بيضة عيد الفصح وشم النسيم: هنا تلتقي الآلهة

كتبت – كريستال داكوستا لموقع تدوينات ساينتيفيك أميريكان
ترجمة – ضي رحمي

يحتل البيض مكانة خاصة في احتفالات عيد الفصح. فالبيض يرمز للبعث والتجدد – حيث تتفجر الحياة من داخل ذلك الجسم العادي الجامد غير العابيء بما يحتويه. ولهذا السبب أصبح البيض رمزًا مناسبًا لقيامة يسوع المسيح، لكنه حمل معنى الميلاد الجديد قبل أن تتخذه المسيحية رمزًا احتفاليًا مقدسًا بفترة طويلة.

هناك منشورًا يطوف الفيسبوك لفت انتباه المتابعين على الموقع وتداولوه بكثرة على أنه “حقيقة” عيد الفصح، يقول نصّه:

“أصل عيد الفصح هو الاحتفال بعشتار، إلهة الخصوبة والجنس عند الآشوريين والبابليين. وكانت رموزها (مثل البيضة والأرنب) ولا تزال رمزًا للخصوبة والجنس (وهل كنت تعتقد حقًا أن للبيض والأرانب علاقة بالقيامة؟!) وحين قرر الإمبراطور قسطنطين تنصير الإمبراطورية، تغيّر عيد الفصح ليمثل يسوع. لكن جذوره تعود لعيد الفصح أو ايستر Easter (وهي طريقتنا في نطق عشتار) الذي هو عيد خاص للاحتفال والاحتفاء بالخصوبة والجنس”.

وبصراحة، نعلم جميعًا أن منشورات الفيسبوك أصبحت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات، خاصة حين يكون الهدف هو النقد أو السخرية من شيء أو جماعة من البشر لا ينظر لهم باستحسان. لكن من المعروف أنه في ظل الإمبراطورية الرومانية، تبنت المسيحية بالفعل الطقوس الوثنية للشعوب المهزومة في محاولة لاستمالتهم دينيًا. ونجحت هذه الطريقة نجاحًا كبيرًا لأنها سمحت للشعوب بمواصلة ممارسة طقوسها الاحتفالية من الذاكرة، ومع الوقت، ومع نسيان بعض التفاصيل، أمكن استبدال الطقوس القديمة بتقاليد أخرى جديدة. وهذا ليس سرًا. ومع ذلك، هناك بعض الأخطاء الملحوظة في المنشور الخاص بعشتار، والتي نكتشفها ببحث بسيط على محرك البحث جوجل:

كانت عشتار ربّة الحب والحرب والجنس، وكذلك الحماية، والقدر، والولادة، والزواج، والعواصف – للخصوبة علاقة بتلك الأمور بالطبع، لكنها كانت مثلما كان الحال مع أفروديت، وهذا أيضًا يعد عنصر من عناصر السلطة. وكان من بين طقوس عبادتها طقس لممارسة البغاء المقدس، حيث تنتظر النساء في معبد ويمارسن الجنس مع الغرباء طمعًا في الحصول على البركة الإلهية (والمال لإطعام أطفالهن الجياع أو سدادًا للديون).

كانت رموز عشتار هي الأسد، ونجمة الصباح، والنجوم ثمانية الأشعة – مرة أخرى، جميعها رموزٍ للسلطة.

وفي الواقع، أن كلمة ايستر Easter  ليست مشتقة من عشتار، وإنما من كلمة أوستير Eoster الألمانية، وهو اسم إلهة الفجر – واهبة الضياء. وتقع اللغتين الإنجليزية والألمانية ضمن أقلية من اللغات التي تستخدم كلمة ايستر Estar في إشارة لعطلة عيد الفصح. من جهة أخرى، صيغت كلمة فصح pascha  في اللغة اللاتينية، والتي بدورها مشتقة من عيد الفصح العبري pesach، وهو طقس ديني احتفالي يحيي فيه اليهود ذكرى خروج بني إسرائيل من مصر. وتبدو كلمتي عشتار وايستر متجانستان لغويًا: فينطقان على نحو متماثل، لكن لكل منهما معان مختلفة.

