الزراعة العائلية: العمود الفقري للتنمية الريفية المستدامة؟

كتبت – إيف كراولي لموقع rural21
ترجمة – عمرو خيري

أعلنت الأمم المتحدة 2014 العام الدولي للزراعة العائلية. تؤيد إيف كراولي – المستشارة الأولى لقضايا الجندر والمساواة والتوظيف الريفي في منظمة الفاو – هذه الفكرة، إذ يلعب المزارعون العائليون دوراً أساسياً في عدة مجالات بالحياة الريفية. لكن هذا لا يعني أن المزارعين العائليين لهم أثر إيجابي في حد ذاتهم بمجرد وجودهم، إنما لابد من توجيه الدعم لهم من أجل كفالة احتياجات بشكل مستفيض.

الزراعة العائلية تعد من الأشكال الأكثر انتشاراً للزراعة في العالم، سواء في الدول النامية أو المتقدمة. يضم هذا القطاع جملة عريضة من المزارع بمختلف الأحجام والأنواع، من المزارع الكبيرة للغاية في الاقتصادات عالية الدخل، والتي يسهل لفرد أو اثنين من الأسرة زراعتها باستخدام الميكنة التي توفر المجهود وبالعمال الزراعيين المستأجرين، إلى المزارع الصغيرة التي لا تزيد عن عدة فدادين، أو أقل، في الاقتصادات متدنية الدخل. الفئة الأخيرة تستعين بتلك الزراعة في كسب المعاش مع تحقيق أدنى قدر ممكن من الفائض القابل للتسويق. هذه المزارع العائلية الصغيرة التي ينتجها صغار المنتجين هي الأكثر عدداً بفارق كبير عن الفئة الأولى، على المستوى العالم، إذ توجد أكثر من 500 مليون مزرعة عائلية صغيرة، و280 مزرعة منها توجد في الصين والهند فحسب. من ثم، فرغم أن المزارعين العائليين وصغار المنتجين جماعتين غير متماثلتين، فبينهما أساس مشترك كبير ومن ثم يواجهون قضايا متشابهة.

تُعرف الزراعة العائلية بصفتها عمل منظم يخص الزراعة، أو استغلال موارد الغابات، أو المصائد السمكية، أو الرعي، وهو نشاط تديره وتشغله عائلة، وتعتمد بصفة غالبة على اليد العاملة غير مدفوعة الأجر من أعضاء الأسرة، بما في ذلك الرجال والنساء. الحق أن  المزارعون العائليون ينتجون أكثر الطعام الذي تستهلكه الدول النامية، ويستخدمون أكثر من 80 في المائة من الأراضي في آسيا وأفريقيا. ورغم انتشار هذه الفئة من المزارع، فإن الدور المركزي الذي يلعبه المُزارع العائلي في الأمن الغذائي لا يُناقش كثيراً. في حين ليس مجال هذا المقال الدعوة لحماية الزراعة العائلية كبديل للزراعة التجارية، أو أن ينأى بنفسه عن الإقرار بصلات هذا الأمر بالفقر، فلابد من قول أن الزراعة العائلية يمكن أن تحقق شكلاً جيداً للغاية من أشكال الزراعة، شريطة تحقق بعض الشروط. لكن يسهل فهم أن هذه الشروط غير متوفرة في الأغلب الأعم، ولقد أدى هذا إلى نقاش موسع حول مستقبل الزراعة العائلية أسفر عن مبادرة العام الدولي للزراعة العائلية، وهي المبادرة التي أطلقها المنتدى الريفي العالمي WRF بالتعاون مع حكومة الفلبين، بتيسير من منظمة الفاو، وبتصديق من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فهم دوافع المزارعين العائليين
رغم أن الزراعة العائلية قد لا تبدو نظيفة وعلمية بقدر الزراعة التجارية، فهناك مكتسبات كبيرة تتحقق بدعم الزراعة العائلية. من الأسباب الأساسية أنه بما أن العائلة والمزرعة يرتبطان ويتطوران معاً، فهما لا يمزجان فحسب الوظائف الاقتصادية، إنما أيضاً جملة من الوظائف الأخرى “الخفية”، ومنها وظائف بيئية وإنجابية واجتماعية وثقافية، بدلاً عن اضطلاع الدولة والقطاع الخاص بهذه الوظائف. يمكن أن تشتمل الوظائف البيئية على إثراء التربة، وتقليل الانبعاثات الكربونية، وتطهير المياه، ومكافحة الآفات الزراعية، والتلقيح، وإثراء التنوع البيولوجي. المهام الإنجابية والاجتماعية تشمل رعاية الأطفال، والتغذية، وتوفير المياه والطاقة، والتعليم، والصحة، والأمن الاجتماعي، والضمان الاجتماعي، وإدارة المخاطر. تشمل الوظائف الثقافية تناقل الهوية والقيم الرمزية والدينية المتعلقة بالموارد والأرض، والمعارف والتكنولوجيا. أثناء أداء هذه الوظائف، تضطلع الزراعة العائلية أيضاً في العادة بمهام الحفاظ على تماسك الأسرة، والموروث الثقافي، والأرض الزراعية، والمشاهد الطبيعية القائمة، والجماعات البشرية. النتيجة أن دوافع المزارعين العائليين تتجاوز في العادة بكثير تعظيم المكسب المادي، إلى جوانب أعم وأشمل ذات طابع اجتماعي وثقافي وبيئي.

