يعيد إنتاج:

1-القوى المُنتجة.
2-علاقات الإنتاج القائمة.

إعادة إنتاج وسائل الإنتاج

الكُل يعرف الآن (بمن فيهم الاقتصاديون البرجوازيون الذين لا يزيد عملهم عن كونه “محاسبات وطنية” أو لا يعدون كونهم “منظرين” للاقتصاد الكبير المعاصر) – بفضل إثبات ماركس الدامغ في المجلد الثاني من رأس المال – أنه لا يمكن أن يحدث إنتاج لا يسمح بإعادة إنتاج الظروف المادية للإنتاج: إعادة إنتاج وسائل الإنتاج.

أخصائي الاقتصاد العاديّ، الذي لا يختلف عن الرأسمالي العادي، يعرف أن من الضروري كل عام تحديد المطلوب استبداله مما تم استهلاكه أو بُلي أثناء عملية الإنتاج: المواد الخام، التركيبات الثابتة (المباني)، أدوات الإنتاج (الآلات)، إلخ. أقول إن الاقتصادي العادي = الرأسمالي العادي لأن كليهما يعبران عن وجهة نظر المؤسسة، إذ يرى كل منهما أن من الكافي مجرد تقديم التعليق على شروط وأحوال ممارسات المحاسبة المالية الخاصة بالمؤسسة.

لكن بفضل عبقرية كويسناي الذي طرح قبل الآخرين هذه المشكلة “البيّنة”، وبفضل عبقرية ماركس الذي قام بحلّها؛ أصبحنا نعرف أن إعادة إنتاج الظروف المادية للإنتاج هي مسألة لا يمكن التفكير فيها على مستوى المؤسسة، لأن لا وجود على هذا المستوى لظروفها الحقيقية. ما يحدث على مستوى المؤسسة هو عَرَض، يعطي فكرة لا أكثر عن ضرورة إعادة الإنتاج، لكن يخفق تماماً في السماح بالتفكير في ظروف وآليات إعادة الإنتاج.

لحظة من التأمل كافية للاقتناع بالمذكور: السيد س، رأسمالي ينتج الصوف في مصنعه، عليه “إعادة إنتاج” المواد الخام، والآلات، إلخ. لكنه لا ينتجها بنفسه لنفسه، إنما ينتجها رأسماليون آخرون: مزارع خراف أسترالي، هو السيد ص، ومهندس يُنتج الآلات-الأدوات، هو السيد ع، وهكذا. السيدان ص و ع لكي ينتجا تلك المنتجات التي هي ظرف إعادة إنتاج ظروف إنتاج السيد س، عليهما أيضاً إعادة إنتاج ظروف إنتاجهما، وهكذا إلى ما لا نهاية.. بحيث أنه على المستوى القُطري بل وحتى على مستوى السوق العالمي، يمكن للعرض أن يغطي الطلب على وسائل الإنتاج (لأجل إعادة الإنتاج).

من أجل التفكير في هذه الآلية، التي تؤدي إلى “سلسلة لا نهائية”، فمن الضروري اتباع الإجراء “العالمي” الذي وضعه ماركس، وتحديداً دراسة علاقات حركة رأس المال بين القسم I (إنتاج وسائل الإنتاج) والقسم II (إنتاج وسائل الاستهلاك)، وتحقيق فائض القيمة، في رأس المال، المجلد 2 والمجلد 3.

لن ندخل في تحليل هذا السؤال. يكفي أننا ذكرنا وجود ضرورة إعادة الإنتاج للظروف المادية للإنتاج.

إعادة إنتاج قوة العمل

إلا أن القارئ لم يفته أن يلاحظ ما يلي: لقد ناقشنا إعادة إنتاج وسائل الإنتاج، لكن لم نناقش إعادة إنتاج القوى المُنتجة productive forces. من ثم تجاهلنا إعادة إنتاج ما يميز “القوى المنتجة” عن “وسائل الإنتاج”، ألا وهو “إعادة إنتاج قوة العمل”.

من الملاحظة الخاصة بما يحدث على مستوى المؤسسة، لا سيما من فحص لممارسات المحاسبة المالية التي تتنبأ بالإنفاق والاستثمار؛ تمكّنا من الوصول إلى فكرة تقريبية عن وجود عملية مادية لإعادة الإنتاج، لكننا ندخل الآن مجالاً تعمى عنه بشكل شبه كامل – وربما تعمى عنه تماماً – إذا رصدت ما يحدث على مستوى المؤسسة فحسب، والسبب وجيه: إعادة إنتاج قوة العمل تحدث بالكامل خارج المؤسسة.

كيف يتم ضمان إعادة إنتاج قوة العمل؟

يتم ضمان إعادة إنتاجها من خلال منح قوة العمل الوسائل المادية اللازمة لإعادة إنتاج نفسها: الرواتب. الرواتب تظهر في حسابات كل مؤسسة، لكن بصفتها “رأس مال الرواتب”[3]، وليس على الإطلاق بصفة ظرف لإعادة الإنتاج المادي لقوة العمل.

لكن، هكذا “تسير” الأمور في الواقع، بما أن الرواتب تمثل جزءاً لا أكثر من القيمة المُنتَجَة مقابل الإنفاق على قوة العمل التي لا غنى عنها لإعادة إنتاجها: لا غنى عنها لإعادة تشكيل قوة عمل كاسبي الأجور (ضرورة دفع أجرة السكن، الغذاء، الملبس، إجمالاً لتمكين كاسب الأجر من الذهاب في اليوم التالي إلى بوابة المصنع، وكل الأيام التالية التي يمنحها إياه الرب)، وعلينا أن نضيف: لا غنى عنها لتنشئة وتعليم الأطفال الذين يعيد البروليتاري إنتاج نفسه فيهم (حيث ن = 0، 1، 2، إلخ…) كقوة عمل.

تذكّر أن هذه الكمية من القيمة (الأجور) الضرورية لإعادة إنتاج قوة العمل تتحدد لا على أساس احتياجات “حد أدنى مضمون للأجر” من منطلق “بيولوجي” فقط، إنما أيضاً من واقع احتياجات الحد الأدنى التاريخي (أشار ماركس إلى أن العامل الإنجليزي يحتاج البيرة بينما البروليتاريا الفرنسية يحتاجون النبيذ). بمعنى آخر: الحد الأدنى التاريخي المتغير.

