أفكار مالكي العبيد العنصرية مازلت تحيا بيننا إلى اليوم

كاثرِن هال¨

ترجمة: باسم محمود 

نُشر في الجارديان – تمت الترجمة والنشر بإذن خاص من المؤلفة

عشيّةَ يوم الأحد، صوّرت سلسلةُ حلقات مسلسل “فيكتوريا” التي تُعرض على تلفزيون ITV  الأميرَ ألبرت وهو يلقي خطابَه العظيم المناهض للرّق في الاجتماع المنقعد في إيكستر هول، والذي كان عن استمرار وجود الرّق وتجارة العبيد. تطرّفَ الأمرُ ليشهدَ صِدامًا بين ألبيرت- والذي كان أمريكيًّا من أصلٍ أفريقيٍّ قد تمّ تحريره من العبودية- وناشطةٍ أمريكية في الحركة النّسوية كانت حاضرةً للاجتماع.

لقد كانت حلقةً فاتنة. لكن، لا تنخدع. فالسُّود من الرجال والنّساء تمَّ في الحقيقة تهميشهم في ذلك الحدَثِ الشهير عام 1840. وبينما كان ألبرت يدعمُ أسبابه المناهضة للعبودية؛ بعضٌ من أصحاب السّموّ الملكي- من بينهم دوق كامبيرلاند: عمّ الملكة فيكتوريا- كانوا يعارضون انتهاء الرّق وتجارة العبيد.

في حقيقة الأمر، ما بين 10-15% من صفوة المجتمع البريطاني في القرن التاسع عشر كانوا على علاقةٍ بمالكي العبيد. مثلُ تلك الرّوابط باقيةٌ إلى اليوم. على سبيل المثال: الأميرة إيوجين والأميرة بياتريس يعود أصلهما إلى ساره فيرجسون، والتي هي سليلة السير هينري فيتزهربيرت، الذي كان يملك مستعمرات لإنتاج السكّر في القرن الثامن عشر، ويستعبد ألفًا من الرجّال والنّساء في كلٍّ من جامايكا، وباربودوس.

منذ عام 2009، كنتُ قد بدأت العمل مع فريقٍ من المؤرِّخين على مشروعٍ في جامعة لندن، عن موروث مالكي العبيد البريطانيِّين. كان بحثنا المبدئيّ يتألّف من سِجلّاتٍ للمكافآت التي كانت تُدفع لمالكي العبيد فيما تَبِع فترة إلغاء الرِّق عام 1833. لقد كان أمرًا ذا دلالة؛ فالمكافآت المدفوعة من قِبل دافعي الضرائب البريطانييّن أسهمت بطرقٍ هامّة في بناء دولة بريطانية الصّناعية تلك وإمبراطوريّتها.

لقد اخترنا أن نشتغِلَ على مالكي العبيد- من الإنجليز، الاسكتلانديين، الأيرلانديين ومن الويلزيين، من الرجال في الغالب لكن، ومن النساء أيضًا- كوسيلة، كي نتبيَّن مدى الامتداد الذي بلغه آلاف البريطانيين البيض وكانوا مشاركين فيه بشكلٍ مباشر ضمن استغلال الأفارقة المستعبَدين. لقد اجتذب المشروع اهتمامًا عظيمًا، والذي قد تمّ تجسيده في اثنين من الأفلام الوثائقيّة الحاصلة على جائزة الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون.

الغرضُ الأساسيّ من تجارة العبيد، كان بالطّبع، جنيُ الأموال. لكن، ما خلَّفه على المدى البعيد كان يصل تمامًا إلى أبعد من هذا. فلأجل جني الأموال كان على المتاجرين أن يختلقوا خطابًا مُجدًّدًا عن “الصراع”، وكان يجب أيضًا، أن تظلّ آثارُ تلك الأفكار في الذاكرة.

بدراسة الأوراق والوصايا والمراسلات وصحائفَ أخرى تمّ حفظها من قِبل مالكي العبيد؛ باستطاعتنا أن نستكشفَ كيف كانوا يفهمون أمر الصّراع، وكيف كانوا يحاولون تبريرَ امتلاكهم لأشخاصٍ آخرين. يشهد هذا الأسبوع انطلاقَ مجموعةٍ كبيرةٍ من البيانات الهامّة، وبَدءَ المرحلةِ التالية من العمل في المركَز بخصوص دراسات التراث البريطانيّ عن ملكية العبيد، والذي هو مشروعٌ مدعوم من جانب مركز هيتشنز بجامعة هارفرد.

