ملاحظات حول مفهوم “باريسيا” عند ميشيل فوكو: “قول الحقيقة” بين الديمقراطية وحُكم الذات

بقلم – ساين لارسن

نُشر في موقع Critical Legal Thinking بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2014

ترجمة: نصر عبد الرحمن

قدم ميشيل فوكو أخر سلسلتين من المحاضرات في كولدج دي فرانس عام 1982، وعام 1984، بعنوان حكومة الذات والآخرين، و شجاعة الحقيقة. وقام بالكشف فيهما عن أصل مفهوم غامض هو الباريسيا “قول الحقيقة”، أو “التحدث بحرية”.

وفقاً لفوكو، الباريسيا هي أحد المبادئ الأساسية في ديموقراطية أثينا، وتقترن مع فارق كبير بالأيسونوميا والإيسيجوريا اللتان يمكن ترجمتهما على نحو تقريبي بالمساواة أمام القانون، والمساواة في حق التحدث إلى الاجتماع العام لمواطني أثينا. ورغم أن لكافة المواطنين في أثينا الحق في الحديث (أيسيجوريا)، إلا أن قلة من الصفوة، الأعلى مكانة من ذوي السمات الشخصية والأخلاقية المميزة، هم من كان يحق لهم مُخاطبة الاجتماع العام. فبينما كانت (الأيسجوريا) للجميع على الأقل رسمياً، اقتصرت الباريسيا على قلة محددة. وتتكون تلك القلة من الذين يطمحون إلى الصعود طبقياً في المجتمع عبر محاولة الحظوة بالاعتراف بمكانتهم حتى يتثنى لهم تولي أمر المدينة عبر ممارستهم للباريسيا. إن لعبة قول الحقيقة بمثابة إطار مُصمم لاختيار الصفوة من بين المتنافسين.

ولهذا يرى فوكو أن للديموقراطية القديمة علاقة مزدوجة بالنخبة السياسية: فمن ناحية، يتم منح الحق في الحديث إلى الجميع (أيسيجوريا). ومن ناحية أخرى، لا يستطيع الجميع أن يتحدثوا (الباريسيا). ومن ثم، فهناك مُفارقة بين الديموقراطية وبين الباريسيا: حيث تصبح الباريسيا مُتاحة فقط عبر لعبة قول الحقيقة بطريقة ديموقراطية على المستوى الرسمي، إلى أن الباريسيا تقحم النخبوية على الديموقراطية بطريقة تختلف تماماً عن البنية الديموقراطية التي تتسم بالمُساواة. ومن هنا تصبح الباريسيا خطراً يتهدد الديموقراطية، وفي نفس الوقت، لا يمكن أن تقوم الديموقراطية دون الباريسيا لأنها قلب البناء الديموقراطي للحكومة.

ورغم التناقض الذي يشوب لعبة الباريسيا، يرى فوكو ضرورتها لبقاء الديموقراطية؛ فهي الإطار المؤسسي الذي يسمح للنخبة السياسية بالصعود على نحو شرعي لتولي زمام المدينة. وبينما يتم اختيار النخبة السياسية في الديموقراطية الحديثة عن طريق الانتخاب، يتم اختيارها في الديموقراطية القديمة عن طريق لعبة الجدل الباريسيا. ولعبة الجدل هذه هي ما يعتبرها فوكو بمثابة قلب العملية الديموقراطية القديمة. والمثال النموذجي للباريسيا في وجهة نظر فوكو هو بركليس في خطبته الشهيرة كما وردت في “الحروب البيلوبونيزية” لتوسيديديس.

ومن أجل الحصول على نخبة سياسية حقيقية فقط، من خلال لعبة الباريسيا لقول الحقيقة، يتحدث الشخص “الباريسياني” وهو يجازف بإمكانية نبذه أو إعدامه، لذلك عليه أن يجد الموضوع شديد الأهمية الذي يُخاطر بحياته ليقول ما يعتقد أنه الحقيقة. وقد يجعل هذا الاختبار المؤسسي معظم الناس يُحجمون عن مخاطبة الاجتماع العام. ولهذا السبب أيضاً، تعتبر الشجاعة ضرورية للانخراط في ممارسة قول الحقيقة.