كما أود أن أشير لأن هذا الحد الأدنى تاريخي بصفة مزدوجة بما أنه لا يُعرّف من واقع الاحتياجات التاريخية للطبقة العاملة التي “اعترفت” بها طبقة الرأسمالية، إنما من واقع الاحتياجات التاريخية التي فرضها النضال الطبقي للبروليتاريا (نضال طبقي مزدوج: ضد إطالة ساعات يوم العمل، وضد تقليص الأجور).

ولكن، لا يكفي ضمان الظروف المادية التي تعيد قوة العمل إنتاج نفسها بها إذا كان المُراد هو أن تتم إعادة إنتاجها كقوة عمل. قلت إن قوة العمل المتوفرة يجب أن تكون “كفؤة” بمعنى أن تكون مناسبة للجاهزية للعمل في نظام عملية الإنتاج المعقدة. إن تطور القوى المُنتجة ونوع الوحدة التي تشكل – تاريخياً – القوى المُنتجة في لحظة بعينها، تنتج النتيجة الممثلة في ضرورة أن تكون قوة العمل ماهرة (ومتنوعة المهارات) ومن ثم يُعاد إنتاجها من هذا المُنطلق. متنوعة: طبقاً لمتطلبات التقسيم الاجتماعي-التقني socio-technical للعمل، بـ”وظائفه” و”تكليفاته” المختلفة.

كيف تتوفر إعادة الإنتاج للمهارات (المتنوعة) لقوة العمل هذه في النظام الرأسمالي؟ هنا، وعلى النقيض من التكوينات الاجتماعية التي اتسمت بها عمليات العبودية أو اتخاذ الأقنان، فإن إعادة الإنتاج هذه لمهارات قوة العمل تنزع (هذا قانون نزوعي) بشكل متناقص لأن تتوفر “جاهزة” (التمرّن داخل الإنتاج ذاته)، وتنزع للتحقق بشكل أكبر خارج الإنتاج ذاته: بواسطة نظام التعليم الرأسمالي، ومن خلال تحققات instances أخرى ومؤسسات أخرى.

ماذا يتعلم الأطفال في المدرسة؟ يقطعون مسافات متفاوتة في دراساتهم، لكن يتعلمون على كل حال كيفية القراءة والكتابة والحساب – أي عدد من الفنيات وعدد من الأشياء الأخرى بالإضافة إلى تلك الفنيات، تشمل عناصر (قد تكون أوّلية أو – على النقيض – مستفيضة) من “[النطاق] العلمي” أو “الثقافة الأدبية”، تكون مفيدة فائدة مباشرة في مختلف الوظائف في مجال الإنتاج (تعليم معيّن للعمال اليدويين، وآخر للفنيين/التقنيين، وثالث للمهندسين، وتعليم أخير للإدارة العليا، إلخ). وهكذا، يتعلمون “الكيفية” know-how.

لكن إلى جانب هذه التقنيات techniques والمعارف، وفي معرض تعلّمها، يتعلم الأطفال في المدرسة أيضاً “قواعد” السلوك الحميد، أي السلوك الذي يجب أن يراعيه كل عنصر في تقسيم العمل، بحسب الوظيفة “المقدّرة” له: قواعد للأخلاق، التمدن، الضمير المهني، هي في واقع الأمر قواعد احترام للتقسيم الاجتماعي-التقني للعمل، وفي نهاية المطاف قواعد للنظام المؤسس من واقع الهيمنة الطبقية class domination.

كذلك يتعلمون “تحدث الفرنسية السليمة”، يتعلمون “معاملة” العمال بالشكل الصحيح، أي يتعلمون في واقع الأمر (بالنسبة للرأسماليين المستقبليين وخدمهم) “كيف يأمرونهم بفعل هذا وذاك” على النحو السليم، أو (السبيل المثالي) “للحديث إليهم” بالشكل الصحيح، وهلم جرا.

لأعيد قول المذكور أعلاه بشكل أكثر علمية، فسوف أقول إن إعادة إنتاج قوة العمل لا تتطلب فحسب إعادة إنتاج مهاراتها (أي مهارات قوة العمل)، إنما أيضاً وفي الوقت نفسه فهي تتطلب إعادة إنتاج خضوعها لقواعد النظام الراسخ، أي إعادة إنتاج خضوع العمال للأيديولوجيا الحاكمة وإعادة إنتاج القدرة على استغلال الأيديولوجيا الحاكمة بالشكل الصحيح، من قِبل عملاء الاستغلال والقمع، بحيث يسهمون بدورهم في هيمنة الطبقة الحاكمة “في كلمات”.

بمعنى آخر، فإن المدرسة (وأيضاً مؤسسات الدولة مثل الكنيسة والأجهزة الأخرى كالجيش) تعلّم “الكيفية know-how”، لكن في أشكال/قوالب forms تضمن الخضوع للأيديولوجيا الحاكمة أو التمكّن mastery من “ممارستها”. كل عملاء الإنتاج والاستغلال والقمع، ناهيك عن “محترفو الأيديولوجيا” (ماركس)، عليهم بشكل أو بآخر أن “يتم تطويعهم/تشكيلهم” في هذه الأيديولوجيا من أجل الاضطلاع بمهامهم “بإمعان” conscientiously؛ وهي مهام المُستَغَل (البروليتاريا)، والمُستغِل (الرأسماليون)، مهام أعوان المُستغِلين (المدراء)، أو كبار كهنة الأيديولوجيا الحاكمة (“من يحققونها ممارسةً functionaries”)، إلخ.

من ثم تكشف إعادة إنتاج قوة العمل شرطها الذي لا مناص منه sine qua non، بصفته [أي الشرط] ليس فحسب إعادة إنتاج “مهارات” [قوة العمل]، إنما أيضاً إعادة إنتاج خضوعها [أي خضوع قوة العمل] للأيديولوجيا الحاكمة أو لـ “ممارسة” تلك الأيديولوجيا، مع الاشتراط بأنه لا يكفي قول “ليس فقط بل أيضاً”، إذ أن من الواضح أن في أشكال/قوالب وتحت أشكال/قوالب الإخضاع الأيديولوجيا يتم الإمداد بإعادة إنتاج مهارات قوة العمل.