العمليّات التي صار الأفارقة جرّاءها “زنوجًا” و”عبيدا” قد جرت أحداثُها على الساحل الأفريقيّ في سُفن شحن العبيد ومستعمرات منطقة الكاريبي. إصرارُ مالكي العبيد على كون لون البشرة علامةً للهُويّة تظلّ يستحوذ علينا. كتاب إدوارد لونغ “تاريخ جامايكا”، الذي نُشِر عام 1774 ومازال يُطبع إلى اليوم، هو نَصٌّ مِفتاحيّ بالنسبة لتأييد الاستعباد والعنصريين الذين يؤمنون بالتمايُزات الطبيعية والجوهريّة بين البيض والسُّود.

أفكارُ التّفرقة العُنصرية التي قد بدأتْ بالرِّق قد تمّ صياغتها عبر القرون؛ كي تشملَ أفكارًا استعماريِّةً أخرى- سواءً بالنسبة للهنود، البدائيين أو الشرق آسياويين. جميعهم قد صُنِّفوا بشكلٍ عُنصريّ؛ أي في مرتبةٍ أدنى من الكائن البريطانيّ الأبيض، وذلك الإجراءُ كان جوهريًّا بالنسبة للقوانين الإمبراطوريّة.

التاريخُ البريطانيّ الذي يروي قصةَ الاستبعادِ تلكَ قد يساعدنا في فَهم الحاضر. النّاشطُ الأمريكيّ من أصل أفريقي جيمس بالدون كتب يقول:

“تتأتّى القوّةُ العظيمةُ للتاريخ من حقيقةِ أنّنا نحمله بدواخلنا، محكُومون نحن به دون وعيٍ منّا بطرائقَ عدّة، والتّاريخُ، حَرْفيًا، حاضرٌ في كلِّ ما نفعله”. ويعني الأُسسَ والممارسات التي تدعم عدمَ المساواة مع السُّود.

يروق بريطانيا أن تحكي أيّ قصة عن نفسها تظهر فيها أنها أُمّة جامعةٌ ومتسامحة، وأنّها هي أوّل مَن ألغى الاستعباد وتجارة الرّقيق، في الحقيقة، عبر مسيرةٍ طويلةٍ متثاقلة؛ بدءًا من ماجنا كارتا، حتى عالمنا العصريّ؛ المجتمع الديموقراطيّ. يظلّ هذا أمرًا فعّالًا، وأيُّ محاولاتٍ لاعتراضه أو مُسائلته، يتمّ مقاومتها بقوّة.

رغم ذلك، يمدّنا التاريخ بوسائل لملاحقة تلك التساؤلات. البريطانيون في حاجةٍ لأن يفهموا تاريخًا يحمل على عاتقه مسؤولية الإثم- الأخلاقيّ، و السياسيّ والاقتصاديّ- الذي يدين به لآخرين؛ كي يهبنا فَهمًا أكثر رسوخًا بشأن الثِّمار التي قد جنيناها من الإمبراطوريّة المركزية. أحدُ الأمثلة، هو الحملة الحالية لشعوب مِنطقة الكاريبي من أجل الإصلاح، والتي تتطلّب استكشافًا للصلات بين الاستعباد الذي كان من شعوب الأطلسي، وعصرنا اليوم.

عملي كمؤرِّخ جعلني على قناعةٍ أنّ طرائقَ التفكير بشأن موضوع الصِّراع، هي الموروثات الأكثر تدميرًا لماضي بريطانيا الإمبراطوريّ. لقد شهدنا في أعقاب التصويت لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تزايدًا مقلِقًا بشكلٍ عظيم في عدد الجرائم المرتكبَةِ بدافع الكراهية ضدّ البولانديين والمسلمين والأقليّات العرقيّة. فالعولمة، بكل خسائرها، والتي قد جلبت لنا مزيدًا منها؛ قد مارست بشكلٍ بَيّن دَورَ الزّناد الذي قدَحَ شرارةَ تلك الانتفاضة من الثورة والاستياء؛ كان ذلك أملًا في “استعادة السيطرة”، “وحماية الحدود”.

يتمثّلُ موروثُ الاستعباد في نزعِ البشريّة عن آخرين، وافتراضاتٍ بسموّ الإنسان الأبيض، جنبًا إلى جنبٍ مع التباين ما بين الثروة والسُّلطة. تلك أشياءٌ لم يكن لها أن تكون أكثر قسوةً عمّا هي عليه اليوم.

—-

¨ كاثرِن هال: أستاذ التاريخ الاجتماعيّ والثقافي البريطاني الحديث في جامعة لندن.

الصورة: لوحة تجارة العبيد لأوغست فرانسوا بيار، عام 1840، من ويكيبيديا.

Advertisements

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s