بالعودة ثانية لمنشور الفيسبوك نجد أنه ربط بين البيض وعشتار، لكن في الحقيقة لا توجد أي دلائل واضحة على وجود علاقة بين عشتار والبيض. ومع ذلك، هناك الكثير من التقاليد القديمة الأخرى التي يظهر فيها البيض كرمز للانبعاث والقيامة والميلاد الجديد، كما كان له وجودًا بارزًا في الكثير من أساطير خلق الكون:

اعتقد قدماء المصريين أن إله الشمس انبعث من بيضة في أول الزمان. وأحيانًا كانوا يتناولون الشمس بإعتبارها هي نفسها بيضة، تضعها يوميًا الأوزة السماوية، سيب، إلهة الأرض. ويقال إن طائر العنقاء قد بُعث من تلك البيضة أيضًا. وهناك البيضة الكونيّة، التي شكّلها الإله خنوم من طمي النيل باستخدام دولاب الفخار.

أما الهندوسية فقد أوجدت صلة بين محتوى البيض وبنيّة الكون: فالقشرة تمثل الجنة، والزلال الهواء النقي، أما المُحُّ فيمثل الأرض. وتصف الكتابات الهندوسية -تشاندوجيا أوبانيشادChandogya Upanishads  – عملية خلق الكون بتشقق البيض عند الفقس:

الشمس هي براهمن* – تلك هي التعاليم. وهناك تفسير آخر لها (كما يلي). في البدء كان الكون عدمًا. ثم وجد على شكل بيضة. وبعد فترة من السكون امتدت لحوالي سنة، انقسمت قشرة البيضة نصفين. نصف منهما كان من الفضة، والآخر من الذهب. ما كان من فضة هو الأرض. وما كان من ذهب هو السماء.. أما ما انبعث من داخلها فكان الشمس التي هناك.

وفي الديانة الزرادشتية، تحكي أسطورة الخلق عن صراع مستمر بين الخير والشر. وأثناء هدنة طويلة استمرت لعدة آلاف من السنين، ألقى الشر بنفسه في الهاوية، ووضع الخير بيضة، وهي تمثل الكون حيث تتدلى الأرض من القبة السماوية الزرقاء في منتصف المسافة بين الخير والشر. لكن، يتمكن الشر من اختراق البيضة ليعود إلى الأرض، وهكذا استأنفت القوتان معركتهما.

أما في فنلندا، يحكى أن لونوتار Luonnotar، إبنة الطبيعة، حين كانت تطفو ذات مرّة فوق مياه البحر، هبط على على ركبتيها نسر وبنى عشًا، ووضع عددًا من البيض. وفي غضون أيام، انبعثت الحرارة من البيض وآلمت لوناتار التي حركت ركبتيها وقذفته بعيدًا، مما تسبب في سقوط البيض وتهشمه. وهكذا تشكّل العالم كما نعرفه من الأجزاء المهشمة: النصف العلوي السموات، والسفلي الأرض، والمُحُّ الشمس، والزلال القمر.

وفي الصين، هناك العديد من الأساطير التي تتمركز حول البيضة الكونيّة، بما في ذلك فكرة أن الكائن الأول، أو أن بعض البشر ولودوا في البدء من البيض. على سبيل المثال، يُرجع البالانجانيين Palangs، أصولهم لأميرة الناجا التي باضت ثلاث بيضات، ووفقًا لمعتقد قديم لا يقتل الصينيون الغراب لأنه هو من وضع البيضة الأم التي ينحدر منها الصينيون جميعًا.