لكن ها هنا يتكشَّف الوجود الفاعل لحقيقة جديدة: الأيديولوجيا.

عندي هنا تعليقين.

الأول هو اختتام تحليلي لإعادة الإنتاج.

لقد قدّمت للتو مسحاً سريعاً لأشكال/قوالب إعادة إنتاج القوى المُنتجة، أي وسائل الإنتاج على جانب، وقوة الإنتاج على الجانب الآخر.

لكني لم أقترب بعد من سؤال إعادة إنتاج علاقات الإنتاج. هذا سؤال مهم أيما أهمية في النظرية الماركسية لأنماط الإنتاج modes of production. أن ندعه يمر [أي السؤال] مرور الكرام فهذا حذف نظري، بل والأدهى يعتبر خطأ سياسياً جسيماً.

ولهذا فسوف أناقشه. لكن من أجل التوصل لسبل مناقشته؛ فسوف أضطر للجوء إلى التفافة أخرى طويلة.

التعليق الثاني هو أن من أجل عمل هذه الالتفافة، فأنا مُلزم بإعادة طرح سؤالي القديم: ما هو المجتمع؟

البنية التحتية والبنية الفوقية

لقد صممت في عدة مناسبات[4] على السمة الثورية للنحت المفاهيمي الماركسي لـ “الكل الاجتماعي social whole” من حيث أنه مفهوم مميز عن “الكلية totality” الهيجيلية. قلت (وهذه الفرضية لا تزيد عن تكرار أطروحات المادية الجدلية) أن ماركس تصوّر بنية كل مجتمع بصفتها مكوّنة من “مستويات” أو “تحققات instances” تنتظم في تصميم معيّن: البنية التحتية أو القاعدة الاقتصادية (“وحدة” القوى المُنتجة وعلاقات الإنتاج)، والبنية الفوقية، وهي في حد ذاتها تحتوي على “مستويين” أو “تحققين”: السياسي-القانوني (القانون و”الدولة”) والأيديولوجيا (مختلف الأيديولوجيات، الديني، الأخلاقي، القانوني، السياسي، إلخ).

إلى جوار ما يتسم به هذا التمثيل من اهتمام نظري-مبادئي (يكشف الفارق بين ماركس وهيجل)، فإن له المزايا النظرية المهمة التالية: يمكّن من أن ينقش في التكوينات النظرية لمفاهيمه الأساسية ما أسميته مؤشرات الفعالية على تواليها. ما معنى هذا؟

من السهل رؤية أن هذا التمثيل لبناء كل مجتمع وكأنه “هيكل” يحتوي على قاعدة (بنية تحتية) يُنصب فوقها “طابقيّ” البنية الفوقية، بصفته مجاز، وتوخياً للدقة التامة، فهو مجاز فراغي، هو مجاز لطبوغرافيا.[5] ومثل كل مجاز، فهذا المجاز يقترح شيئاً؛ يجعل شيئاً ما منظوراً. ما هو؟ ما يلي بالتحديد: أن الطوابق العليا لا يمكن أن “تبقى بالأعلى” (في الهواء) وحدها، إذا لم تسترح تماماً على قاعدتها.

من ثم فإن الغرض من مجاز “التكوين” هذا هو تمثيل – قبل أي شيء – كيف أن القاعدة الاقتصادية “هي المُحدِد في التحليل الأخير”. محصلة هذا المجاز الفراغي هو منح القاعدة مؤشر للفاعلية effectivity معروف بمسميات شهيرة: التحديد – في التحليل الأخير – لما يحدث في “الطوابق” العليا (في البنية الفوقية) من منطلق ما يحدث في القاعدة الاقتصادية.

نظراً لمؤشر الفاعلية هذا “في التحليل الأخير” فإن “طوابق” البنية الفوقية تحظى بمؤشرات فاعلية مختلفة. أي نوع من المؤشرات؟

من الممكن القول بأن طوابق البنية الفوقية ليست مُحددة [لما هو غيرها] في التحليل الأخير، إنما أنها تُحدد من واقع فاعلية القاعدة؛ إذا كانت مُحدِدة (لم نعرف هذا بعد) بطريقتها الخاصة بها. هذا صحيح فقط بدرجة تَحديد القاعدة لها.

مؤشر فاعليتها (أو تحديدها)، كما يتحدد من قِبل التحديد في التحليل الأخير للقاعدة، هو من خلال التقاليد الماركسية، بطريقتين: (1) هناك “استقلال ذاتي نسبي” للبنية الفوقية فيما يخص القاعدة؛ (2) هناك “فعل متبادل” للبنية الفوقية على القاعدة.

من ثم، يمكننا القول بأن الميزة النظرية العظمى للطبوغرافيا الماركسية، أي المجاز الفراغي “للتكوين” (القاعدة والبنية الفوقية) هي في الوقت نفسه أنها تكشف عن أسئلة التحديد (أو مؤشر الفاعلية) كونها مهمة لدرجة قصوى؛ أي أنها تكشف أنها القاعدة التي تحدد في التحليل الأخير “التكوين” كاملاً، ومن ثم وبالتبعية، فهذا يُلزمنا بطرح المشكلة النظرية الخاصة بأنواع الفاعلية “المشتقة” المقتصرة حصراً على البنية الفوقية؛ أي يُلزمنا بالتفكير فيما تصفه التقاليد الماركسية بالاستقلال الذاتي النسبي للبنية الفوقية والفعل المتبادل بين البنية الفوقية والقاعدة.

إن أكبر عيب في هذا التمثيل representation لبناء كل مجتمع من المجتمعات من منطلق المجاز الفراغي للتكوين، هو وبوضوح حقيقة أنه محض مجاز: أي لا يزيد عن كونه وصفياً.

