الإسلام “غير الحقيقي” والتكفير المضاد: أين الإسلام المعاصر؟

علي ميناي – مدونة Brown Pundits

ترجمة – عمرو خيري | تحرير – منصور الناصر

كلمة “تكفير” هي من أكثر الكلمات الباعثة على الخوف في المعجم الإسلامي. هي مشتقة من الجذر نفسه الذي اشتقت منه كلمة “كافر”، وهي الإعلان عن أن شخصا مسلما ما بات كافرا وخارجا عن الدين.

وهذا معناه، كما يعرف العالم كله الآن، أن هذا المسلم أصبح كافراً ويستحق القتل كمرتد بموجب بعض القواعد الإسلامية المتزمتة.

إن آلية التكفير ليست جديدة في المجتمعات الإسلامية، لكنها كانت بشكل عام هامشية. أما الآن فهي تقع في قلب التطرف الجهادي الذي أشعل العالم من نيجيريا إلى الهند، ومن بيشاور إلى باريس.

المتطرفون لا يقتلون بناء على التكفير فحسب – فرسامو كاريكاتير شارلي إبدو لم يكونوا مسلمين من الأساس– لكن تقع هذه الفكرة في المركز من عقيدتهم، التي تستهدف تحديداً المسلمين، الذين هم، وحسب رأيهم، فقدوا الحق في الحياة بسبب كفرهم.

ومن بين هؤلاء الـ 136 طفلاً بريئاً الذين قُتلوا بالرصاص في بيشاور، بالإضافة إلى جنود أكبر جيش في أي دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم. ويمتد هذا التكفير أيضا وبشكل أكثر عمومية، إلى مذاهب بأكملها، كالشيعة والأحمديين، الذين تم استهدافهم مراراً في باكستان.

ولكن، ثمة نسخة أخرى من التكفير يشهدها العالم حالياً. ولنطلق عليها “التكفير المضاد”. وهو على النقيض من النسخة المتطرفة، فهذا الصنف من التكفير جيد النوايا ويرى نفسه إنسانياً، لكنه أيضاً خطر.

هذه النسخة “الحميدة” من التكفير تتسم بفكرة أن أعمال العنف المرتكبة من قبل مسلمين يزايدون على إيمان الآخرين ليست أعمال “المسلمين الحقيقيين” ولا تمثل “الإسلام الحقيقي”. ومن ثم، يتم إعلان الإرهابيين كفاراً!

وهذه الفكرة منتشرة وظاهرة في ثلاثة سياقات مختلفة:

أولا: من قبل غير المسلمين (مثل الرئيس بوش والرئيس أوباما) الساعين لتفادي التنميط والوصم بالذنب الجماعي.

وثانيا: ومن قبل مسلمين عاديين يسعون لأن ينأوا بأنفسهم عن الذباحين، ومن قبل علمانيين مسلمين يرغبون في فصل نسختهم من الدين عن تلك التي يتبناها الإرهابيون.

وثالثا: “ويا للمفارقة” من قبل الحكومات المسلمة وقوات الأمن المسلمة الساعية لتبرير “إسلامي” لمجابهة المسلمين المتطرفين، ما يعني القبول الضمني بالحجة الجهادية المركزية القائلة بأن الردة جريمة يُعاقب عليها بالإعدام.

يمكن تفهم الرغبة في السعي وراء هذا التكفير المضاد، وله مبرر من الواقع أيضاً: حيث إن أغلب المسلمين ليسوا بطبيعة الحال من المتطرفين الذين يتبنون العنف ويرغبون في قتل الكفار. وهو تفكير يساعد في حماية المسلمين الأبرياء من الثأر، وهو أمر مهم. لكن المشكلة هي أن هذا المنطق التبريري يغذي أيضاً سرديات الإنكار ودفن الرؤوس في الرمال التي تسمح للتطرف بالازدهار.

وكما هو الحال بالنسبة لأغلب الديانات المنظمة، فإن النصوص والمعتقدات الإسلامية المؤسسة للدين يمكن أن تدعم النسخة السلمية والعنيفة في آن. ولن يتسنى التصدي للعوامل التي تقف خلف مشكلة التطرف الجهادي إلى أن يعترف الناس بأن جميع هذه النصوص تمثل في الواقع “الإسلام الحقيقي”.

فإذا كان العنف لا يمثل “الإسلام الحقيقي”، فالنتيجة هي أن الإسلام – كما يمارسه أغلب المسلمون – لا يحتاج لأي إصلاح. لكن ليس هذا حقيقياً!.