وفيما يلي نعرض لبعض الأساطير التي رسخت لوجود البيض كتقليد في عيد الفصح. وخلافًا لما يؤكده منشور الفيسبوك، هناك بالفعل علاقة بين البيض والأرانب ومفهوم القيامة: ففي هذه الأساطير القديمة، غالبًا ما وُجدَ الخالق من البيضة ذاتها بشكل ما:

فالبيضة الكونيّة وفقًا للكتابات الفيدية (الكتب المقدسة الأقدم للهندوسية)، تكمن داخلها الروح التي ستولد، وتموت، ثم تبعث من جديد. وتصف بعض مخطوطات الأساطير الهندوسية تشكيل الإله برجابتي للبيضة ثم خروجه منها بعد ذلك. وبالمثل فعل الإله براهما أيضًا، ونجد في هذا تشابه مع ما يروى عن تحوت ورع في الأساطير الفرعونية القديمة. وعلى جدران المعابد تبيّن لنا الصور المصرية عودة أزوريس، إله البعث والحساب، للحياة مرّة أخرى من داخل بيضة. ولأسطورة العنقاء تفاصيل مشابهة أيضًا، فيقال إن هذا الطائر الخرافي الجميل يعيش لمئات السنين، وبعد أن ينهي فترة حياته يلقي بنفسه في النار، ثم يخرج من البيضة، التي سبق وأن وضعها، ليعود للحياة من جديد.

وفي القرن الأول الميلادي، تم اعتماد العنقاء كرمز مسيحي. حيث نجدها حاضرة في الفن المسيحي القديم على شواهد القبور، وفي الكنائس، واللوحات الزيتية، والمنحوتات. وحسبما تقول الروايات فإن بيضة عيد الفصح هي البيضة التي خرجت منها العنقاء للحياة من جديد. وكما هو الحال مع الكثير من الرموز الدينية، حافظت بيضة الفصح على وجودها عبر الزمان. وحين أُقر الصوم الكبير في القرنين الثالث والرابع، امتنع المسيحيون الملتزمون عن تناول منتجات الألبان، بما في ذلك اللبن والجبن والزبدة، والبيض. وفي إنجلترا، كان هناك طقسًا يمارسه الأطفال في يوم السبت الأخير قبل بدء الصوم الكبير، حيث كانوا يتنقلون من بيتٍ إلى بيت طلبًا للبيض –لتناوله للمرة الأخيرة قبل بداية الصيام.

كذلك يرتبط طقس تلوين البيض أيضًا بمفهوم القيامة والميلاد الجديد. ففي حين تعددت اليوم ألوان ووسائل تلوين البيض، إلا أنه كان يُرمز تاريخيًا للعلاقة بين البيض والحياة باللون الأحمر. وفي المسيحية، كان استخدام اللون الأحمر في التلوين يرمز لدم المسيح. أما المقدونيين، فكانوا يذهبون في عيد الفصح للكنائس وهم محملون بسلال البيض الملون الأحمر، ليأكلونه بعد أن يتلو الكاهن تحية عيد القيامة “المسيح قام، حقًا قام” معلنًا بذلك انتهاء الصيام رسميًا.

أنا أعشق الطقوس الكنسية التقليدية المتعلقة بعيد الفصح. ويذكرني إشعال شمعة الفصح بطفولتي والاحتفالات بعيد ديوالي (عيد الأنوار)، وبما تمثله شموع العيد من رمزية إبعاد الظلام والتغلب عليه. وبالعودة لعشتار، ربما توجد صلة بينها وبين احتفالات الربيع، فعيد الفصح نفسه هو احتفالًا بقدوم الربيع، ولكن في عصرنا الحالي حيث ترتكب الكثير من الأخطاء باسم الدين، وحيث أصبحت الأديان نفسها هدفًا محوريًا للجدال والنقد، يجدر بالتذكير أن التداخل بين الزمن والتاريخ قد منحنا تقاليد أكثر ثراءً وتنوعًا بشكل يفوق إدراك وتصور أيً منا – لذلك لا ينبغي أن تؤخذ المعلومات المتداولة على علاتها دون تمحيص.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s