يبدو لي الآن أنه من الممكن ومن المرغوب تمثيل الأشياء بطريقة مختلفة. ملحوظة: لا أعني بهذا أنني أريد رفض المجاز الكلاسيكي، إذ أن المجاز نفسه يطالبنا بأن نتجاوزه. ولن أتجاوزه من أجل رفضه رفضاً نهائياً. الأمر ببساطة أنني أريد أن أحاول التفكير فيما يعطينا إياه من “وصف”.

أعتقد أن من الممكن، ومن الضروري، التفكير فيما يميز ضروريات وجود البنية الفوقية وطبيعتها على أساس من إعادة الإنتاج. ما إن يعتمد المرء وجهة نظر إعادة الإنتاج، تتسلط الأضواء فوراً على العديد من الأسئلة التي كان وجودها مستنبطاً من المجاز الفراغي “للتكوين” ولم يكن بالإمكان تقديم إجابات مفاهيمية عليها.

فرضيتي الأساسية هي أنه من غير الممكن طرح هذه الأسئلة (ومن ثم الإجابة عليها) إلا من وجهة نظر إعادة الإنتاج.

سوف أقدم تحليلاً موجزاً لـ “القانون” و”الدولة” و”الأيديولوجية” من وجهة النظر هذه. وسوف أكشف عمّا يحدث من وجهة نظر الممارسة والإنتاج على جانب، ومن وجهة نظر إعادة الإنتاج على الجانب الآخر.

الدولة

التقاليد الماركسية صارمة ها هنا: في المانيفيستو الشيوعي وفي الثامن عشر من برومير (وفي النصوص الكلاسيكية اللاحقة، أهمها كتابات ماركس عن كوميونة باريس ولينين عن الدولة والثورة) فإن الدولة يُنظر إليها صراحة كجهاز قمعي. الدولة “آلة” القمع، التي تمكّن الطبقات الحاكمة (كانت الطبقة البرجوازية في القرن التاسع عشر و”طبقة” كبار الملاك) من ضمان هيمنتها على الطبقة العاملة، بما يمكّن الأولى من إخضاع الثانية لعملية ابتزاز فائض القيمة (أي الاستغلال الرأسمالي).

من ثم فإن الدولة قبل أي شيء هي ما وصفته الكلاسيكيات الماركسية بـ جهاز الدولة. هذا المصطلح يعني: ليست فقط جهازاً متخصصاً (بالمعنى الضيق) الذي أقررت بوجوده وضروريته في صلته بمتطلبات الممارسة القانونية، أي الشرطة، المحاكم، السجون؛ إنما أيضاً الجيش والذي (دفعت البروليتاريا ثمن هذه التجربة بدمها) يتدخل بشكل مباشر كقوة قمعية تكميلية كحل أخير، عندما “تغلب الأحداث” الشرطة وقواتها المساعدة المتخصصة. ويوجد فوق هذا التركيب رأس الدولة، الحكومة والإدارة.

“النظرية” الماركسية-اللينينية الموجودة في هذا التشكيل/القالب “للدولة” وضعت يدها على النقطة الضرورية، ومن ثم لا يمكن للحظة التشكيك ورفض أن هذه الحقيقة هي النقطة الضرورية. “جهاز الدولة”، الذي يعرّف الدولة بصفتها قوة تنفيذ وتدخل قمعي “إحقاقاً لمصالح الطبقات الحاكمة” في الصراع الطبقي الذي أطرافه هم البرجوازية وحلفائها ضد البروليتاريا، هو وبشكل مؤكد “الدولة”، وبشكل مؤكد يعرّف [أي جهاز الدولة] “وظيفتها” الأساسية.

من النظرية الوصفية إلى النظرية في حد ذاتها

على ذلك، فهنا أيضاً كما أشرت فيما يخص مجاز “التكوين” (البنية التحتية والبنية الفوقية) فهذا التمثيل لطبيعة “الدولة” ما زال وصفياً بشكل جزئي.

كما طرأت عليّ أحياناً حالات استخدمت فيها هذه الكلمة (وصفية)، فلابد من كلمة توضيحية لإزالة أي غموض أو التباس.

أينما قلت – في معرض الحديث عن مجاز “التكوين” أو عن “النظرية” الماركسية للدولة – إن هذه مفاهيم وصفية أو تمثيلات لأعيانها، فلست هنا أتحدث من منطلق أي دوافع للنقد. على النقيض، فإنني عندي كل الأسباب للاعتقاد بأن الاكتشافات العلمية العظمى لا يسعها إلا أن تمر بمرحلة ما سوف أسميه “النظرية” الوصفية. هذه هي المرحلة الأولى لكل نظرية، على الأقل في المجال domain الذي يخصنا (أي مجال علم التكوينات الاجتماعية). من ثم، فمن الممكن للمرء – بل وعليه في رأيي – أن ينظر لهذه المرحلة بصفتها مرحلة انتقالية، لا غنى عنها من أجل تطور النظرية. كونها انتقالية فهذا أمر منحوت في تعبيري هذا: “نظرية وصفية”، تكشف في تشبيكاتها ما يعادل نوع من أنواع “التناقض”. الحق أن المصطلح نظرية “يتصادم” لحد ما مع المضاف إليه “وصفية” الذي ألحقته بكلمة نظرية. هذا يعني بكل دقة: (1) أن “النظرية الوصفية” هي في واقع الأمر ودون أي ظل من ظلال الشك، البداية التي لا عودة عنها للنظرية؛ لكن (2) أن القالب “الوصفي” الذي تُعرض فيه النظرية يتطلب – تحديداً كعَرَض لهذا “التناقض” – تطويراً للنظرية يتجاوز قالب “وصفية”.

دعوني أوضّح هذه النظرية أكثر بالعودة إلى قضيتنا الحالية: “الدولة”.

عندما أقول إن “النظرية” الماركسية الخاصة بالدولة المتوفرة لنا ما زالت “وصفية” جزئياً، فأنا أعني بهذا أولاً وقبل أي شيء أن هذه “النظرية” الوصفية بدون أدنى ظل من ظلال الشك هي بداية النظرية الماركسية عن الدولة، وأن هذه البداية تعطينا النقطة الضرورية؛ أي المبدأ الحاسم لكل تطور لاحق في النظرية.