لأن إزالة العنف تحت اسم الإسلام لن تتم إلا عندما يقوم المسلمون بشكل عام برفض جميع أشكال العنف باسمه، بما في ذلك أعمال العنف التي يتم الاحتفاء بها في النصوص المقدسة وفي التاريخ.

فعندما يُنظر إلى الغزاة الذين قتلوا “الكفار” كأبطال، وعندما يُرى العالم بصفته منقسماً إلى “دار الإسلام” و”دار الحرب”، وعندما يكون الموت لأجل الله أفضل من العيش لأجل البشر الآخرين، وعندما يُنظر إلى غير المسلمين بصفتهم في مرتبة دنيا أخلاقياً، وعندما تنتهي الكثير من الصلوات بالدعاء “وانصرنا على القوم الكافرين”، وعندما يُنظر للردة والازدراء كجرائم تستوجب الإعدام. كيف يتسنى مع كل هذا النظر لعنف الجهاديين بصفته أي شيء سوى أنه نتيجة منطقية لهذه الأفكار والممارسات؟

ولكن، هذه كلها أجزاء من الإسلام “العادي”.. بعضها مستقى مباشرة من نصوص مقدسة. ما يفعله المتطرفون هو ببساطة التعامل مع هذه الأفكار بقدر أكبر من التفسير الحرفي والتصرف بناء عليها.

الشيء الفاصل بين أغلب المسلمين المؤمنين العاديين عن المتطرفين منهم، ليس مدى ضيق الأفق فيما يخص الإيمان – إذ يتشارك الطرفان في ذلك! – إنما هو الاستعداد لارتكاب أفعال بناء على هذا الإيمان.

لا عجب إذن أن المتطرفين يرون المسلم غير العنيف بصفته منافق، وهو أمر، ومن عدة أوجه، أسوأ من أن يكون كافراً.

يؤدي بنا هذا إلى سؤال مؤلم: هل المسلم الحق ليس أمامه سوى أن يكون متطرفاً أو منافقاً؟ ألا توجد بدائل أخرى؟ ومن هنا يجب أن يبدأ الحل.

السبيل الوحيد للعثور على بديل – “طريق ثالث” – هو الابتعاد عن التفسير الحرفي والتفاسير العقيمة للنصوص. على المسلمين أن يسألوا أنفسهم، لماذا لم يعد اليهود يرجمون الزانيات ولماذا كفّ المسيحيون عن إحراق الساحرات؟

لقد قاموا بهذه التغييرات، ليس من خلال إعادة كتابة النصوص المقدسة، لكن عن طريق إعادة تفسيرها لزمن وسياق جديدين. إذا كان الإسلام ونصوصه “لكل زمان ومكان” حقاً كما يقول المسلمون، فلا بد طبعاً من تغيير تفسير نصوصه مع تغير الأزمنة، وإلا تصبح تفسيرات عقيمة.

ما نراه يتكشف أمامنا هو رفض دين كامل للاعتراف بوجود هذا العُقم والحاجة إلى إعادة التفسير، وهي الخطوة الأولى نحو طريق الإصلاح. ولا يمكن أن يقوم بهذا أشخاص من خارج الدين يعظون المسلمين بمبادئ الإنسانية.

الأمر يتطلب أن يحرر المسلمون دينهم بأنفسهم من قبضة رجال الدين الرجعيين وأن يبدءوا في النظر إلى دينهم بشكل أكثر عقلانية. يمكنهم الاستمرار في أن يكونوا مسلمين ملتزمين وأن يستمر تقديسهم للنصوص المقدسة دون تبديلها، لكن لا يمكنهم الاستمرار في العيش في الماضي مع تفسير النصوص حرفياً وفرض الإيمان بالقوة على الغير.

واضح أن هذا لا يستقيم مع العالم الحقيقي “لا سيما العالم المعاصر”. يجب أن يُسمح للناس باتخاذ قرارات فردية فيما يخص إيمانهم وحياتهم!

بمعنى آخر: لابد أن يصبح الدين مسألة شخصية وخاصة، وليس شيئاً تقوم الدولة بتشريعه والسهر على إنفاذه وتطبيقه.