لا عجب إذن أن الزراعة العائلية هي الشكل الغالب للزراعة. ثمة الكثير من الدوافع التي توجه المزارع العائلي، على النقيض من العامل المأجور، إذ أن الزراعة العائلية تحفز كثيراً للعمل لصالح سلامة العائلات، وتقلص كثيراً من تكاليف الإشراف المرتبطة بالعمل الزراعي. كما أن المزارعين العائليين تربطهم عادة روابط عابرة للأجيال تستند إلى ما يؤدون من عمل، وإلى إنتاجهم، ويوفرون من خلال نشاطهم خدمات للنظام البيئي ورعاية لقاعدة الموارد الطبيعية. ولهذا السبب فإن الزراعة العائلية تلائم تمام الملائمة الأصول المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية شديدة التنوع والتباين.

وفي هذا الصدد لا نبالغ إذا قلنا إن ثمة صلة بين الميزة الإشرافية للزراعة العائلية والطريقة التي تبدو عليها الأرض. الأصل أن العامل العائلي يمكنه أكثر من اليد العاملة المستأجرة اتخاذ قرارات من تلقاء ذاته فيما يخص مختلف المهام الصغيرة الخاصة بالمزرعة، بما يعكس المصالح الفضلى للمزرعة العائلية والموارد البيئية المتوفرة. والحافز للمكسب غير المباشر عند كل عامل عائلي مختلف تماماً عن مثيله بالنسبة للعامل المستأجر، الذي يتفاعل بالأساس من الأجور الخاصة بمهام هو مُكلف بها مسبقاً، وهو الموقف الذي لا يتوائم تماماً مع متطلبات تعقد البيئة الطبيعية. من ثم فإن دعم المزارع العائلية يعني ضمنياً تفضيل نوع بعينه من البيئة الطبيعية والتقاليد، المفيدة أكثر للحفاظ على التنوع البيولوجي، والتوازن في النظام البيئي وإدارة البيئة بشكل أفضل.

 الوجه الآخر للعملة
هذا بلا شك تطور مهم. لكن الصورة الوردية المرسومة حتى الآن للزراعة العائلية لها بعض أوجه القصور. أولاً، رغم أن تكاليف الإشراف الأقل تجعل الزراعة العائلية ذات إنتاجية أعلى نسبياً في الدول النامية، فإن عدد أفراد العائلة الناشطين اقتصادياً تحده عادة مقاصير معدل الإنتاج الممكن، ما لم يكن متاحاً للعائلات الميكنة الزراعية، أو إذا كانت العائلات منظمة على هيئة تعاونيات إنتاجية. أضف إلى ذلك أن كثيراً ما تكون مزارع العائلات صغيرة المساحة، ومقسمة إلى قطع منفصلة، ما يقلص من فرص اعتماد نهج الإنتاج الكبير. كما أن المزارعين العائليين يعانون في العادة من الفقر لأن قدرتهم على التفاوض محدودة، وقدرتهم على تعريف مصالهم في الأسواق، وتعاملهم مع حوافز السوق تقيدها عادة فرص السوق والفرص التقنية المتوفرة لهم. ولأن المزارع العائلية تمزج بين الإنتاج والاستهلاك، فإن النسبة العالية نسبياً من الاستهلاك الأساسي لإنتاج الأرض بحسب ميزانيات العائلات الفقيرة، يحد أيضاً من قدرة تلك العائلات على التعامل مع حوافز السوق.