سوف أعتبر أن النظرية الوصفية للدولة مسمى صحيح بما أنه من الممكن تماماً جعل الأغلبية العظمى من المجال المعنية به [الدولة] يماثل التعريف الذي تعطيه لموضوعها. أي أن تعريف الدولة كدولة طبقية، قائمة في “جهاز الدولة القمعي”، يلقي إضاءات عبقرية على جميع الحقائق المرصودة في مختلف أشكال القمع بغض النظر عن مجال كل من أشكال القمع هذه: من مذابح يونيو 1848 وكوميونة باريس، من الأحد الدامي، ومايو 1905 في بتروجراد، إلى المقاومة، وشاروني، إلخ، وإلى تدخلات “الرقابة” التي منعت مثلاً مسرحية جاتي عن فرانكو. إنها تلقي إضاءات على كل الأشكال المباشرة وغير مباشرة من الاستغلال والمذابح للجماهير (الحروب الإمبريالية)؛ تلقي إضاءات على تلك الهيمنة اليومية الماكرة المتخفية التي يمكن لمحها، في هيئة الديمقراطية السياسية مثلاً، ما وصفه لينين – كما فعل ماركس – بديكتاتورية البرجوازية.

لكن النظرية الوصفية للدولة تمثل مرحلة في تكوينها لنظرية تطالب في حد ذاتها بـ “تجاوز/الغلبة على” هذه المرحلة. إذ أن من الواضح أنه إذا كان التعريف المطروح يعطينا حقاً سبلاً للتعرف والإدراك على ولحقائق القمع من خلال نسبها للدولة بصفتها “جهاز الدولة القمعي”؛ فهذه “العلاقة المتبادلة” إذن تؤدي إلى نوع خاص للغاية من أنواع الوضوح، وعندي شيء أقوله عنه بعد لحظة: “نعم، هكذا الأمر، هذا حقيقي فعلاً”.[6]

وتراكم الحقائق في إطار تعريف الدولة قد يؤدي إلى زيادة الأمثلة كثيراً، لكنه لا يؤدي حقاً إلى التقدم على مسار تعريف الدولة؛ أي النظرية العلمية للدولة. كل نظرية وصفية هي من ثم تحت خطر “حجب/منع” تطور النظرية، ولكن التطور ضروري ولا غنى عنه.

لهذا أعتقد أنه من أجل تطوير هذه النظرية الوصفية إلى نظرية في حد ذاتها؛ أي من أجل فهم المزيد عن آليات الدولة في عملها/اضطلاعها بوظائفها، فأعتقد أنه لا غنى عن إضافة شيء إلى التعريف الكلاسيكي للدولة بصفتها “جهاز الدولة”.

أساسيات النظرية الماركسية عن الدولة

دعوني أولاً أوضّح نقطة مهمة: الدولة (ووجودها في جهازها) لا معنى لها سوى كونها دالة من دوال “قوة الدولة”. إن كلّ الصراع الطبقي السياسي يدور حول الدولة. بهذا أعني حول الحيازة، بمعنى مصادرة واستبقاء قوة الدولة من قبل طبقة بعينها أو من قبل تحالف بين الطبقات أو شرائح من طبقات. هذا التوضيح الأول يُلزمني بالتمييز بين “قوة الدولة State power” (استبقاء قوة الدولة أو مصادرة قوة الدولة). غاية الصراع الطبقي السياسي على جانب، و”جهاز الدولة” على الجانب الآخر.

إننا نعرف أن “جهاز الدولة” قد ينجو، كما ثبت من واقع “الثورات” البرجوازية في فرنسا في القرن التاسع عشر (1830، 1848)، ومن واقع الانقلابات (2 ديسمبر، مايو 1958)، ومن واقع انهيارات الدولة (سقوط الإمبراطورية في 1870، والجمهورية الثالثة في 1940)، أو من واقع الصعود السياسي للبرجوازية الصغيرة (1890 – 1895 في فرنسا)، إلخ، دون أن يتأثر “جهاز الدولة” أو يتم تعديله. يمكن أن ينجو من الأحداث السياسية التي تؤثر على حيازة “قوة الدولة”.

حتى بعد ثورة اجتماعية مثل ثورة 1917، فإن جزءاً كبيراً من “جهاز الدولة” نجى بعد مصادرة تحالف من البروليتاريا وصغار الفلاحين لـ “قوة الدولة”: كرر لينين هذه الحقيقة مرة تلو المرة.

من الممكن وصف الاختلاف بين “قوة الدولة” و”جهاز الدولة” كجزء من “النظرية الماركسية” الخاصة بالدولة، كما ورد صراحةً في ” الثامن عشر من برومير” أو “الصراعات الطبقية في فرنسا” لماركس.

تلخيصاً للنظرية الماركسية للدولة حول هذه النقطة، يمكن القول بأن الكلاسيكيات الماركسية زعمت دائماً أن (1) الدولة هي جهاز الدولة القمعي، (2) لابد من التمييز بين قوة الدولة وجهاز الدولة، (3) هدف الصراع الطبقي هو قوة الدولة، وبالتبعية استخدام جهاز الدولة من قبل الطبقات (أو التحالفات الطبقية أو التحالفات بين شرائح من طبقات) التي تحوز قوة الدولة كدالة من دوال أهدافها الطبقية، (4) لابد أن تسيطر البروليتاريا على قوة الدولة من أجل تدمير جهاز الدولة البرجوازي القائم، وفي المرحلة الأخيرة، لاستبداله بجهاز دولة مختلف تماماً وبروليتاري، ثم في مراحل لاحقة، تحريك عملية راديكالية هي عملية تدمير الدولة (نهاية قوة الدولة، نهاية كل جهاز دولة).

لذا، من هذا المنظور، فما أود اقتراح إضافته إلى “النظرية الماركسية” الخاصة بالدولة موجود فيها بالفعل وتعبر عنه كلمات كثيرة للغاية. لكن يبدو لي أنه حتى مع هذه “التكملة”، فإن هذه النظرية ما زالت وصفية جزئياً، وإن كانت الآن تحتوي عناصر معقدة ومتمايزة لا يمكن فهم حركتها وأفعالها دون اللجوء إلى المزيد من التطوير التكميلي للنظرية.

