نبي العقل: العلم والدين وجذور الشرق الأوسط الحديث – بيتر هيل

بإذن خاص من المؤلف، تُقدّم قراءات مُجتزأ من كتاب “نبي العقل: العلم والدين وجذور الشرق الأوسط الحديث” للمؤرخ البريطاني بيتر هيل الأستاذ المساعد في جامعة نورثومبريا، نيوكاسل.

عن الكتاب:


في سنة 1813، عاليًا في جبال لبنان، جلس فتى يتابع كسوف الشمس. هل ينبئ بالحرب أو الطاعون أو موت الأمير؟ من هنا بدأت رحلة بحث ميخائيل مشاقة عن الحقيقة، وقد مشاها على مدار عمره. سرعان ما بدأ يقرأ في العلوم التي بدأها نيوتن، وأفكار فولتير وفولني الثورية. فقد دينه وابتعد عن الكنيسة الكاثوليكية. وبعد ثلاثين عامًا مع اشتعال نيران الحرب الأهلية، وجد دينًا جديدًا، البروتستانتية الإنجيلية. ثم وفي عام 1860 نجا مشاقة بحياته بصعوبة بالغة في أسوأ الحوادث التي مرت على دمشق: مذبحة راح ضحيتها آلاف المسيحيين. نحن إذن بصدد مُفارقة: صعود العلمانية العقلانية والطائفية الدينية العنيفة معًا. من خلال تتبع حياة ميخائيل مشاقة في ذلك الزمن الصاخب والمضطرب، حين راحت الإمبراطوريات تتصارع على السلطة والنفوذ، يجيب بيتر هيل على سؤال: بم كان الناس في الشرق الأوسط يؤمنون حقًا؟


المُجتزأ التالي، وقوامه المقدمة وجزء من الفصل الرابع. الجزء المُختار من الفصل الرابع هو الأكثر ارتباطاً عبر فصول الكتاب بمصر، وتحديداً مدينة دمياط في بدايات القرن التاسع عشر.

الكتاب يتحرى مقاربة جديدة ومبتكرة في بناء التاريخ الاجتماعي والفكري والثقافي، عن طريق تتبع حياة شخصية واحدة، يقدمها إلينا عبر حركتها في العالم. نعتبر الكتاب إضافة مهمة للمكتبة التاريخية عن تاريخ الأفكار والعلم والأديان في المنطقة العربية، بالتركيز على المشرق العربي. ولقد صدر هذا المُجتزأ أولاً في موقع جامعة نورثومبريا ونقلناه عنه.

المقدمة

تسلل مشاقة خارجاً من الباب الخلفي، ومن خلفه كان يسمع الصياح وصخب البنادق وضربات فأس على الخشب، بينما جمهرة من الدهماء يقتحمون منزله. كان معه صغيره وصغيرته، إبراهيم وسلمى، وحارس مسلح واحد. وقف مشاقة للحظة في الزقاق الضيق وراء بيته، الممتد عبر دمشق القديمة. رجل طويل القامة في الستين، يرتدي عباءة مرسلة وعمّة من القماش الفاخر، يشغله سؤال إلى أين يمضي.

كان ذلك بعد ظهر يوم الاثنين الموافق 9 يوليو/تموز 1860.

شهدت تلك الساعة في ذلك اليوم أقسى وأقبح واقعة شهدتها سوريا العثمانية* في القرن التاسع عشر. قامت جماعات مسلحة من المسلمين بمداهمة حي المسيحيين في دمشق، فقتلت رجالاً ونساءً وأطفالاً ونهبت الممتلكات وأحرقت البيوت. قُتل الآلاف من المسيحيين ذلك اليوم. وعندما انتهت “الأحداث” أخيراً، بعد ثمانية أيام، كان الحي المسيحي قد تحول إلى أنقاض: “لم يبقَ لا بيت ولا كنيسة ولا دير بل الجميع  صار رماداً”.[1]

الأسباب المؤدية إلى هذا العنف المرير محل نقاش منذ وقوع تلك الأحداث. في ذلك التوقيت، علا صوت الأوروبيين – وبعض المسيحيين المحليين – في تنديدهم بـ “تعصّب” المسلمين وتواطؤ الدولة العثمانية.[2] بالنسبة للكثير من الغربيين ورجال الدولة العثمانية، فإن أحداث عنف دمشق – والاقتتال والقتل بين الموارنة والدروز في جبل لبنان في التوقيت نفسه – أكدت رأيهم في سوريا العثمانية كبلد تكثر فيه الأحقاد القديمة بين المذاهب المختلفة.[3] لكن في المقابل، لامت النخبة المسلمة في دمشق الغرباء في المدينة على تأجيج نيران الأحداث: الدروز والعلويين والبدو الرحّل وجماعات من السوقة والدهماء.[4] وأشار بعض المسلمين – ومعهم ميخائيل مشاقة، لاحقاً – إلى تنامي نفوذ المسيحيين الأثرياء الذين حاولوا استغلال الحماية الأوروبية واستفزوا مشاعر المسلمين.[5]

ولقد كان ميخائيل مشاقة وأسرته من المحظوظين كل الحظ ذلك اليوم. هرب إلى ذلك الزقاق ومنه إلى تلك الحارة ماضياً عبر دمشق القديمة. وصادف في طريقه مرتين بعض المجموعات من الرجال المسلحين، فألقى على الأرض نقوداً ليشتتهم عنه، فتكاثروا عليها يجمعوها. وفي المرة الثالثة حاصره الجمع وضربوه ضرباً مبرحاً بالهراوات والفؤوس على رأسه. لكن مشاقة نجح في إقناعهم باصطحابه إلى ضابط عثماني، عرض عليه بعض الحماية. في حجرة علوية في شارع باب توما – بعد أن أنفصل عن طفله وطفلته وباقي الأسرة – راح مشاقة يتسائل في قلق عن مصيرهم. وكان قلقه أيضاً كبيراً على مصيره: فالضابط الذي قدم له الحماية المؤقتة ربما كان يتعاون مع جموع الناهبين، لعله إذن كان ينتظر أن يحلّ الظلام قبل أن يقتله.