وتكمن المشكلة في أن الاختبار المؤسسي لقول الحقيقة لم يعد مجدياً بعد وفاة بركليس. ويرى فوكو أن صُلب النقد في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، والذي ينطبق بشكل عام على الإطار المؤسسي الديموقراطي القديم، الباريسيا، لا تستطيع التمييز بين الجيد والرديء؛ حيث يمكن إساءة استخدامها من قبل من يتمتع بالبلاغة أو من الدوجمائي من خلال التملق أو “الكذب في قول الحقيقة”. وأصبح الإطار المؤسسي الديموقراطي، الموضوع من أجل صعود السياسي للنخبة، يتيح هذا الصعود لكل من يجيد الحديث؛ ويتيحه كذلك لكل من لا ترقى إمكانياته إلى إمكانيات بركليس الاستثنائية. ولا تفرق لعبة قول الحقيقة بين البليغ وبين من يقول الحقيقة. ويبدو أن هذه المشكلة طرأت بعد وفاة بركليس، حسب ما أوضح فوكو. وهناك صيغة أكثر حداثة للمشكلة وهي الشعبوية: من لديهم القدرة على إبهار الاجتماع العام سوف يتولون مسؤولية المدينة.

وتعتبر مشكلة الخطر الكامن في الباريسيا السيئة في ظل ديموقراطية ما، تمثل من وجهة نظر فوكو، خطورة على الديموقراطية الأثينية لأن الباريسيا هي أداة اختيار الحاكم للبوليس (المدينة اليونانية): “إذا تثنى لأحد أن يحكم الديموقراطية، فيرجع السبب في هذا إلى وجود خطاب صادق”. وتظهر المفارقة بين الديموقراطية والباريسيا بطريقة أخرى: من ناحية، لا يمكن أن توجد ديموقراطية دون باريسيا، ومن ناحية أخرى، ينجم عن مساواة الديموقراطية باريسيا “سيئة” تمثل تهديداً دائماً لبقاء الباريسيا داخل الديموقراطية. وبهذا تمثل الديمقراطية والباريسيا تهديداً لأحدهما الآخر، رغم العلاقة المؤسسية المتبادلة بينهما.

السؤال الواضح الذي يبدو ذو دلالة خاصة هو هل يمكن لمدينة مثالية أن توجد وتنكشف فيها الحقيقة دون لعبة الباريسيا الخطيرة. وبالطبع تناول أفلاطون هذا السؤال باستفاضة في كتابه الجمهورية، وخلُص إلى أن أفضل المدن هي التي يحكمها الفلاسفة. ومع ذلك، يجادل فوكو، على نحو مثير، أن فهم أفلاطون للعلاقة بين الحقيقة والسياسة غير موجود في كتابيه الجمهورية والقوانين. وهذان الكتابان، بحسب فوكو، ليسا كتابين فلسفيين “جادين”، ويجب “التعامل معهما بنفس الحذر الذي نتوخاه عند التعامل مع أسطورة ما“.

ويمكن العثور على الفلسفة الأفلاطونية الجادة، بحسب فوكو، في كتاب أفلاطون الخطابات. والخطابات هام من أجل استيعاب كيف يمكن تصور الفلسفة كتدخل في السياسة وليس مجرد انعكاس لها؛ وأنها أكثر من مجرد شعارات. ويُولي فوكو اهتماماً خاصاً بالخطاب السابع، يصف أفلاطون رحلته وإقامته في بلاط ديونسيوس طاغية (بمعنى الحاكم) مدينة سيراكوس. ويرى فوكو أن الخطاب السابع جزء من التحول العام في المشهد السياسي من مكان الاجتماع العام إلى البلاط الملكي (روح الأمير). ولا يمكن تفهم الباريسيا على أنها ممارسة عملية غريبة عن الشكل الديموقراطي للحكومة؛ “مشكلة الباريسيا تظهر في ظل أي حكومة”.

ويُفسر أفلاطون هذا التحول بعيداً عن الباريسيا السياسية في الخطاب الخامس: “لقد أفسدت الباريسيا السيئة سكان أثينا لدرجة أنهم أصبحوا خارج نطاق الإصلاح“. وبحسب قراءة فوكو للخطاب السابع، لم يقتصر التحول على البعد عن الديموقراطية فقط، بل امتد ليشمل الابتعاد عن الفعل السياسي أيضاَ. وفي ضوء تجربة أفلاطون السلبية في مع كلاً من حكم الأقلية والديموقراطية أدرك أفلاطون عدم إمكانية استمرار الفعل السياسي والباريسيا أكثر من ذلك.

ويرى فوكو أن أفلاطون تحول إلى نوع جديد من ممارسة الباريسيا؛ هو تعليم الأمير على يد فيلسوف يلعب دور المستشار. وأصبح هدف الفلسفة هو القيام بدور المُعلم أو المستشار لكي يجعل من الملك فيلسوفاً كما جاء في الخطاب السابع: “لن تتوقف شرور أبناء البشر، حتى يتولى الباحثون عن فلسفة الحق والصدق مقاليد الحكم، أو يتحول الحُكام إلى فلاسفة حقيقيون عبر تدبير إلهي”.

