معنى الحياة.. وسخرية تيري إيجلتون

نُشر هذا العرض لكتاب “معنى الحياة” في جريدة القاهرة، عدد الثلاثاء الموافق 18 نوفمبر 2014.

بقلم – محمود حسني

 عن الكتاب

“فمعنى الحياة موضوع يناسب إما من بهم مس من الجنون أو الكوميديين. وأتمنى أن أكون أقرب للمعسكر الأخير.”

بهذه البداية الساخرة المرحة يستهل المفكر وأستاذ الأدب الإنجليزي تيري إيجلتون (والذي يعد أحد أهم الباحثين والكُتاب في النظرية الأدبية ويعد من أكثر النقاد الأدبيين تأثيراً بين المعاصرين في بريطانيا) كتابه الذي يحتوي على تحقيق ملفت ومدهش تحت عنوان “معنى الحياة: مقدمة قصيرة جدا”، وهو واحد من مائة كتاب تحت عنوان “مقدمة قصيرة جدا” حصلت دار هنداوي للتعليم والثقافة على حقوق نشرها من جامعة أكسفورد للصحافة. وقد جاءت ترجمة شيماء طه الريدي للكتاب بشكل راقي للغاية حافظت بها على المحتوى الفكري من ناحية، وعلى روح تيري إيجلتون الساخرة من ناحية أخرى. وعلى امتداد مائة وأربع صفحات يناقش إيجلتون نظرة مجموعة من أهم الفلاسفة على مر التاريخ لمعنى الحياة معلقا وشارحا ورافضا بعضها، متقاربا مع بعضها الآخر. ولكن حتى الفلاسفة الذين استند إليهم إيجلتون يبدأ الحديث عنهم بسخرية أيضا فيقول: يتسم الفلاسفة بعادة مثيرة للحنق وهي تحليل الأسئلة بدلا من الإجابة عنها.

زيف سؤال عن معنى الحياة

ولنحاول تفحص أهم الأفكار التي أتت في هذا البحث الاستثنائي. فهل سؤال معنى الحياة سؤال حقيقي له إجابة محددة أم أنه سؤال مزيف ناتج عن استخدام اللغة، والتي هي بطبيعتها تجسيدية، بشكل غير منضبط من قبل الناس. فكان لودفيج فيتجنشتاين في كتابه تحقيقات فلسفية يقظا للغاية للتفرقة بين الأسئلة الحقيقية والمزيفة. لأنه كان يرى أن الكثير من الألغاز الفلسفية نتيجة سوء استخدام اللغة. ولهذا، فقد وجد فيتجنشتاين أن مهمة الفيلسوف ليست في حسم التساؤلات ولكن في تبديدها وإظهار أنها نوع من الألعاب اللغوية. 

ويمكن تخيل الأمر على أن عدم معرفة معنى الحياة يعد جزءً من الحياة ذاتها. مثلما يساعدني عدم حساب الكلمات التي انطق بها حين ألقى خطابا في مناسبة ما على إلقاء الخطاب ببراعة. فلعل سر استمرار الكون يكمن في جهلنا بمعناه من الأساس. ويذهب هيدجر في كتابه الوجود والزمن إلى أن البشر هم المخلوقات الوحيدة التي لديها القدرة على وضع وجودهم رهن التساؤل والتشكيك. فهم المخلوقات التي يمثل لها الوجود إشكالية في حد ذاته وليست بعض سماته.

 الظروف التي تستدعي السؤال

ثم يمكنني تخيل الأمر منذ أمد بعيد، وتحديدا عند شعوب ما قبل الحداثة. وقد ابتليت هذه الشعوب بدرجة أقل من التساؤل عن معنى الحياة. وليس هذا فقط لأن معتقداتهم الدينية كانت أقل عرضة للتساؤل، ولكن أيضا لأن ممارستهم الاجتماعية كانت أقل إشكالية. ربما هذا يدفعنا إلى القول بأن معنى الحياة بالنسبة لهم كان القيام بما فعله الأجداد والاستمرار فيه. 

 ونستطيع أن نرجع على وجه من الأوجه كتاب الوجود والزمن لهيدجر والذي نشر في أعقاب الحرب العالمية الاولى، وكتاب الوجود والعدم لسارتر والذي تم نشره في منتصف الحرب العالمية الثانية إلى الظرف التاريخي والاجتماعي في ذلك الحين. والذي كان باعثا على التفكير في هذه الأمور، ولعل أحد الأسباب وراء إسهاب مفكري القرن العشرين في النقاش والتساؤل حول معنى الحياة بأسلوب أكثر بؤساً مقارنة بمعظم العصور الأخرى لأنه قد اعتبر من أكثر القرون دموية. وكانت حياة الإنسان فيه زهيدة وبلا ثمن بشكل مفزع بسبب ملايين الأرواح التي ازهقت في الحربين العالميتين الأولى والثانية. ربما نتج عن كل ذلك أيضا ظهور ملفت للأصولية الدينية، ولكننا لا يمكن اعتبارها أكثر من قلق عصبي يعود للخوف من أن دون وجود معنى المعاني فليس هناك معنى على الإطلاق. وهي ببساطة يمكن اعتبارها الجانب الآخر للعدمية وليس أكثر من ذلك.