في ساعة الغروب، جاء سبعة رجال في أيديهم السلاح يطرقون باب الدار. سألوا: “أين ميخائيل مشاقة؟” قال لاحقاً: “حينئذٍ ايستُ من الحياة”. لكن وهو يقول لحارسه المسلم المُخلص – الذي مكث معه طيلة ذلك الوقت – أن يتركه وينقذ نفسه، أدرك مشاقة أن من جاءوا لم يحضروا لقتله. كان صديقه المسلم محمد السوطري ومعه بعض أتباع الأمير عبد القادر، القائد الجزائري الشهير الذي بذل قصارى جهده لحماية مسيحيي دمشق. متسربلاً بالبرنس المغربي، مضى مشاقة معهم عبر دمشق “[يـ]دوس على القتلَى بالازقة” حتى بلغوا بيت الأمير وشاطئ السلامة. ثم إن السوطري خرج يبحث عن عائلة مشاقة، وتمكن من جمعهم في وقت قصير. نجوا جميعاً، حتى الصغيرة سلمى.[6]

وعاش ميخائيل مشاقة ليروي قصته. ولقد قصّها مرات عديدة: في رسائله التي كتبها في الأسابيع التالية للأحداث فيما راح يتعافى من إصابته في بيت السوطري، وفي المذكرات التي كتبها بعد 13 عاماً، في 1873، ومرات أخرى عديدة بلا شك في محادثاته مع الناس. شهادته حول فراره بصعوبة من الموت، وملاحظاته الدقيقة عن تفاصيل وأسباب الأحداث أصبحت مرجعاً لا غنى عنه لفهم مأساة سنة 1860 في دمشق. هو معروف للمؤرخين والباحثين المعنيين بالشرق الأوسط – قبل أي شيء – بصفته الشاهد على الأحداث.

***

نحن في أحداث 1860 العنيفة في دمشق وجبل لبنان بصدد لغز. على جانب، فهذه الأحداث تُرى – كما حاجج المؤرخون اللاحقون – بصفتها بداية السياسة الطائفية. في أعقاب المشروعات الإصلاحية للدولة العثمانية، ومع تنامي تدخل القوى الأوروبية في بلاد الشام، أصبحت المذاهب الدينية أكثر ظهوراً وأشد تمايزاً عن بعضها البعض. أصبح دين المرء بشكل متزايد يعرّف مواقفه السياسية.[7] وفي الوقت نفسه مثلت أحداث 1860 بداية ردة الفعل ضد هذه الرؤية الطائفية للعالم. في بيروت، مع تزايد اللاجئين المسيحيين فيها، كتب المثقف بطرس البستاني رسالة إلى “أبناء وطنه” يطالبهم بإنهاء العنف. قال في رسالته إن كل “السوريين” يجب أن يتعاونوا معاً من أجل “وطنهم” مع الولاء للدولة العثمانية، لا أن تتنازعهم الولاءات المذهبية.[8] وعلى مدار العقود التالية من القرن التاسع عشر مضى في نفس المسار كتاب عرب غيره، طالبوا بأشكال أكثر علمانية للسياسة والمجتمع.[9]

ترك القرن التاسع عشر للشرق الأوسط إرثاً مثيراً للعجب بالمعنيين السلبي والإيجابي. على جانب، جلب أشكالاً جديدة من الالتفاف حول الهويات الدينية: ليس فقط في صورة أحداث طائفية مخيفة مثل أحداث 1860، إنما أيضاً حركات بعث وإحياء ديني جديدة، للمسلمين والمسيحيين معاً، بناء على تصورات للهوية الدينية أكثر تشدداً وحزماً. وعلى الجانب الآخر، شهد القرن نفسه بداية أشكال جديدة من العلمانية في السياسة والثقافة: تنامي المجال العام الذي لا يهيمن عليه رجال الدين بل المثقفون العلمانيون مثل بطرس البستاني، وصعود وجاهة واحترام العلوم الحديثة، وفكرة الدولة كشيء منفصل عن المقولات الدينية عن الحُكم، تعلو وتسمو فوق مختلف المذاهب الدينية. يمكن رؤية هذا الصنف وذاك من التحولات تحت مسمى “الحداثة”، وهي ظواهر تستمر في تشكيل المشهد الثقافي والفكري للشرق الأوسط حتى اليوم. لكنها ظواهر نفكر فيها بصفتها متناقضة ومتعارضة، تتنافس على ساحة السياسة والفكر في العالم العربي. كيف تخرج هذه الأفكار وتلك معاً في اللحظة نفسها وفي ظل هذا التجاور؟

يمكن أن نجد بعض الإجابات على هذا السؤال إذا اقتربنا أكثر من ميخائيل مشاقة، والمسارات التي مضى فيها قبل تلك اللحظة الصعبة في يوليو/تموز 1860. كان مشاقة أكثر من شاهد على عصره؛ كان مشاركاً في صنعه. ميخائيل مشاقة الذي وُلد عام 1800 عاش ستين عاماً قبل أن يصادف “أحداث” دمشق العنيفة. قبل أكثر من عشر سنوات بقليل، كان مشاقة في القلب من نزاع مذهبي آخر أقل عنفاً. في يوم عيد الملاك ميخائيل في خريف 1848 أعلن خروجه عن الطائفة المسيحية التي نشأ فيها، كنيسة الروم الكاثوليك، ليتبنى ديناً جديداً غير مألوف ولا معروف حينئذ، هو المسيحية البروتستانتية الإنجيلية التي وصلت إلى شطآن سوريا العثمانية قبل ربع قرن على يد الإرساليات الأمريكية القادمة من ولايات نيوإنغلاند. على مدار الأشهر التالية اشتبك مشاقة في نقاشات محتدمة مع راعي الكنيسة التي تركها، ماكسيموس مظلوم بطريرك الروم الكاثوليك. في المنشورات الخطابية التي طبعها في مطبعة الإرسالية الأمريكية، كشف مشاقة عن أنه لم يعد كاثوليكياً مؤمناً منذ ثلاثين عاماً. فقد إيمانه – ليس الكاثوليكية فقط إنما الأديان كلها – في سن الثامنة عشر، بعد أن قرأ ترجمات عربية لكتابات علمية وكتابات أخرى من عصر التنوير الأوروبي. منذئذ ظل متشككاً أو مؤمناً بالله دون الإيمان بالدين، يمضي “حسبما يرشدنا النور الطبيعي المغروس فينا”. وقال إن “كل الشرايع فاسدة”، هي محض “خرافات” أقرب ما تكون إلى السحر.[10] ولم تتغير آراء مشاقة تلك إلا عندما صادف كتابات البروتستانت. للمرة الأولى اقتنع بأن الوحي الإلهي مهم. ولقد أقنعته حجج البروتستانتة لأنها متأسسة على العقل.