الأجهزة الأيديولوجية للدولة

وهكذا فإن الواجب إضافته إلى “النظرية الماركسية” للدولة هو شيء آخر.

هنا يجب أن نخوض بحذر في منطقة دخلتها الكلاسيكيات الماركسية قبلنا بكثير لكن دون أن تمنهج في قالب نظري المزايا المحددة المنبثقة عن تجاربها وإجراءاتها. كانت تلك التجارب والإجراءات مقتصرة بالأساس على نطاق الممارسة السياسية.

في الواقع فإن الكلاسيكيات الماركسية في ممارستها السياسية عاملت “الدولة” كحقيقة أكثر تعقيداً من التعريف الذي منحتها إياه في “النظرية الماركسية عن الدولة”، حتى عندما تمت “تكملتها” كما ذكرت تواً. أقرت [الكلاسيكيات] بهذا التعقد في الممارسة، لكنها لم تعبر عنها في نظرية مواكبة.[7]

أود أن أحاول وضع إطار كروكي للغاية لهذه النظرية المواكبة. ولهذا الغرض أقترح الفرضية التالية.

من أجل تطوير نظرية الدولة فلا مناص من أن نأخذ في الاعتبار التمييز بين “قوة الدولة” و”جهاز الدولة”، وأيضاً حقيقة أخرى تقع على جانب جهاز الدولة (القمعي) لكن يجب ألا نخلطها به. سوف أسمي هذه الحقيقة الأخرى من منطلق مفهومها: أجهزة الدولة الأيديولوجية.

ما هي أجهزة الدولة الأيديولوجية؟

يجب ألا نخلطها بجهاز الدولة (القمعي). تذكّر أن في النظرية الماركسية فإن جهاز الدولة يحتوي على: الحكومة، الإدارة، الجيش، الشرطة، المحاكم، السجون، إلخ، والتي تمثل ما سوف أسميه في المستقبل بـ “جهاز الدولة القمعي”. القمعي توحي بأن جهاز الدولة المقصود هنا هو “يعمل بالاستعانة بالعنف” – على الأقل في التحليل الأخير (بما أن القمع، مثلاً: القمع الإداري.. قد يتخذ أشكالاً غير مادية).

سوف أصف “أجهزة الدولة الأيديولوجية” بعدد من الحقائق التي تمثل نفسها للناظر إليها على هيئة مؤسسات متمايزة ومتخصصة. أقترح قائمة إمبريقية منها يجب وبوضوح أن تُفحص تفصيلاً، وأن تُختبر وتُصحح ويُعاد تنظيمها. مع كل التحفظات التي يؤدي إليها هذا المطلب، فيمكننا الآن اعتبار المؤسسات التالية من “أجهزة الدولة الأيديولوجية” (ترتيب ذكري لها ليس له دلالة معينة):

  • جهاز الدولة الأيديولوجي الديني (نظام مختلف الكنائس).
  • جهاز الدولة الأيديولوجي التعليمي (نظام مختلف المدارس العامة والخاصة).
  • جهاز الدولة الأيديولوجي الأسري.[8]
  • جهاز الدولة الأيديولوجي القانوني.[9]
  • جهاز الدولة الأيديولوجي السياسي (النظام السياسي، مشتملاً على مختلف الأطراف).
  • جهاز الدولة الأيديولوجي النقابي.
  • جهاز الدولة الأيديولوجي الإعلامي (الصحافة، الإذاعة، التلفزة، إلخ).
  • جهاز الدولة الأيديولوجي الثقافي (الأدب، الفنون، الرياضة، إلخ).

قلت إن أجهزة الدولة الأيديولوجية يجب ألا تختلط في ذهننا بجهاز الدولة (القمعي). ما الفارق بين الاثنين؟

للوهلة الأولى يتضح أنه بينما هناك جهاز دولة (قمعي) واحد، فهناك جملة من أجهزة الدولة الأيديولوجية. حتى مع الافتراض المسبق بوجودها، فإن الوحدة التي تشكل هذه “الجملة” من أجهزة الدولة الأيديولوجية كجسد ليست ظاهرة فوراً للعين.

للوهلة الثانية، من الواضح أنه بينما جهاز الدولة (القمعي) الموحد ينتمي كله للمجال العام فإن الكثير من أجهزة الدولة الأيديولوجية (على تنوعها الظاهر) هي جزء – على النقيض – من المجال الخاص. الكنائس، الأحزاب، النقابات، الأسر، بعض المدارس، أغلب الصحف، المحافل الثقافية، إلخ إلخ، هي خاصة.

يمكننا تجاهل الملاحظة الأولى للحظة. لكن لابد من أن هناك من يريد التشكيك في الملاحظة الثانية، فيسألني بأي حق أعتبر مما يدخل في نطاق أجهزة الدولة الأيديولوجية مؤسسات هي في الأغلب ليست ذات وضعية عامة، إنما هي ببساطة مؤسسات خاصة. بصفته ماركسي واعٍ تصدى جرامشي بالفعل لهذا الاعتراض في جملة واحدة. التمييز بين العام والخاص هو تمييز من داخل قانون البرجوازية، وهو يسري على المجالات (الفرعية) التي يمارس عليها قانون البرجوازية “سلطته”. إن مجال “الدولة” خارجي عليه لأن مجال الدولة “فوق القانون”: الدولة التي هي دولة الطبقة الحاكمة، لا هي عامة ولا خاصة، على النقيض هي شرط مسبق على أي تمييز بين العام والخاص. الأمر نفسه يمكن أن يقال عند نقطة بدء الخوض في أجهزة الدولة الأيديولوجية التي نتناولها الآن. لا يُهم إن كانت المؤسسات التي “تحققها” هي مؤسسات “عامة” أو “خاصة” ما يهم هو كيف تعمل. المؤسسات الخاصة يمكن تمام الإمكان أن “تعمل” جيداً كأجهزة دولة أيديولوجية. التحليل المستفيض بالقدر الكافي لأي من أجهزة الدولة الأيديولوجية يثبت هذا.