ومن الضروري أن نوضح هنا أن دور الفيلسوف باعتباره ناصح أمين لا يأتي على ذكر ما ينبغي أن يكون عليه مضمون السياسة؛ حيث أن الفيلسوف ليس “خبيراً سياسياً”. وتعليم روح الأمير، الهدف الفلسفي، ليس تعليمه بشكل أساسي (المحتوى المعرفي أو المذاهب الفلسفية، بل تعليمه (أسلوب حياة.. الحياة الفلسفية): “إن جوهر الفلسفة يكمن في ممارستها”. وهذه الممارسة ليست فلسفة مثل المحاورات ولكن العمل على الذات، أو العلاقة بين ذات وأخرى: “حقيقة الفلسفة هي عمل الذات على نفسها”. ويكون دور الفيلسوف هو ألا يُعلم الأمير ما يجب عليه أن يفعل، بل ما يجب عليه أن يكون.

الباريسيا الفلسفية هي تعليم روح الأمير طريقة الحياة الفلسفية، التي تحكم المرء، لكي يصبح الأمير فيلسوفاً. وبهذه الطريقة تلتقي الفلسفة مع السياسة حول تعليم روح الأمير. ولا ينبغي أن تتلاقى الفلسفة والسياسة في مسألة مذهبية. ولقد كتب فوكو: “أعتقد أن الارتباك والالتباس في العلاقة بين الفلسفة والسياسة راجع إلى رغبة الآراء الفلسفية في اعتبار نفسها (…) عقيدة فلسفية […] ويجب أن تظل الفلسفة والسياسة في علاقة دون أن يحدث تداخل بينهما؛ يجب ألا يتزامنا معاً. وهذه هي الفكرة العامة التي يمكن أن نستخلصها من نص أفلاطون“. المكان الوحيد الذي يمكن أن تتزامن فيه السياسة مع الفلسفة هو في روح الأمير الذي تعلم جيداً. وطبقاً لراي فوكو، هذا هو المعنى الأفلاطوني الأصيل لمصطلح “الملك الفيلسوف“، والمعنى الحقيقي للعبة الأسطورية في كتاب الجمهورية.

وبهذه الطريقة، يرى فوكو أن فكرة الحكومة واحترام الذات هي فكرة محورية في ممارسة الباريسيا؛ فكرة تجلت بوضوح في حياة سقراط. ويتم التعبير عن واحد من أهم جوانب الذاتية الفلسفية، بحسب فوكو، في الطريقة التي رُسم بها الصراع بين الفلسفة والبلاغة في كتاب أفلاطون “دفاعاً عن سقراط”. هذا الصراع يمثل أهمية لفوكو؛ حيث يرى وجود تنافس على احتكار الباريسيا بين الفلسفة والبلاغة. وفي حين أن البلاغة عبارة عن مهارة تسمح للمتحدث أن يُقنع جمهوره بمعزل عن قناعاته الشخصية، يستقي الحديث الفلسفي معناه من العلاقة بينه وبين المتحدث ذاته، وليس من علاقته بالجمهور. ولهذا السبب، يصف سقراط نفسه على اعتباره رجل ينطق بالحق دونما مهارة. ويتسم شكل الحديث الذي يخلو من المهارة بالتجانس بين الحقيقة وبين مُعتقدات المتحدث. وبينما تُصاغ اللغة البلاغية لإحداث تأثير في المُتلقي، تقتصر الباريسيا الفلسفية على كونها تعبير صادق عن ما يؤمن المُتحدث بأنه الحقيقة. وبهذا تتسم الباريسيا الفلسفية بعلاقة جمالية مع ذاتها؛ واحترام ذاتها. إنها تتسم بالانسجام بين التحدث والحياة؛ إنها حياة تنسجم مع الفضيلة.

إنه احترام الذات الذي جعل سقراط يرفض اقتراف الظلم، الذي طُلب منه اقترافه في عهد ثلاثين طاغية، وفي عهد ديمقراطية أثينا. وفي كلتا الحالتين، قاوم سقراط، مقاومة أصبحت بعد ذلك نموذجاً مثالياً للمقاومة الفردية الفلسفية. ويعتبر فوكو رفض أرسطو للامتثال أحد تجليات الباريسيا السقراطية. وتعتبر الباريسيا السقراطية فعلاً سلبياً بمعنى أنه رفض أن يتصرف أو يتحدث في المجال السياسي (مثلما فعل بركليس). ومع ذلك، تستقي الباريسيا السقراطية معناها من علاقتها بالسياسة؛ برفض اقتراف الظلم. ولقد تحولت الباريسيا الفلسفية على يد سقراط إلى أحد مظاهر الباريسيا الأخلاقية؛ إذاً، الباريسيا السقراطية هي باريسيا “فلسفية-أخلاقية“.