كان مشاقة شخصاً استثنائياً. وكان مساره عبر الشك إلى الإيمان مساراً شخصياً للغاية. لكنه لم يفكر كل تلك الأفكار في عزلة، إنما بالانغماس في تقلبات وتحولات عالمه الاجتماعي، سوريا العثمانية في القرن التاسع عشر. لم يعش مشاقة حياة دعة وانعزال قبل 1860، إنما كان في أوقات مختلفة تاجراً وصرافاً، ومُلتزم أراضٍ زراعية ومستشار لمختلف الأمراء في معاقلهم في جبل لبنان. مارس الطب وتمكّن من جملة من الحقول المعرفية، من الرياضيات إلى العلوم الطبيعية، دون أن يتعلم تلك العلوم بشكل منظم أو رسمي. وعندما بدأت الدول الأوروبية تتدخل بقوة في سوريا العثمانية، في عام 1840، أصبح مشاقة – الذي لم يكن يتحدث سوى العربية – وسيطاً نافذاً بين ممثليهم وأصحاب السلطة المحليين والإرسالية الأمريكية. في عام 1860 كان يحمل – من بين عدد من الأدوار – صفة نائب القنصل الأمريكي في دمشق، وكان على صلة قوية بشبكة دولية من الإنجيليين. ووراء مسار مشاقة من العقل إلى الدين – بالإضافة إلى قناعاته الفكرية – أواصر علاقاته الاجتماعية والمادية المتغيرة، والتغيرات المقلقة والمتقلبة لعصره وعالمه.

هذا الكتاب قائم على رهان: أن عن طريق إمعان النظر في حياة شخصية واحدة استثنائية، يمكننا الإجابة على أسئلة أكبر حول طبيعة مجتمعه وكيفية تغيّره. إن غرابة قصة مشاقة تُلزمنا بالتوقف والسؤال: بم كان الناس يؤمنون حقاً في القرن التاسع عشر في العالم العربي؟ غالباً ما يُجاب على هذا السؤال بشكل متسرع، ما إن يُسأل: من الواضح أنه كان هناك مسلمين ومسيحيين ويهود، وهلم جرا، ونعرف تعاليم كل من هذه الديانات. لكن تلك الطريقة لرؤية العالم العربي بصفته مجموعة من العُلب الدينية المغلقة والمتجاورة قد يكون نتاجاً لثقافة دينية جديدة ظهرت للوجود في القرن التاسع عشر. إذا استغرقنا أكثر فسوف نبدأ في مصادفة واقع أكثر التباساً وتعقيداً، فيه الكثير من التداخلات والاشتباكات غير المتوقعة. إذ أن مشاقة – المتشكك على نهج فلسفة التنوير – كان شخصية استثنائية وبعيدة عن المألوف في عالمه (وإن كان كما سنرى لم يكن في عزلة تامة في موقفه ذاك). لكن فرديته تسمح لنا برؤية التنوع الفكري لمجتمعه والقيود المفروضة على هذا التنوع، بأشكال قد تخالف توقعاتنا.

لقد أسهم مشاقة في تغير ثقافي هام: ذلك التحوّل الذي شهدته الثقافة والتقاليدالدينية في العالم العربي مارةً عبر عتبات مهمة وجذرية في القرن التاسع عشر، وما زال هذا التحوّل يمضي في اتجاهه هذا حتى اليوم. هنا أيضاً يعد مشاقة متفرداً واستثنائياً. فهو على جانب كان بروتستانتياً يشتبك بقوة في جدل فكري محتدم ضد الكاثوليك، وهو من الشخصيات التي ابتدعت هويات دينية جديدة في تفاوض مع الدبلوماسيين الأوروبيين والدولة العثمانية. وعلى الجانب الآخر، كان مناصراً لنهج عقلاني في التعامل مع المعتقد الديني، وناقد شرس لتورط القيادات المذهبية في السياسة ورائد في صنف جديد من النقاش العام على صفحات الكتب والجرائد المطبوعة بالمطابع. إذن يحتل مشاقة مكانه داخل جذور بروز الهويات المذهبية ونشوء العلمانية العقلانية في الفكر العربي: هو رائد وطليعي بمعنى من المعاني، لكنه طليعي متقلب مضطرب. مع الاقتراب منه أكثر، نبدأ في فهم كيف أن هذين التيارين، الديني والعقلاني اللذين نراهما حالياً ضدين، قد خرجا إلى العالم في نفس اللحظة التاريخية. فالجدل والشجار – كما سنرى – يعنيان بطبيعة الحال الحوار.

ميخائيل مشاقة – المصدر: ويكيبيديا

إذا سعينا إلى البحث في سيرة شخص واحد يكشف لنا عبر رحلته هذه الصورة المعقدة، فإن مشاقة مرشح قوي لاحتلال هذه المساحة. هو استثنائي بسبب كمية المعلومات التفصيلية الشخصية المتاحة عن حياته. صادفته للمرة الأولى عبر الترجمة الإنجليزية لمذكراته، التي ترجمها ويلر ثاكستون الابن ونُشرت في عام 1988.[11] ومن خلال مذكراته بدأت أشعر بغرابة قصة مشاقة: فهو رجل خسر إيمانه في مجتمع افترض الكثيرون أنه متشبع بالدين. بالبحث عبر الإنترنت وجدت نسخاً مرقمنة من بعض المنشورات التي كتبها بعد تحوله للبروتستانتية. والغريب أن الكثير منها متوفر على مواقع مخصصة للدعوة الإسلامية. ومع قراءة ما صادفت من مطبوعات فهمت الجانب الخشن من شخصية مشاقة الفكرية: عناده واقتناعه بصحة اعتقاده واستعداده لتوبيخ خصومه. ثم فكرت أن هناك شيء هنا يتجاوز مشاقة كفرد. بدأت في تعقب المصادر الأخرى حول هذا الرجل الغريب. ولم أكن واثقاً بعد من طبيعة ما أبحث عنه؛ إذ كنت أعمل على إتمام كتاب آخر، حول الكتابات الطوباوية في العالم العربي خلال القرن التاسع عشر. وخطر لي أنني ربما قد أكتب مقالاً أو مقالين عن مشاقة واكتفي بهذا القدر.

ثم تغيرت رؤيتي وأنا في مكتبة هوتون في جامعة هارفارد، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016. ذهبت إلى المكتبة بنوايا غير واضحة، للاستفادة من مؤتمر أكاديمي عُقد في مدينة بوسطن القريبة من هارفارد. كان في تلك المكتبة أوراق القس إيلي سميث الشخصية، التبشيري ابن ولاية كونيكتيكت والذي أصبح من أقرب أصدقاء مشاقة. وجدت كتابات سميث بالإنجليزية مصنفة تصنيفاً دقيقاً، ولكني لم أجد الكثير من المعلومات عن مجموعات أوراقه الأخرى، بالعربية. ومن ثم وصلت إليها: ثلاثة صناديق من الأوراق غير المصنفة، أغلبها رسائل لم يسبق دراستها. وأنا أقلب فيها أدركت أن أغلبها رسائل بين سميث ومشاقة بعد تحول الأخير إلى البروتستانتية في 1848: مصدر لم يستفد منه أحد بعد. وأنا أقرأ الرسائل المكتوبة بخط عربي منمق دقيق، بدأت أثمن العلاقة القوية بين الرجلين، وبدأت أرى جوانب جديدة لأفكار مشاقة وآماله وبواعث قلقه. بالنظر إلى شمس الخريف خارج المكتبة في حرم جامعة هارفارد، أدركت ذلك اليوم أن قصة مشاقة يجب أن تأخذ صورة كتاب.