لكن الآن إلى ما هو ضروري. ما الذي يميز أجهزة الدولة الأيديولوجية عن جهاز الدولة (القمعي) هو الفرق الأساسي التالي: جهاز الدولة القمعي يعمل بالاستعانة “بالعنف”، بينما أجهزة الدولة الأيديولوجية تعمل “بالأيديولوجيا”.

يمكنني توضيح الأمور من خلال تصحيح هذا التمييز. سوف أقول إن كل جهاز دولة، سواء قمعي أو أيديولوجي، “يعمل” بالعنف وبالأيديولوجيا في آن، لكن مع وجه تمييز مهم للغاية يجعل من الضروري ألا نخلط بين أجهزة الدولة الأيديولوجية وجهاز الدولة (القمعي).

هذا التمييز المهم هو حقيقة أن جهاز الدولة (القمعي) يعمل بكثافة وبقوة باستخدام القمع (بما في ذلك القمع المادي)، في حين يعمل بشكل ثانوي باستخدام الأيديولوجيا. (لا يوجد جهاز قمعي صِرف). على سبيل المثال، فإن الجيش والشرطة يعملان بالأيديولوجيا لضمان تماسكهما وإعادة إنتاج نفسيهما، وتتمثل الأيديولوجيا أيضاً بالنسبة لهذين المثالين في “القيم” التي يروجا لها خارجياً.

بنفس الطريقة، لكن بشكل معكوس، من الضروري قول أن أجهزة الدولة الأيديولوجية من جانبها تعمل بكثافة وبقوة بالأيديولوجيا، لكن تعمل بشكل ثانوي باستخدام القمع، حتى وإن كان قمعاً غير مباشراً يُستنبط من التحليل الأخير، ولو بشكل مخفي ومتخفي بل وحتى رمزي. (لا يوجد جهاز أيديولوجي صِرف). وهكذا فإن المدارس والكنائس تستخدم أساليب مناسبة للعقاب والطرد والاختيار، إلخ، من أجل “فرض انضباط/تهذيب descipline” عمالها، وأيضاً لفرض انضباط/تهذيب جمهورها. الأمر نفسه ينسحب على الأسرة… وينسحب أيضاً على جهاز الدولة الأيديولوجي الثقافي (الرقابة، من بين أمور أخرى)، إلخ.

هل من الضروري إضافة أن هذا التحديد لازدواج “العمل” (غالب، ثانوي) بالاستعانة بالقمع والأيديولوجيا، طبقاً لما إذا كانت المسألة مرتبطة بجهاز الدولة (القمعي) أو أجهزة الدولة الأيديولوجية، يوضّح أن كل اقتران صريح أو ضمني قد يُغزَل من العلاقة الضمنية بين جهاز الدولة (القمعي) وأجهزة الدولة الأيديولوجية؟ إن الحياة اليومية تمدنا بأمثلة بلا حصر على هذا، لكن لابد من دراستها تفصيلاً إذا أردنا الخوض إلى ما هو أبعد من هذه الملاحظات التي لا تزيد عن كونها محض ملاحظات.

لكن، هذه الملاحظة تقودنا نحو فهم لما يشكل وحدة جسد أجهزة الدولة الأيديولوجية الواضح أنها متفرقة ومتشعبة. إذا كانت أجهزة الدولة الأيديولوجية “تعمل” بشكل كثيف وغالب بالاستعانة بالأيديولوجيا، فما يوحّد تنوعها هو عين هذا العمل، بقدر كون الأيديولوجيا التي تعمل بموجبها موحدة دائماً، رغم تنوعها وتناقضاتها تحت إطار الأيديولوجيا الحاكمة، والتي هي أيديولوجية “الطبقة الحاكمة”. نظراً لحقيقة أن “الطبقة الحاكمة” من حيث المبدأ تحوز على “قوة الدولة” (بشكل مفتوح بلا مواربة أو وفي حالات أكثر بطريق التحالفات بين الطبقات أو شرائح من طبقات)، ومن ثم ففي جعبتها جهاز الدولة (القمعي)؛ فيمكننا أن نقبل حقيقة أن هذه الطبقة الحاكمة عينها ناشطة في أجهزة الدولة الأيديولوجية بقدر ما هي في نهاية المطاف الأيديولوجية الحاكمة التي تتحقق في أجهزة الدولة الأيديولوجية، تحديداً في تناقضاتها. بالطبع فإن التحرك بناء على قوانين وقرارات في جهاز الدولة (القمعي) شيء، و”التصرف” من خلال وسيط الأيديولوجية الحاكمة في أجهزة الدولة الأيديولوجية شيء آخر تماماً. علينا أن ندخل في تفاصيل هذا الاختلاف، لكن لا يمكنه أن يخفي حقيقة وجود هوية عميقة. على حد علمي لا يمكن لطبقة أن تحوز قوة الدولة لفترة طويلة دون أن تمارس في الوقت نفسه هيمنتها على أجهزة الدولة الأيديولوجية وفيها. لا أحتاج إلا لمثال واحد وإثبات واحد على هذا القول: حرص لينين الكبير على “تثوير” جهاز الدولة الأيديولوجي التعليمي (من بين أجهزة أخرى)، فقط لكي يمكّن البروليتاريا التي صادرت قوة الدولة، من تأمين مستقبل دكتاتورية البروليتاريا والانتقال إلى الاشتراكية.[10]

هذا التعليق الأخير يمكننا من فهم أن أجهزة الدولة الأيديولوجية قد لا تكون فحسب هي “المعنية” بالصراع الطبقي، إنما أيضاً هي محل انعقاد هذا الصراع، وكثيراً ما تكون محل أشكال مريرة من الصراع الطبقي. إن الطبقة (أو التحالف الطبقي) في سدة الحُكم لا يمكنها أن تهيمن على أجهزة الدولة الأيديولوجية صراحةً بنفس سهولة هيمنتها الصريحة على جهاز الدولة (القمعي)، ليس فقط لأن الطبقات الحاكمة يمكنها أن تحافظ على مواقف قوية في هذا الصدد لمدد طويلة، إنما أيضاً لأن مقاومة الطبقات المُستَغَلَة يمكنها العثور على وسائل ومناسبات للتعبير عن أنفسها فيما يخص أجهزة الدولة الأيديولوجية، سواء من خلال الاستفادة من تناقضاتها، أو من خلال غزو واقتحام مواقع فيها بالاستعانة بالنضال.[11]

دعوني أوضح تعليقاتي.