الحقيقة المهمة – والمأساوية – هي أن هذه الأزمة بالأساس أزمة معاصرة. ففي القرون الأولى للإسلام كان المسلمون أقل تقيداً فيما يخص تقديم التأويلات العملية البراغماتية. الحق أن أغلب ما يُنظر إليه اليوم بصفته القانون الإسلامي (الشريعة) مستقى من تفسيرات لنصوص مقدسة أعدها قادة وفقهاء ورجال دين من تلك العهود الأولى للإسلام.

لم يكونوا قطعاً ليبراليين وإنسانيين بمعايير اليوم، لكنهم كانوا عمليين للغاية. وعلى مر الزمن، جرى التخلي عن هذه العملية ليحل محلها الجمود، حتى تم رسمياً إعلان ما قيل إنه “غلق باب الاجتهاد”.

مع ذلك، قلما كان الحكام المسلمين على استعداد لأن يتقيدوا بالأحكام الدينية الجامدة، لذا استمرت حركات مهمة بالظهور، وإن كانت تنتشر بناء على أمزجة الملوك، بعض الملوك، مثل حركات “أكبر” و”دارا شيكو” في الهند، وتمادوا أكثر من ذلك، فحاولوا الانتقال نحو تأويلات أكثر توافقية وإنسانية للإسلام.

إن جذور الأصولية الحالية لا تكمن في التاريخ الأول للإسلام بقدر ما تنبع من التاريخ الحديث، تاريخ التهميش ومحاولات إحياء الدين. مع فقدان المجتمعات الإسلامية للقوة والسلطة في مواجهة الحداثة، تضاءل دور النخب الحاكمة في إعادة تفسير أحكام الدين (بالأساس لأسباب سياسية أنانية) واختفى، وأصبحت عملية الإصلاح مختلطة بالتغريب والتحديث.

أدى هذا إلى ردود فعل عدة، منها ردّي فعل مهمين في يومنا هذا بشكل خاص. الأول، حدث في حقبة الاستعمار وبعدها مباشرة، حين ظهرت مجموعة من المفكرين الإسلاميين مثل محمد إقبال وجمال الدين الأفغاني، ثم من بعدهما سيد قطب والمودودي، الذين سعوا إلى إحياء الدين بالتنويع على اللحن نفسه: خلق نسخة شبه أسطورية وممجدة من الماضي الإسلامي المجيد، حين نفذ رجال يحفّهم الكمال شبه التام إرادة الرب، وقد اجتمع هؤلاء المفكرون على فكرة دولة إسلامية واحدة مثالية – “دار الإسلام” – يحكمها المتقون.

ومن النتائج المباشرة لهذه الأفكار الإحيائية الجديدة هي ظهور باكستان كدولة إسلامية عقائدية، وإن عارضها العديد من علماء الإسلام المغالين في الدين. ومن النتائج الأخرى ظهور منظمات عقائدية عابرة للحدود الوطنية مثل جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية. وقد أدى هذا كله إلى وضع المهاد النظري للتطرف العابر للحدود الذي نشهده اليوم.

أما رد الفعل الثاني فكان تمكين مدارس أكثر أصولية من الفكر الإسلامي، وكانت قائمة بالفعل لكن يسيطر عليها الحكام المسلمون والمجتمعات المسلمة. ففي لحظة قدرية قامت حركة من تلك الحركات – يقودها رجل الدين القائل بالعودة للأصول الأولى للدين وهو محمد بن عبد الوهاب، “في غرب الجزيرة العربية” بعقد تحالف سياسي مع الأسرة الحاكمة: آل سعود.

وعلى مدار قرنين من الزمان تطورت جملة من المذاهب الإسلامية شديدة التزمت من الهند إلى المغرب، لكن ظلت إلى حد بعيد دون سند سياسي أو ظهير اقتصادي.

ولكن كل هذا تغير مع صعود السعودية كمملكة غنية مهتمة بتصدير النفط والأيديولوجيا. سنحت الفرصة النموذجية – بالصدفة أكثر منها بالتخطيط – على هيئة الغزو السوفييتي لأفغانستان، الذي أدى إلى إحياء فكرة الغيرة على الإسلام عالمياً كوقود للجهاد الأفغاني، وتمكين مدارس تلقن العقائد بالغة التشدد، وتسرب هذه السموم في نهاية المطاف إلى الجسد السياسي للمجتمعات المسلمة. البقية تاريخ نعرفه جيداً، ومن المؤلم تكراره هنا.