وعلى مدار السنوات التالية تعقبت مشاقة عبر مجموعة أعرض من الأرشيفات والمصادر. لقد ترك آثاره في أماكن كثيرة. مشاركته في سياسة التدخل الأوروبي في سوريا تركت لنا سجلاً في الملفات الدبلوماسية البريطانية والفرنسية، وكذلك الأمريكية. وقربه من الإرساليات الأمريكية ترك لنا إشارات وخيوط عديدة في الأرشيفات الأمريكية فضلاً عن رسائله إلى إيلي سميث. وأسرته – وقد أدهشني وسرني اكتشاف ذلك – كانت ما زالت لديها الكتب التي كانت في مكتبته، وأوراق ومخطوطات خاصة غير منشورة، في سوريا ولبنان وجنوب أفريقيا، وقد شاركوني بسخاء نسخ منها. لكن وجدت آثاره أيضاً في مواقع غير متوقعة: في أرشيف الكنيسة الكاثوليكية في روما، حيث ظهر توقيعه على عريضة مرفوعة لبابا الفاتيكان، وفي الجامعة الأمريكية ببيروت بين أوراق مؤرخ لبناني، احتفظ بصورة ضوئية لأحد عقود البيع الخاصة بمشاقة، ومجموعة مخطوطات في دار الكتب والوثائق المصرية في القاهرة، حيث وجدت مرة أخرى خط يد مشاقة

المنمق الدقيق، هذه المرة على هامش كتاب عن الفلك، والذي – كما اكتشفت – لعب دوراً محورياً في رحلته الفكرية.

وأنا أتعقب مشاقة، بحثت أيضاً عن آثار للمجتمعات التي كان عضواً فيها، والكثير منها مجهول لنا، لكنها شكلت رحلته الفكرية. صادفت حاكم جبل لبنان الأمير بشير الشهابي، وتجار وأكابر تجمعوا في بلاطه. وتفحصت مرة أخرى حلقة متعلمة من المسيحيين الروم الأرثوذكس، وقد ترجموا كتابات عصر التنوير إلى العربية للمرة الأولى في مدينة دمياط الساحلية التجارية العامرة. وبحثت في شأن مجموعة صغيرة من العائلات ببلدة حصبايا الجبلية، الذين تحولوا إلى البروتستانتية قبل مشاقة، في 1844، واجتذبوا دعمه وأثاروا إعجابه، وكذلك المجتمع الكاثوليكي الثري المتحرك الصاعد في دمشق، بما ابتُلى من انقسامات غاضبة. وأخيراً وليس آخراً، درست رجال الإرساليات البروتستانتية أنفسهم، تلك الشخصيات الفضولية الغريبة، وقد انتقلوا إلى سوريا ومواقع أخرى كثيرة في جميع أنحاء العالم، وأخذوا معهم كل تحيزاتهم وافتراضاتهم الغربية، وتصميم شديد وصادق على التبشير “بالمسيح” فقط وحصراً.

هذا الكتاب هو نتيجة هذه الرحلة. ولقد حاولت أن أتعقب وأفسر – قدر الإمكان – رحلة مشاقة الفريدة من الإيمان إلى الشك ثم إلى الإيمان من جديد. آمل في المقام الأول أن أحسن سرد قصته، أو على الأقل تلك الأجزاء منها التي تمكنت من استردادها وكشفها. لكن في أثناء هذه العملية، آمل أيضاً في إظهار كيف أن قصته بكل ما فيها من غرابة قادرة على الكشف عن شيء أكبر بكثير: تغير في طبيعة ومكانة الدين في العالم العربي، وهو التغير الذي تلازمنا حتى الآن عواقبه وتبعاته. في هذا الكتاب، سيبقى ميخائيل مشاقة دليلي إلى أركان وزوايا من التاريخ قلّ استكشافها والبحث فيها، لكن هذا هو هدفي بشكل عام: أن أُظهر تحولات “الدين” و”العقل” في سوريا العثمانية خلال القرن التاسع عشر، وكيف يمكن أن تجلب “الحداثة” معها العلم والعلمانية، وأيضاً هويات دينية جديدة فاصلة وقاطعة.

الفصل الرابع

بلبلة الأفكار

[مجتزأ من الفصل – تُرجم بتصرف، الصفحات 82 – 90]

بين 1813 و1819 كان الطاعون يزور دمياط بشكل شبه سنوي، يظهر كل عام بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، ويبقى حتى يونيو/حزيران أو يوليو/تموز.[12] وكانت الدلتا معرضة لهذا المرض، لكن شاع أيضاً في المدن على امتداد الدولة العثمانية.[13] نحن الآن أقدر – مقارنة بحالنا قبل سنوات قليلة، أي قبل كوفيد-19 – على فهم تحديات انتشار الأمراض الوبائية، لكن يجدر بنا تذكّر مدى خطورة ذلك المرض، الطاعون الدمّلي الذي كانت تحمل عدواه البراغيث على أجسام الفئران. كان قادراً على قتل 10% من سكان المدن الكبرى كل بضع سنوات، و30% من السكان في بعض الحالات، وهو ما أسهم كثيراً في الحاجة إلى انتقال سكان الريف إلى المُدن بشكل مستمر لتعويض الخسارة.[14] وعلى امتداد موسم الطاعون كان كل الناس في مدينة مثل دمياط – بطبيعة الحال – يعرفون بأعداد الوفيات، وإن كانت التقديرات بلا شك غير دقيقة. في ذروة طاعون 1813، كما زعم الأب الماروني أنطون مارون، كانت مائة جنازة تخرج من المدينة يومياً.[15] وكما تبين لنا في الجوائح المعاصرة، كان من السهل على الناس أن يعتبروا الطاعون مشكلة غيرهم من الناس، حتى يقترب المرض منهم. في عيد القيامة 1813 كثر الكلام عن الطاعون في دمياط، لكن الكاثوليك لم يهتموا كثيراً. ثم ضرب الطاعون أحد أبناء الطائفة فجأة، وقد مات قبل أن يمسحه الأب أنطون بالمسحه. وكتب عن تلك الواقعة: “ولست أقدر أشرح ما قد حصل من الخوف عند جماعة المسيحيين من وفاة المذكور”.[16]