ثم إن الزراعة العائلية تعتمد على أفراد العائلة الذين تتفاوت مستوياتهم في الإنتاجية وفي المهارات والقدرات والفرص والقيود، وهي تتباين جميعاً بقدر كبير بحسب النوع الاجتماعي (الجندر) والسن. هذه السمات تؤثر على العلاقات بين أفراد الأسرة، والتي تؤثر بدورها على توزيع الموارد والأدوار والمسؤوليات. ببساطة، فإن توزيع الموارد والمسؤوليات بين أفراد العائلة في سياق المزارع العائلية لا يتسم عادة بالمساواة، لا سيما فيما يخص النساء والأطفال. على سبيل المثال، فإن سد الثغرات بين إنتاجية الرجال والنساء المرتبطة بعدم الوصول بالتساوي إلى الموارد بين الجنسين، يمكن أن تزيد من المنتج الزراعي الإجمالي في الدول النامية، وتؤدي إلى تقليص أعداد الأفراد الذين يعانون من سوء التغذية على مستوى العالم (الفاو، 2010 – 2011). كما أن نحو 60 في المائة من العمال الأطفال في شتى أنحاء العالم يعملون في القطاع الزراعي، وأغلبهم في سياق الإنتاج الأسري والإنتاج متناهي الصغر. هذه حقائق مؤسفة لابد أن يدركها نموذج الزراعة العائلية وأن يتعامل معها إذا كان الهدف هو تحسين إسهامه في المساواة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين وبين الأجيال، ومن أجل تحقيق الرفاه والسلامة للبشر.

 ولننتبه إلى الآثار الجانبية السلبية
بخلاف هذه المثالب المذكورة، فهناك جملة من التساؤلات الشائكة التي تحتاج إلى إجابات. على سبيل المثال، هل يعود الدعم الأكبر للزراعة العائلية، والذي تقدمه مؤسسات زراعية، بعوائد على هيئة المزيد من عمل الأطفال والتفاوت بين الجنسين والتدهور البيئي؟ إن المعاش الريفي ينطوي على ما هو أكثر من الأمن الغذائي: إنه يتطلب الوصول للطاقة والبنية التحتية والخدمات العامة، وهناك مهام أساسية بالنسبة للأسر لابد أن يستمر الاضطلاع بها. لكن إذا كانت “الزراعة” في المزارع العائلية مكثفة، فهناك دائماً خطر أن يتدهور حال “العائلة”. لذا، على سبيل المثال، إذا أصبح الطعام أغلى ثمناً، فكيف نضمن ألا يضطر الأطفال للعمل أكثر من أجل الوفاء باحتياجات المزرعة العائلية؟ وأيضاً إذا زاد انخراط النساء بالزراعة، بصفة عاملات بأجر مثلاً، فكيف نضمن أن أطفالهن الصغار لن يشاركن معهن في العمل بالحقل بسبب قلة الخيارات المتاحة؟ أو أن الفتيات الريفيات لن يتسربن من المدرسة لضمان الاضطلاع بمسؤوليات الأمهات من أعمال منزلية؟ وأخيراً، إذا تم تنفيذ مشروعات أكثر لدمج قطع الأرض الصغيرة من أجل جدوى اقتصادية أكبر، فكيف نضمن عدم التضحية بالمزايا البيئية التي تعود بها قطع الأرض الصغيرة تحت مسمى الكفاءة والتنافسية؟ هذه بعض الموضوعات التي يسعى “عام الزراعة العائلية” إلى إيجاد حلول لها من أجل تحسين إسهام الزراعة العائلية في التنمية المستدامة.

في الوقت الحالي، فإن مستقبل الزراعة العائلية على المدى البعيد غير مؤكد. لكن الخيارات التي نتخذها اليوم يمكن أن تحدد مسار المستقبل، ومسار التنمية الريفية بشكل أعم. المؤكد هو أنه بسبب انتشار الزراعة العائلية ومزاياها، فقد يكون لها دور مهم تلعبه في تغذية العالم والقضاء على الفقر وضمان الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية والبيئية والحفاظ على الموروث الثقافي المحلي. تعد الزراعة العائلية في الاقتصادات متدنية الدخل عادة مهنة “ملاذ أخير”، لكن مع توفير الظروف الصحيحة، فمن الممكن أن تتحول إلى العمود الفقري للتنمية الريفية ولنمو الاقتصاد الوطني. يحدوني الأمل أن يدعم العام الدولي للزراعة العائلية المزارع العائلية، من خلال العمل مع جميع أصحاب المصلحة، من نساء ورجال، وصغار وكبار، للتعرف على سبل جديدة أفضل لتمكينهم من زيادة رفاههم واستدامة معاشهم وحرياتهم، من أجل تحقيق مطامحهم نحو مستقبل أفضل.

إيف كراولي هي نائبة مدير إدارة الجندر والمساواة والتوظيف الريفي في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بالأمم المتحدة. هي منسقة من منسقي أجندة التنمية لما بعد 2015، وباحثة أنثروبولوجيا متخصصة في نظم الزراعة الريفية والتنمية الريفية المستدامة.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s