إذا كانت الفرضية التي اقترحتها جيدة الأساس، فهي تعود بي إلى نظرية الدولة الماركسية الكلاسيكية، مع جعلها أكثر دقة من حيث نقطة واحدة. لقد حاججت بأن من الضروري التمييز بين قوة الدولة (وحيازتها من قبل…) على جانب، وجهاز الدولة على الجانب الآخر. لكن أضيف أن جهاز الدولة يحتوي على جسدين: جسد المؤسسات التي تمثل جهاز الدولة القمعي على جانب، وجسد المؤسسات التي تمثل جسد أجهزة الدولة الأيديولوجية على الجانب الآخر.

لكن إذا كان هذا صحيحاً، فالسؤال التالي إذن واجب الطرح، حتى ولو في سياق مقترحاتي المقتضبة للغاية: ما هو بالضبط مدى دور أجهزة الدولة الأيديولوجية؟ علام تستند أهميتها؟ بمعنى أخر: ما الذي تماثله “وظيفة” أجهزة الدولة الأيديولوجية هذه من أمور لا يؤديها القمع إنما الأيديولوجية؟

[1] هذا النصّ قوامه مجتزأين من دراسة قائمة. العنوان الفرعي “ملاحظات نحو تحقيق” وضعه المؤلف بنفسه. الأفكار التي يتم استكشافها يجب ألا يُنظر إليها بصفتها أكثر من مجرد مقدمة لمناقشة.

[2] ماركس إلى كوجيلمان، 11 يوليو/تموز 1868، مراسلات مختارة، موسكو، 1955، ص 209.

Marx to Kugelmann, 11 July 1868, Selected Correspondence, Moscow, 1955, p. 209.

[3] منحها ماركس مفهومها العلمي: رأس المال المتغير.

[4]في “لأجل ماركس” و”قراءة رأس المال”، 1965 (الطبعات الإنجليزية 1969 و1970 على التوالي).

[5] طبوغرافيا من الكلمة اليونانية topos: مكان. طبوغرافيا تمثل في فراغ محدد مختلف الأمكنة التي تحتلها حقائق متعددة: من ثم فإن “الاقتصادي” في القاع (القاعدة) والبنية الفوقية فوقه.

[6]انظر صفحة 158 أدناه، “عن الأيديولوجية”

[7] على حد علمي فإن جرامشي هو الوحيد الذي مضى لأية مسافة كانت على الطريق الذي أمشيه. كانت عنده فكرة “مهمة” مفادها أن الدولة لا يمكن أن تُختزل في جهاز الدولة (القمعي)، إنما هي تشتمل– على حد تعبيره – على عدد من المؤسسات من “المجتمع المدني”: الدولة، المدارس، النقابات، إلخ. للأسف لم يمنهج جرامشي مؤسساته، التي ما زالت في قالب ملاحظات حادة وواضحة وإن كانت متشظية (جرامشي، مختارات من دفاتر السجن؛ انظر أيضاً رسالة إلى تاتيانا شوشت، 7 سبتمبر 1931، في “رسائل السجن”).

[8] للأسرة وبوضوح “وظائف” أخرى غير تلك الخاصة بكونها جهاز دولة أيديولوجي. إنها تتدخل في إعادة إنتاج قوة العمل. وفي مختلف أنماط الإنتاج فهي وحدة الإنتاج و/أو وحدة الاستهلاك.

[9] “القانون” ينتمي في آن إلى جهاز الدولة (القمعي) ونظام أجهزة الدولة الأيديولوجية.

[10]في نص بائس صدر عام 1937 تربط كروبسكايا تاريخ جهود لينين اليائسة بما تراه إخفاقه.

[11]  ما قلته في هذه الكلمات المقتضبة حول الصراع الطبقي في أجهزة الدولة الأيديولوجية هو وبوضوح أبعد ما يكون عن إجابة سؤال الصراع الطبقي إجابة مستفيضة. للاقتراب من هذا السؤال ثمة مبدأين يجب أن نأخذهما في الاعتبار:

المبدأ الأول صاغه ماركس في مقدمة “إسهام في نقد الاقتصاد السياسي”: “أثناء النظر في مثل هذه التحولات [في الثورة الاجتماعية] يجب دائماً عمل تمييز بين التحولات المادية للظروف الاقتصادية للإنتاج، التي يمكن أن تتحدد بالدقة اللصيقة بالعلوم الطبيعية، والأشكال القانونية والسياسية والدينية والجمالية والفلسفية – اختصاراً الأشكال الأيديولوجية – التي يعي الإنسان من خلالها بهذا الصراع ويخوضه”. الصراع الطبقي من ثم يتم التعبير عنه ويُمارس في الأشكال الأيديولوجية، من ثم يُمارس أيضاً في أجهزة الدولة الأيديولوجية. لكن هذا الصراع الطبقي يتجاوز بكثير هذه الأشكال، والسبب في أنه يتجاوزها أن كفاح الطبقات المُستغَلَة قد يُمارس أيضاً في أشكال من أجهزة الدولة الأيديولوجية، ومن ثم ينقلب سلاح الأيديولوجيا ضد الطبقات التي تتولى السلطة.

هذا بطبيعته هو المبدأ الثاني: الصراع الطبقي يتجاوز أجهزة الدولة الأيديولوجية لأنه متجذر في مكان آخر بخلاف الأيديولوجيا، في البنية التحتية، في علاقات الإنتاج، والتي هي علاقات استغلال وتشكل قاعدة للعلاقات الطبقية.

فكرة واحدة على ”لوي ألتوسير: الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية (الجزء 1 من 2)

  1. تعقيب: الدولة العميقة.. كم هي عميقة؟ (١) | Altagreer | صحيفة التقرير

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s