كان الطاعون لمّا يحضر يمثل مشكلة للجميع. لكن لا يوجد إجماع على سببه أو كيفية مكافحته. تراوحت نظريات أسباب الطاعون بين الديني (حكم إلهي) إلى الفلكي، ومن السحري (مطعون من جن خفي) إلى الطبيعي.[17] وكان بالإمكان المزج بين أكثر من علة مسببة للطاعون (الرب ينفذ إرادته عبر الأسباب الطبيعية، أو الجن، أو النجوم؛ وقد تؤثر حركة النجوم والأجرام السماوية على حالة الطقس ومزاج الجسد)، ولكل مزيج تنويعات مختلفة. ومن ثم كانت طرق التعامل مع الطاعون متنوعة ومثيرة للجدل. ومنها الصلاة الجماعية (للمسيحيين واليهود والمسلمين معاً، أو صلاة جماعية لأتباع ديانة واحدة) التي أقبل عليها الناس وأثارت الخلاف والجدل.[18] وورد في بعض الكتب العلاجية صلوات للرب والقديسين، ووصفات ومعادلات وأحجبة (بعضها يستعين بالله وبعضها يبدو وكأنه تعاويذ تعمل “تلقائياً” في تأثيرها)، وعلاجات طبية (ترياقات ووصفات عشبية)، في تجاور لهذا مع ذاك.[19] واكتفى البعض بالصلاة والدعاء حصراً أو بالعلاجات الطبية فقط.[20]

وكانت النظريات الطبية في حد ذاتها مثار جدل واسع. فالأب أنطون مارون أعرب في عام 1813 عن ازدراء النظرية القديمة التي تقول بأن الطاعون ينتقل جواً، وأبدى الاستياء من العلاجات القديمة:

الطاعون لا رايحة له (غير محمول جواً) ولا سريان حتى أن حمل اللادن والخل المركب الذي اعتادت الناس على حملها في أيام الطاعون فهذا لم رأينا له ثمرة ولا عبرة فيه.[21]

إنما كان ينتقل “بالملامسة [فقط]، إما للمطعون نفسه أو لمن معاه زفرة الطاعون من ملامسة المطعون”، أو بملامسة غرض – خصوصاً الثياب والأقمشة لامسها مريض الطاعون.[22] وأوصى مارون

بدهن اليدين بالعرقي ]الكحول[ الخالص وشرب كاس واحد ]من الكحول[ قبل دخول محل المطعون …] أو[ وضع النشوق المنخرين ووجود الدخان،

فضلاً عن تعاطي القليل من الجلاب وملح “الطرطير” وبعض السكر والصبار والمر والزعفران.[23] ولقد انقسم الزوار الأوروبيون – الذين ذهب بعضهم إلى الشرق لدراسة الطاعون – في وصفاتهم للتعامل مع المرض. استعان الطبيب الأيرلندي “ريشارد مادين” في عشرينيات القرن التاسع عشر بممارسات مشابهة لممارسات الأب مارون، بينما اختلف وهو وأطباء أوروبيون آخرون معه في نظريات العدوى و”ناقلات العدوى” المحمولة جواً.[24]

دمياط في القرن التاسع عشر. المصدر: https://itoldya420.getarchive.net/amp/media/damietta-3-66f440

وكان ثمة علاج بسيط وفعال، هو الفِرار، وإن شكك علماء الدين في مدى تقوى هذا الحل، وربما كان الناس يحجمون أيضاً عن التخلي عن أقاربهم وأصدقائهم.[25] وقبل 1818 بكثير، أعدّ الكثير من الميسورين من المسيحيين والمسلمين في الدلتا وعلى الساحل السوري بديلاً، ربما اعتمد على مثال ما كان يفعله الأوروبيون بينهم.[26] كما قال نقولا الترك في 1816:

إن حلّ طاعون بأرض فارحل             أو فاحتجب من خلف باب مُقفل[27]

هذا العزل الذاتي أو “القفلة” كما وُصف، يبدو أنه اعتمد على التفسيرات الطبية مثل تلك التي تبناها أنطون مارون:

                        وشان [هذي] العلّة العضّالة                و[الآفة] المهلكة القتّالة

                        أن تعدي الأبدان عند اللمس

و”ليس بالشم” أو العدوى عبر الهواء.[28] من ثم، كان لابد من الاحتياط بكل حزم من ملامسة الأغراض في أماكن انتشار المرض: بعض الأشياء لا يمكن جلبها إلى منزل “مقفل” بالمرة (مثل “ورق الكتابة وورق الخوشف والدفاتر والقطن والشمع وكامل الأشياء العطرية” كما قال أنطون مارون).[29] وهناك أشياء أخرى – الطعام والأطباق والنقود والرسائل – كان لابد من غمسها في أوعية بها الماء أو الخل، كانت تُترك لدى الباب.[30] وكانت الأقمشة هي الأغراض الأكثر عرضة لشبهة حملها للمرض:

                        وجل ما يؤذيك يا إنسان                     الصوف ثم القطن والكتان

                        والشعر ثم الجلد ثم الريش                   كل به يمتد ذا تشويش

                        والحبل والخيطان والأوراق                 السم فيها كلها خرّاق

                        ثم الحرير الخام والمحزوم                  ونوعه المحلول والمبروم[31]

وكان على أرباب المنازل الاحتراس من دخول القطط، أو “ريش وشراميط وفتل خيطان وقشور الفواكه” التي قد يحملها الهواء من الأسطح إلى البيوت.[32] وقيل إن إهمال هذه القواعد الصارمة قد يؤدي إلى عواقب خطرة: “الحذر ثم الحذر من التهاون”، كما قال الأب مارون.[33] وأفاد بوفاة فتاة اسمها كاترينا السيار بعد أن لامست فوطة ملوثة بالطاعون.[34] لكن لدى فرض هذه التدابير بكل حرص – من قِبل من يقدرون على تحمل أعباء تطبيقها – كانت على ما يبدو فعالة. في 1813 ذكر مارون وقوع ست وفيات فقط بين جماعة الكاثوليك الميسورين، بنسبة 3 بالمائة فقط مقارنة بتعداد وفيات في دمياط بلغ 4000، أي ما يتراوح بين 10 و20 بالمئة من إجمالي تعداد السكان.[35] وفي جبل لبنان في تلك الأثناء طبّق الأمير بشير الشهابي الحظر لمنع انتشار الطاعون وانتقاله من الساحل، ويبدو أنه نجح في مسعاه.[36] والمُرجح أن الحظر المفروض بشكل متفرق وعشوائي على نشاط الموانئ كان أقل فعالية، وإن عرقل التجارة كثيراً، بما في ذلك في دمياط.[37]