 فيتجنشتاين يواجه شوبنهاور ونيتشه وفرويد

وقد تكون الحياة ذاتها أو الوجود الإنساني – كما رآى شوبنهاور – فوضوياً وبلا معنى. ولكن هذا أيضا في الواقع معتمدا بشكل كبير على أن يكون نتاج قدر حاقد أو إرادة خبيثة. ولعلنا نرى هذه الرؤية شديدة التشاؤم، وبالفعل هكذا كان آرثر شوبنهاور، وهو ينتمي لسلالة من المفكرين يعتبرون الوعي الزائف جزءاً لا يتجزأ من وجودنا، وهنا يأتي نيتشه وهو متأثرا كبيرا بأفكار وآراء شوبنهاور وينتمي أيضا لهذه النوعية من المفكرين وقد تحدث في كتابه إرادة القوى فقال: نحن نتمسك بالفن خشية أن نفنى من جراء قبح الحياة. وهي نفس الفكرة التي تبناها فرويد الذي ينتمي أيضا لنفس هذه السلالة من المفكرين. وقد أخذ ما أسماه شوبنهاور الإرادة المسيطرة على الحياة وسماه الرغبة المفترسة.

 وهنا نرى إيجلتون يتقارب من جديد مع فيتجنشتاين عندما يحاول الصمود أمام سلالة المفكرين المتشائمين فيعود إليه من جديد ويستند إليه وهو يرد على هذه الأفكار قائلا: لو كان أي شخص يعتقد أنه قد حل إشكالية الحياة ويرغب في إخبار نفسه أن كل شئ صار على ما يرام. فيمكن أن يدرك أنه مخطئ بشكل أو آخر، لأنه فقط عليه أن يتذكر أنه قد مر به وقت لم يكن هذا الحل قد اكتشفه بعد ولكن الحياة كانت ممكنة أيضا في ذلك الحين. أي أن حله يبدو إلى حد كبير شيئا عرضيا أو هامشيا لمسيرة الحياة نفسها. كما أن فيتجنشتاين يعود ليتسائل من جديد: فيطرح علينا كلمته الفارقة ويقول: في الحقيقة، لا يكمن الغموض في كيفية نشأة العالم بل في وجوده أصلا.

 هل حقيقة معنى الحياة مدمرة؟!

ويطرح المنظر الماركسي لوي ألتوسير إشكالية مختلفة قد تنتهي إلى أننا قد نواجه اختيار بين المعنى والحياة. فماذا لو كانت الحقيقة المعنى مدمرة للوجود الإنساني؟ ماذا لو كانت قوة ديونيسية مهلكة كما كان يعتبرها نيتشه في بداياته، أو إرادة ضارية كما في تخمينات شوبنهاور الكئيبة، أو رغبة مجردة مفترسة عديمة الرحمة كما يراها فرويد؟!

 وهذا يجعلنا نتسائل متحيرين، إذاكان المعنى شيئا يفعله الناس، كيف لنا أن نتوقع أن يكون العالم ذا معنى أو بلا معنى في حد ذاته؟ ولماذا ينبغى أن نشعر بالأسى على حقيقة أنه لا يقدم لنا نفسه كعالم يفيض بالمعنى؟ إنك لم تكن لتتحسر على حقيقة أنك لم تولد مرتديا قبعة صوفية صغيرة. فالأطفال الذين يولدون متأنقين بقبعات صوفية صغيرة ليس من نوعية الأشياء التي يفترض بالإنسان توقعها. ولاجدوى من الشعور بغصة في حلقك بشأن ذلك. فالقدوم إلى الدنيا عاري الرأس ليس سببا لإبداء خوف تراجيدي؛ فهذا ليس نقصا تعيه إلى حد يجلب لك الكآبة بينما تمضي في شئون حياتك اليومية.

 ثنائية السعادة والحب

ربما الأمر كما رآه أفلاطون ينطوي في جانب من جوانبه على إدراك إبداعي للملكات الإنسانية والنمطية، ربما كان هذا الفهم هو ما يؤدي إلى تحقيق الذات، ولكن حتى كلمة مثل تحقيق الذات غير منضبطة على وجه من الوجوه لأننا لسنا على علم أين بالضبط تستقر ذاتنا حتى نذهب إليها. ربما تكون كلمة مثل إشباع الذات هي الأكثر ملائمة للفكرة. فكما يرى كارل ماركس وهو أحد أهم الفلاسفة الأخلاقيين أن إشباع الذات قد يكون في الاستماع إلى رباعية وترية أو التلذذ بمذاق ثمرة خوخ مثلا!

 هنا يقارب إيجلتون ولكنه لا يسدد في كلمات بديعة بقوله: وقد نتجادل كثيرا حول نشأة الكون ومسببه كأحد أوتار فهم معنى الحياة. وربما لا يكون الكون قد صُمم عن وعي، وبالتالي فهو لا يكافح من أجل قول أي شيء لنا، ولكنه أيضا ليس فوضويا. فقوانينه الأساسية تُظهر تناسقا وجمالا وتنظيما قادرين على إبكاء العلماء. ومن ثم فإن فكرة أن العالم إما أنه يُمنح معنى من قبل الإله أو أنه تافه وعشوائي تماما، تعد تضادا زائفا.

 ويمكن القول بأن معنى الحياة إذا كان موجودا من الأساس فهو ليس سرا أو حلا ولكنه مجموعة من فسيفساء السلوك والتفاعل مع محيطك لأننا في النهاية حيوانات اجتماعية، ومن خلال ذلك يمكنك أن تشبع ذاتك وتشعر بالسعادة الشخصية – إعلاء قيمة الذات – وفي الوقت نفسه يمكنك أن تحب الآخرين أي تترك له المساحة التي يستطيعون من خلالها إشباع ذاتهم والشعور بالسعادة.

 إن المنهجية التي تساعدنا على بناء العقل النقدي نستطيع أن نستشفها من هذا الكتاب كأثر وليس غرضاً. وهذا هو ما يجب أن تبحث عنه كل طرق التنوير.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s