ويُلاحظ فوكو أن الباريسيا السقراطية تتمايز إلى حد ما عن الباريسيا لأنها امتناع عن الفعل. الباريسيا السقراطية هي فعل نطلق عليه اليوم اسم العصيان المدني: عندما تلقى سقراط أمراً بالقبض على رجل، لم يمتثل للأمر وعاد إلى منزله صراحة وعلانية. الأفعال هي التي على المحك في هذه الحالة وليست الأقوال. كتب فوكو: “وفي النهاية، يمكن أن تتجلى الباريسيا في الأشياء بحد ذاتها، أو في طريقة فعل الأشياء، ويمكن أن تتجلى في طرق الوجود المتعددة”.

ومع ذلك، تُعتبر الباريسيا “الفلسفية-الأخلاقية” بالنسبة لسقراط أكثر من كونها رفضاً للخضوع لفعل سياسي ظالم. الباريسيا الفلسفية التي عاشها سقراط – : “هي المهمة التي قرر أن يلتزم بها حتى آخر نفس من أنفاسه، المهمة التي كرس لها حياته، والذي رفض أي أجر أو مكافئة مقابلها” – هي أن يستمع إلى أي شخص، غني كان أم فقير، ويحاول أن يجعله يُدرك أنه يجب ألا يكترث لثروة أو جاه، وألا يهتم سوى بنفسه. ويتمثل اهتمام الشخص بذاته في “معرفة الشخص لما يعرف أو لا يعرف”. وهدف الباريسيا الفلسفية بالنسبة لسقراط هو علاج الناس من الآراء الخاطئة التي تفسد أرواحهم، وتجعلهم يفكرون في أنفسهم. الحياة الحقيقة هي التي تخلو من التحيز. وبهذا يكون موقع الباريسيا الفلسفية قد انتقل من روح الأمير إلى حياة وأرواح جميع من التقى بهم سقراط. وبالتالي، تمارس الباريسيا السقراطية الفلسفة في حد ذاتها، الاهتمام بالذات، والطلب من الآخرين أن يهتموا بذواتهم.

إن لُب الباريسيا السقراطية، كما هو الحال مع الباريسيا الأفلاطونية، ليس السؤال عن محتوى السياسة، بل السؤال عن الموضوع السياسي، حيث كتب فوكو: “سؤال الفلسفة ليس سؤال السياسة، ولكنه سؤال الموضوع في السياسة”. وليس المهم في الباريسيا السقراطية أمان المدينة (كما في باريسيا بركليس عشية الحرب البولونيزية)، بل الأهم هو كمال الحياة الفلسفية باعتبارها الحياة الحقيقية. وبرفض سقراط للامتثال لاقتراف ظلم والتزامه بالاستماع إلى أي شخص ومساعدته ليحيا حياة حقيقية، لم تعد الباريسيا طريقة لقول الحقيقة، بل لمعايشة الحقيقة من خلال ممارسات الذات على نفسها حسب ما كتب فوكو: “أن تكون وكيلاً للحقيقة. وباعتبار الفيلسوف يطالب الذات باحتكار الباريسيا، فلا يعني هذا مجرد مطالبة المرء بذكر الحقيقة في النصيحة التي يُسديها، أو الخطب التي يُلقيها، ولكن عليه أن يكون وكيلاً للحقيقة”.

إن فهم الباريسيا الفلسفية باعتبارها حياة حقيقة، أو حياة جميلة، يتجلى بوضوح أكثر في حياة ديوجينيس الكلبي (شديد السخرية والتهكم). وأشار فوكو من أجل توضيح هذا إلى قول ديوجينيس عندما سُئل عن أجمل الرجال فقال: الباريسيا. بالنسبة له، الحياة الحقيقية هي ممارسة الباريسيا. الباريسيا الكلبية هي التجلي التام للباريسيا الأخلاقية لأنهما بالكاد لديهما “عقيدة”، بمعنى أن الإطار النظري للفلسفة الكلبية لا يهتم بالمعرفة قدر اهتمامه بالحياة الحقيقية والجميلة.