لكن لا هذه التدابير ولا النظريات التي تنهض عليها قبلها الجميع. في عكا، عام 1813، قال الكاتب الكاثوليكي إبراهيم العورة، إن أغلب المسلمين “كان يلتفت بخصوصه [أي الطاعون] إلى المقدّر”.[38] أما الوالي – في تقديره – “فما اعتبر الطاعون ولا خاف ولا التفت له. بل كان حتى يستخف عقل كل من يخاف منه ويحتسبه ما ه عقل ولا رأي”. ولم يكن هذا هو موقف جميع المسلمين؛ إذ أن كتخدا الوالي “كان يخاف جداً”، كما قال إبراهيم العورة، واتخذ خطوات حثيثة لحماية أسرته.[39] أما والي عكا الأسبق، في عام 1760، فقد ضحك – كما نقل عنه أحد المسافرين – من انتقاد المفتي الأسبق لما اتخذ من إجراءات ضد الطاعون (القفل والحظر)، وهي الإجراءات التي اتبعها مسلمون آخرون.[40] لكن في دمياط في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، يبدو أن المسلمين لم يطبقوا القفل.[41] لكن مع تدهور أزمة الطاعون في أواسط يونيو/حزيران بدلاً من أن تنفرج كما كان متوقعاً، خرج الصبية المسلمون إلى الشوارع يدعون ويبتهلون بانزياح الغمّة، وذلك بتشجيع من الشيخ المسلم الثري علي الخفاجي.[42] وكان للمؤسسة الرومية الأرثوذكسية رأياً سلبياً في القساوسة الذين لجأوا لإجراءات الإقفال.

حتى من وثقوا في الإجراءات الدنيوية لمواجهة الطاعون، فربما كانوا على وعي بالتوترات بين تلك الإجراءات وما يقتضيه الاتكال على الله. نجح أنطون مارون في توفيق واجباته الدينية مع سلامته الشخصية، باتخاذه إجراءات مشددة للوقاية من الطاعون (العزل والتعقيم والتبخير)، واستمراره في زيارة أبناء الطائفة (بما يشمل ضحايا الطاعون) على امتداد عام 1813. قبل بدء تلك الخطة الخطرة لرعاية المصابين أدلى باعتراف عام: “مسلماً حياتي بيد المسيح ووالدته شفيعتي الطاهرة”.[43] ثم افتتح قائمة القواعد التي وضعها حول “القفلة” بأن ذكر في تقوى:

أولاً: يجب على من يقفل يلقي كل اتكاله على الله تعالى طالباً منه النجاة من هذا التشويش القتال للناس.[44]

ثم إنه مضى إلى قائمة فصّل فيها الإجراءات العملية اللازمة للوقاية، دون إشارة ثانية إلى العون الإلهي. واختتم نقولا الترك قصيدته الناصحة حول الطاعون بتعبير تقي مشابه:

وبعد إتمام لذا القانون                        بالاحتما في مدة الطاعون […]

سلم جميع الأمر للرحمان                   تسليم عبد مخلص الإيمان

واعلم [بأن] لا شيء يبدو أصلاً                        إلا بإذن الله فاحذر جهلا[45]

يبدو من المذكور أن الترك ومارون كانا واعيان بالتوترات المحتملة بين رد الفعل المتوقع من الاستعانة بالله والاتكال عليه أو الإيمان بـ”القدر”، واتخاذ الاحتياطات وسبل الوقاية على شاكلة ما أوصيا به من إجراءات. […]

لكن ربما وقع آخرون في نفس التناقض بين الإلهي والدنيوي، من إجراءات دقيقة للوقاية، ودفعوا بتبعات هذا التناقض إلى ما هو أبعد. يبدو أن ميخائيل مشاقة قد فعل هذا، فعن لقائه بالطاعون وتعامله معه في دمياط قال في مذكراته:

وسنة وصولي لدمياط كان أخي أندراوس قد وقع بهذا المرض وقام منه سالماً. لكنني وجدت على باب بيت عمي وأبواب مخادعه ملصوقاً في أعلاها أوراقاً مكتوب فيها مريم حبل بها بلا دنس. فسألت عنها أجابوني أنها تمنع دخول الطاعون  إلى المكان التي تلصق على بابه. كما حقق لنا ذلك حضرة الأب القس لياس ]إلياس[ كاهننا العالم تلميذ مدرسة رومة، قلت لهم هذه الأوراق بهذه السنة حتى لصقتموها؟ أجابوا لها خمس سنوات. قلت هي إذاً خرافة قسيسية! حيث أن أخي دخل إليه الطاعون وهي ملصوقة على الأبواب.[46]

عبارة “خرافات قسيسية” جاءت على غرار اصطلاحات فولني أو فولتير، وربما كانت تلك الواقعة بعد بدء مرحلة مشاقة مع التشكك التنويري.[47] لكنه ربما أيضاً علق على عدم فائدة هذه اللافتات السحرية قبل ذلك، بعد وصوله إلى دمياط مباشرة – وربما أندراوس نفسه هو من أوضح له هذه الواقعة وهذا التناقض – وربما لعبت هذه الواقعة أيضاً دوراً في فقدانه لإيمانه بالدين. على الأقل، تسمح لنا هذه الواقعة برؤية كيف تقاطع التشكك التنويري عند مشاقة – على ما يبدو – مع توترات قائمة بالفعل لدى المجتمع بين المعتقد الديني والممارسة. ويضيف مشاقة:

أجابوني لا تكن قليل الديانة وتلقي الشكوك. أما سمعت كلام الإنجيل يقول ويل لمن تأتي الشكوك على يده؟ ألا تعلم أن الأب لياس هو من العلماء الأتقيا ويعتنى بكتابة هذه الأوراق ويضعها تحت الكاس في قداسه يوم عيد الحبل بلا دنس لهذه الغاية؟ ولولا أنه يعرف صحة نفعها فما كان يتعب نفسه بهذا العمل. وأما إصابة أخيك بالمرض يثبت لنا شكوكه وقلة إيمانه بالأشيا المقدسة وكثيرون الذين وقعوا بالطاعون نظيره وأكثرهم قد ماتوا من عدم إيمانهم.[48]

لكن مشاقة – كما يتذكر الموقف – يُخضع هذه المزاعم لاختبار العقل:

أجبتهم إذا كان الأب لياس يعتقد بمنفعة هذه الأوراق، فما باله يخاف الطاعون ويهمل خدمة رعيته ويحتجب في بيت الخواجات عيروط ويضطر الأب أنطون مارون أن يخدمها فوق خدمته لأبناء طايفته وكان اخر جوابهم أنك إنسان متعنت لا تقتنع بشيء فتركتهم في ضلالهم يغمرون.[49]

وربما كانت تلك التوترات التي أشار إليها مشاقة قد رصدها آخرون لم يعرفوا شيئاً عن عقلانية التنوير. نعرف من أنطون مارون أن اتهامات مشاقة للأب إلياس خليل كانت صحيحة. عندما جاء الطاعون في 1813 دخل الأب إلياس الإقفال وترك مارون وحده يخدم رعية الكنيسة، وقد قام مارون بهذا العمل لكن مع تحري أشد الاحتياطات، وخرج من الوباء بلا أذى. عندما جاء الوباء في العام التالي، ظن مارون أنه ربما حان دور إلياس لتحمل الخطر، لكن زميله دخل الإقفال مرة ثانية.[50]