اليوم، التقى مسار رد الفعل على إحساس المسلمين بقلة الحيلة، بمسار الحداثة، وامتزجا. الحركة الناتجة عن هذا الالتقاء ورثت السمة العابرة للقوميات، والأفكار المعادية للإنسانية والعقيدة الرجعية، التي اتسمت بها الحركات السالفة عليها. كما عززتها تداعيات لعبة التطرف الجهادي الكبيرة القائمة في جنوب ووسط آسيا منذ عدة عقود.

قد يعتبر البعض أن من الطبيعي أن يكون التعبير عن الحركة بأقوى ما يكون في باكستان، نظراً لرؤيتها التأسيسية. لكن هذا الافتراض غير صحيح. المناطق التي تشكل باكستان كانت في واقع الأمر غير طيّعة لتكوين أيديولوجية متمايزة منعزلة، وقد غزتها نسخة من الإسلام أكثر توافقية وإنسانية بكثير.

استغرق الأمر عشرات السنين وأحداثاً جيوسياسية جساماً – مثل الجهاد الأفغاني – لجلب باكستان إلى حيث تقف اليوم. بغض النظر عن جميع المظاهر، فهي ليست بالموطن الطبيعي لعقيدة متطرفة تقف ضد التاريخ. الانعزالية؟ نعم. التطرف؟ لا.

وهو ما يعود بنا إلى مسألة “الإسلام الحقيقي”. بصفتي شخص محب للتقاليد الثقافية الخاصة بالإسلام ودارس لتاريخه وحريص على فهمه، فإنني أتفق على أن أفعال الجهاديين لا تمثل الأغلبية العظمى من المسلمين حالياً أو في التاريخ.

البشر كائنات عنيفة، وقد أدلى المسلمون بدلوهم في العنف، لكن سيكون من الحمق التام الاعتقاد بأن المسلمين – تاريخياً – أكثر عنفاً من الجماعات الأخرى. على أن من العجيب أيضاً إنكار أن العقيدة الكامنة وراء الجهاد تستند إلى المعتقدات الإسلامية العادية وأنها من ثم لا تعدو إلا أن تكون شكلاً من أشكال “الإسلام الحقيقي” – وإن كان هذا الشكل متطرف للغاية.

من الأدق القول بأن هذا التطرف “ليس الإسلام الوحيد”، ومن منطلق المعايير التاريخية، فهي نسخة تختلف كثيراً عما يمارسه أغلب المسلمين لهذا وُصفت الجماعات التي اعتنقت مثل هذه الأفكار الجامدة الأصولية بمسمى الخوارج.

وفي الوقت نفسه، على المسلمين الإقرار بأنهم لم يشيدوا الصرح المنطقي والنظري الذي يمكن من خلاله رفض التطرف رسمياً. إنما العكس هو ما حدث على مدار القرن الماضي، مع تزايد التوجهات “الحرفية” في فهم الدين، والتي اكتسبت قوة لأسباب سياسية. وهنا جوهر المشكلة: القراءة الحرفية للمعتقدات الإسلامية الحديثة حتى، يمكن أن تؤدي إلى سلوكيات تتنافى مع المجتمع الحديث.

مثل المسيحيين واليهود والهندوس والآخرين، على المسلمين أن يتجهوا إلى قراءة أقل حرفية، وأكثر استلهاماً وإنسانية لنصوصهم المقدسة، وأن يجدوا فيها المبادئ التي تثبت أمام اختبار الزمان لا التوصيفات الحرفية التي تقف ضد التاريخ.

لا يتطلب هذا اختراعاً لـ “إسلام جديد”، أو فرض “إسلام رسمي” من الدول. ولا يستتبع الأمر إعادة كتابة نصوص إسلامية مقدسة، وهو ما لم يحدث أيضاً في عهد التنوير، حيث لم تطرأ الحاجة لكتابة إنجيل جديد. المطلوب هو تغيير السلوك، تغيير كيف يفهم الناس النصوص والتقاليد.

هناك بالفعل تيارات قوية من الإنسانية والتسامح والتنوع في الأفكار والتقبل للاختلافات في التقاليد الإسلامية، في أوساط الصوفيين، والشعراء، بل وحتى في صفوف الدارسين والعلماء. المهم هو إعادة اكتشاف وإعادة تسليط الضوء على هذه السمات بالشكل الصالح لزمننا.

حتى ونحن نقلب أيدينا في يأس، فهناك أشخاص شجعان داخل المجتمعات المسلمة يحاولون إشعال جذوة هذا التغيير ويخاطرون بحياتهم ثمناً للمحاولة. أقل ما بيدنا هو أن نضم صوتنا إلى أصواتهم.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s