ورغم إمكانية فهم حياة الكلبيين بارتباطها الشديد بالباريسيا السقراطية حيث يعيشون ويتحدثون وفق مفهوم الحياة الحقيقية (رفض سقراط أن يصبح ظالماً)، فإن نمط الحياة الكلبي أكثر انسجاماً لتحليه بفضائل معينة مثل ضبط النفس والشجاعة والحكمة. الحياة الكلبية مُقننة للغاية، وحقيقية وجميلة. ولُب هذه الحياة هو ممارسة واحدة “إشهار” الحقيقة بالكلمات والأفعال.

الحياة الكلبية هي حياة تنبذ الثروة المادية: “الرجل الكلبي يحمل جراب المتسول، ويرتدي عباءة، ويلبس صندلاً أو يمشي حافي القدمين، وله لحية طويلة، إنه رجل ذو مظهر بائس”. وليس للكلبي عائلة، أو منزل، ولا دولة. هذا النبذ لكل شيء يمثل الحياة لليونانيين يجعل الكلبي مستقلاً وحراً. ولأن الكلبي لا يعتمد على أحد، فإنه مالك حياته. لا يستطيع أي شخص سلبه ما يملك، لأنه لا يملك شيئاً؛ ولا يمكن لأحد أن يطرده من وطنه، فليس له وطن.

هذا النبذ المُطلق للثروة المادية يمنح الكلبي حرية قول الحقيقة لأي شخص: الشرط المسبق لحياة الكلبي هو ممارسة الباريسيا. وهنا نرصد تحول الباريسيا على يد الكلبيين بعيداً عن طريقة (بركليس)، وروح الأمير (أفلاطون)، وشعب أثينا (سقراط) إلى الإنسانية (الكلبيين). الكلبي هو “كشاف” أو “مُراقب” البشرية، حسب ما كتب فوكو: “إذا رغب الشخص أن يكون مُراقباً للبشرية، [و] يحذر البشرية بصدق وشجاعة من كل ما يتهددها من مخاطر، وأين يتربص بها الأعداء، فعليه أن يكون بلا ارتباطات“. والحياة الكلبية تكشف معنى الحياة في صيغتها المُستقلة. وبالنسبة للكلبي، الحياة هي أحد تجليات الحقيقة.  ومن ثم، تصبح الباريسيا عيش الحقيقة، وليس مجرد قول الحقيقة. والحقيقة تظهر في المعرفة والنظام و”عُري الحياة“.

والطريقة الوحيدة لتعلم الفلسفة الكلبية هي أن تعيش الحياة الكلبية. وبالنسبة للكلبي، لا يتمثل تعليم الفلسفة في نقل المعرفة، ولكن في التدريب الأخلاقي. ويعطي فوكو مثالاً بالإشارة إلى الطريقة التي كان ديجينيوس يعلم بها أطفال زينيندر: علم ديجينيوس الأطفال أن يخدموا أنفسهم، وألا يطلبوا شيئاً من الخدم أو العبيد، وعلمهم ارتداء ملابس بسيطة، والسير دون حذاء، وعلمهم أن يسيروا في الطرقات وعيونهم في الأرض، وعلمهم أن يصطادوا لكي ليأكلوا. وبهذه الطريقة اكتسب الأطفال “خبرة العمل والاعتماد على الذات”. ويرى فوكو أن هذا السبب جعل الكلبية واحدة من أوائل تجليات الفلسفة “الكلية“: على الكلبي أن يتبع ويُقلد إذا كان يرغب في أن يحيا حياة حقيقة؛ حياة “ذات” سيادية حقاً. الحياة الكلبية حياة حقيقية يمكن اعتبارها حكومة الذات.

الهوامش:

– فوكو، ميشيل، 2010: حكومة الذات والأخرين –محاضرات في جامعة كوليدج دي فرانس، 1982-1983. نيويورك: بيكادور.
– فوكو، ميشيل، 2011: شجاعة الحقيقة –محاضرات في جامعة كوليدج دي فرانس، 1983-1984. نيويورك: بيكادور.
– أفلاطون، الخطاب السابع:
http://​classics​.mit​.edu/​P​l​a​t​o​/​s​e​v​e​n​t​h​_​l​e​t​ter.

 عن الكاتبة: ساين لارسن (1987) نالت درجة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة كوبنهاجن (الدانمرك) عام 2011، وتدرس الماجستير في العلوم السياسية بجامعة “مدرسة البحوث الاجتماعية الجديدة” في نيويورك. مجالات اهتمامها هي النظرية السياسية وفلسفة القانون.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s