في المجمل، يمكن أن نرى كيف أن الخوف من تهديد الوباء واقترانه بإبراز التناقضات بين والممارسة الدينية والعلمية، ربما أدى بالناس إلى التنقل بين فئات مختلفة من المعارضة للدين. من عدم الاحترام لقس معين مثل الأب إلياس، ربما انتقل البعض إلى مرحلة تحدي بعض ممارساته الدينية أو الطعن فيها، مثل الأوراق المقدسة المذكورة، بناء على عدم اتساقه وإيمانه الكامل بجدوى الأوراق، أو انطلاقاً من التفكير في الاختلاف بين هذه الممارسات “السحرية” وممارسات سلطة دينية أخرى، تتمثل في أنطون مارون. وربما غرس هذا بذور إحساس أعرض بالشك في فعالية الشعائر الدينية على اتساعها. حيثما ظهر الطاعون إذن، فربما وجدت آراء التنوي ر التي ساقها مشاقة صدى لا بأس به في صفوف الناس، في سياق أعرض من “التبلبل” والاحتكاك بين المعتقدات والممارسات الدينية والسحرية والعلمية. كان تأثير فولني وفولتير يتمثل – لا محالة – في تعميق وإبراز التناقض بين ردود الفعل السحرية والدينية على جانب، والتعاملات العقلانية العلمية على الجانب الآخر. ولقد قدّمت المناقشات حول التنوير ومعارضته هذا التناقض بشكل واضح وصريح، فتشكل الجدال عن فعالية الدين حول “الإيمان” و”العقل”، بقدر أكبر من التفاف النقاشات الفكرية الأخرى في سوريا ومصر العثمانيتين في العقد الثاني من القرن التاسع عشر. لكن هذا لا يعني أن تلك النقاشات – أو رد مشاقة القوي عليها – كانت استثناءات أو نتاج خطاب أوروبي معزول لا معنى له في سياق العالم العربي. إنما كانت قادرة على أن ترتبط وتتواشج مع مجموعة من الاحتكاكات والنقاشات و”التبلبلات” (على حد تعبير مشاقة) القائمة من قبل، حول ما الذي يمكن الإيمان به.


* في هذا الكتاب تدل كل من “سوريا العثمانية” و”بلاد الشام” [يُستخدم المصطلحان بالتبادل حسب السياق] على منطقة حدودها جبال طوروس وجبال سيناء والبحر المتوسط والصحراء السورية، أي تشمل أغلب مناطق سوريا ولبنان وفلسطين والأردن حالياً.

[1]  كما قال مشاقة: رسالة مشاقة إلى جونسون، 16 يوليو/تموز 1860، في تقرير بتاريخ سبتمبر/أيلول 1860 قدر مشاقة مقتل 5000 نسمة، نصفهم خارج دمشق. انظر:

 Rogan, Eugene. The Damascus Events: The 1860 Massacre and the Making of the Modern Middle East. New York: Basic Books, 2024, ch. 5

 وانظر:

 Fawaz, Leila Tarazi. An Occasion for War: Civil Conflict in Lebanon and Damascus in 1860. Berkeley: University of California Press, 1994

 صفحات 132-33 و 259-60 لتقديرات الوفيات.

[2]  انظر: Fawaz, Occasion صفحات 115 و138 و144 و198 و202-204. وانظر:

 Makdisi, Ussama. The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon. Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 2000 صفحات 167 و168 و170 و171.

[3]  انظر: Rogan, “Sectarianism” ص 495، وانظر Makdisi, Culture of Sectarianism 168 و169 ومواضع متفرقة بعدها.

[4]  أبو السعود الحسيبي، اقتبس منه Rogan, “Sectarianism” ص 497، وانظر:

 Masters, Bruce. Christians and Jews in the Ottoman Arab World: The Roots of Sectarianism. Cambridge: Cambridge University Press, 2004 ص 164.

[5]  انظر Rogan, “Sectarianism” 496 و”مؤلف مجهول” “أحوال النصارى”، 22، اقتبس منه في:

 Massot, Anais. “Ottoman Damascus during the Tanzimat: The New Visibility of Religious Distinctions”. In Modernity, Minority, and the Public Sphere: Jews and Christians in the Middle East. 155-84. Lieden: Brill, 2016 ص 169.

[6]  انظر: ميخائيل مشاقة، “الجواب على اقتراح الأحباب”، 1873، مخطوطة في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، ص ص 359 – 364، و: “Report of the attack”, 23/8/60, RG84 Beirut v80 ص 546 – 553. وانظر أيضاً رسالة مشاقة إلى جونسون 12/7/60 و19/7/60  وانظر Rogan, The Damascus Events الفصل الخامس لمزيد من التفاصيل ومنها ما يتصل بأحداث حذفها مشاقة من تقاريره. تزوجت سلمى لاحقاً من جرجس دمار. انظر شجرة عائلة مشاقة في: عيسى إسكندر معلوف، تاريخ الأسر الشرقية.

[7]  انظر: Makdisi, Culture of Sectarianism وانظر: Massot, “Socio-Political Changes”.

[8]  البستاني، نفير سوريا.

[9]  انظر:

 Hourani, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age, 1798-1939. London: Oxford University Press, 1962  الفصل العاشر.

 وانظر:

 Yarid, Nazik Saba. Secularism and the Arab World: 1830-1939. London: Saqi, 2002

 وانظر

 Choueiri, Youssef. Narratives of Arab Secularism: Politics, Feminism and Religion. Abingdon and New York: Routledge, 2022.

[10]  انظر: الرسالة الموسومة بالدليل إلى طاعة الإنجيل. بيروت: [المطبعة الأميركية]، 1849. اختصاراً: دليل، 1: 7.

[11]  صدرت بعنوان Murder, Mayhem, Pillage and Plunder.

[12]  “كتاب اليوبيل القرني الثاني للرهبانية الحلبية المارونية في وادي النيل” اختصاراً [كتاب اليوبيل]، القاهرة: الرسالة المارونية، [1947؟]، ص 133، و136-147 (عن الطاعون في 1813، يناير/كانون الثاني – يوليو/تموز)؛ ص 104 (وفيات الطاعون 1819)؛ ويذكر مشاقة أن الطاعون دام من فبراير/شباط إلى يونيو/حزيران، انظر: ميخائيل مشاقة، “منتخبات من الجواب على اقتراح الأحباب”، تحرير أسد رستم وصبحي أبو شقرة، بيروت: وزارة التعليم والفنون، 1955، ص 67؛ وMurder, Mayhem, Pillage, and Plunder: The History of the Lebanon in the 18th and 19th Centuries by Mikhail Mishaqa (1800-1873). Translated by Wheeler N. Thackston, Jr. Albany, NY: SUNY Press, 1988 ص 103. قبل 1813 يبدو أن الطاعون لم يكن منتشراً في بلاد الشام والدلتا لعشر سنوات على الأقل، منذ ظهوره في تسعينيات القرن الثامن عشر وفترة 1799-1801 أثناء الاحتلال الفرنسي. لكن ظهر في عكا في 1806.

[13]  انظر:

Daniel Panzac, La peste dans l’Empire Ottoman 1700-1850 (Louvain: Éditions Peeters, 1985); Nükhet Varlik, Plague and Empire in the Early Modern Mediterranean World: The Ottoman Experience, 1347-1600 (Cambridge: Cambridge University Press, 2015).

[14]  انظر:

Abraham Marcus, The Middle East on the Eve of Modernity: Aleppo in the Eighteenth Century (New York: Columbia University Press, 1989); 256-8; Philipp, Acre, 23, 113, 173; cf Andrew Robarts, ‘Nowhere to Run To, Nowhere to Hide? Society, State, and Epidemic Diseases in the Early Nineteenth-Century Ottoman Balkans’, in Plague and Contagion in the Islamic Mediterranean, ed. Nükhet Varlik (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2017), 224-5.

ويقدّر بانزاك Panzac, La peste (مرجع سابق) أن الطاعون في المتوسط قد زاد من معدلات الوفيات عبر الإمبراطورية العثمانية (وأغلبها مناطق ريفية حينئذ) بواقع 1%.

[15]  كتاب اليوبيل، ص 142.

[16]  كتاب اليوبيل، ص 138.

[17]  انظر المناقشات بين علماء المسلمين في القرن السابع عشر حول الموضوع، في:

John J. Curry, ‘Scholars, Sufis, and Disease: Can Muslim Religious Works Offer Us Novel Insights on Plagues and Epidemics among the Medieval and Early Modern Ottomans?’, in Plague and Contagion, ed. Varlik, 33-36

[18]  انظر:

Yaron Ayalon, ‘Religion and Ottoman Society’s Responses to Epidemics in the Seventeenth and Eighteenth Centuries’, in Plague and Contagion in the Islamic Mediterranean, ed. Varlik, 184 and note 16; Curry, ‘Scholars, Sufis and Disease’, 41; Marcus, Middle East, 260.

[19]  مثال: “وصف الدواء في كشف آفات الوباء” للبسطامي، من القرن الخامس عشر”، على موقع BnF ms Arabe رقم 2691، ووثيقة BnF ms Arabe 2740.

[20]  مثال: “كتاب صلوات الوباء غربي وشرقي”، 1793.

[21]  كتاب اليوبيل، ص 159.

[22]  كتاب اليوبيل، ص 159.

[23]  كتاب اليوبيل، ص 151.

[24]  انظر:

 Madden, Richard Robert.  Travels in Turkey, Egypt, Nubia, and Palestine, in 1824, 1825, 1826, and 1827. London: Henry Colburn, 1829, 1: 251-89.

وانظر كلوت بك (بالفرنسية):

 Clot Bey, De la peste observée en Égypte… (Paris: Fortin, Masson, 1840), 199-205 للاطلاع على ملخص بآراء الأطباء الأوروبيين المختلفة حول الطاعون في مصر.

[25]  انظر:

 Curry, ‘Scholars, Sufis, and Disease, 34-35; Ayalon, ‘Religion and Ottoman Society’s Responses’, 183-4,; Marcus, Middle East, 258-9.

[26]  انظر:

 Philipp, Thomas. Acre: The Rise and Fall of a Palestinian City, 1730-1831. New York: Colombia University Press, 2001, 157, 177-8; Marcus, Middle East, 258-60.

كتاب اليوبيل، ص 136 يشير إلى تدابير فرضها المحتلون الفرنسيون، وانظر أيضاً: Juan Cole, Napoleon’s Egypt: Invading the Middle East (New York and Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007), 187, 235-8 وكانت هناك تدابير مشابهة مطبقة في بلاد الشام منذ 1760: Giovanni Mariti, Travels Through Cyprus, Syria, and Palestine; with a General History of the Levant (Dublin: P. Byrne, A. Grueber, J. Moore, W. Jones, and J. Rice, 1792), 1: 202-4.

[27]  ديوان نقولا الترك، ص 55 سطر 26.

[28]  ديوان نقولا الترك، ص 54، سطر 7-9.

[29]  اليوبيل، ص 156.

[30]  اليوبيل، ص ص 157-8، ديوان نقولا الترك 56-57.

[31]  ديوان نقولا الترك، ص ص 55-56، سطور 33-36.

[32]  اليوبيل، ص 159، ديوان نقولا الترك ص 57 سطور 58-61.

[33]  اليوبيل، ص 158.

[34]  السابق، ص 146.

[35]  تعداد اليوبيل. هناك اثنان آخران مرضا بالطاعون ثم تعافيا، كما ذكر مارون. وكانت نسبة الوفيات بين الكاثوليك أعلى في 1813 قياساً إلى الفترة 1810-1812، لكن حتى مع افتراض أن هذه الوفيات فوق المتوسط في 1813 كانت بسبب الطاعون فالنسبة لا تزيد عن 4.2% بسبب الطاعون.

[36]  الشهابي، لبنان: 3، ص ص 590-591، و604-605، و631، و787-790 (في 1813 و1815 و1817 و1827).

[37]  اليوبيل، ص 136، 140.

[38]  إبراهيم بن حنا العورة، تاريخ ولاية سليمان باشا، ص 178.

[39]  السابق، ص 179.

[40]  انظر: Mariti, Travels, 1: 200-1, 203-4. وكان الحاكم هو ظاهر العمر، انظر: Marcus, Middle East, 258-9.

[41]  على سبيل المثال، دعت السلطات المسلمة التجار المسيحيين إلى اجتماع أثناء الطاعون في عام 1814: ويصف مارون الحظر وإجراءات التطهير التي اتخذها مسيحيون، لكن لم يقل شيئاً عن تبني المسلمين لنفس التدابير: اليوبيل، ص ص 167-168.

[42]  اليوبيل، ص 142.

[43]  اليوبيل، ص 151.

[44]  اليوبيل، ص 156.

[45]  ديوان نقولا الترك، ص 58، سطور 73 – 76

[46]  الجواب على اقتراح الأحباب، ص ص 142-143.

[47]  أورد هذه الواقعة في مذكراته بعد كلامه عن فولني، لكن ربما ليست المذكرات مكتوبة بالترتيب الزمني التقليدي.

[48]  الجواب، ص 143.

[49]  السابق.

[50]  اليوبيل، ص 167.


اكتشاف المزيد من قراءات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

.