الحق في الحب: تهيمن السياسة، وليس تحقيق الذات، على النقاش العام حول الحب في الهند

كتبت – إيه أر فاسافي لموقع الأنثروبولوجيا الشعبية
ترجمة – نصر عبد الرحمن

لا يعتبر الحب دائماً شيئاً يستحق الكفاح من أجل الحصول عليه. ومازالت هناك أماكن يعتبر الحب فيها بمثابة إشكالية كبيرة، في الوقت الذي تقدم فيه أفلام هوليود الحب على اعتباره إحدى المُسلمات، ويحتفل الناس بعيد الحب في جميع أنحاء العالم.

وتحرم التقاليد زواج الحبيبين في الهند وأماكن أخرى في العالم. وعلى الشباب القبول بالزوج الذي يختاره الأهل لهم. ورغم تغير الأشياء، إلا أن السياسة تهيمن على النقاشات العامة بشأن الحب، دون اعتبار للرغبة في تحقيق الذات.

يستند منطق الزواج المُرتب إلى فكرة القيم الاجتماعية الصارمة، إلا أنه يعتبر عملياً: حيث يفتقر الشباب إلى الخبرة والحكمة في اختيار شريك العمر. الآباء أكبر سناً، وأكثر حكمة، ويعرفون مصلحة أولادهم أكثر من أي شخص آخر، وهم أفضل من يتخذ هذا القرار المصيري.

لقد أنتشر الزواج عن حب في الهند على نحو مُتزايد في العقود القليلة الماضية؛ حيث شجعت أفلام الحب والمسلسلات التليفزيونية والأغاني الشباب على البحث عن أشكال جديدة من الحب. وأصبح الحب، لدى بعض الشباب، وسيلة لتحدي القيم الاجتماعية والعائلية.

لقد أصبح الحب سباباً للنزاع على المستويين الرمزي والواقعي.

ونتيجة لذلك، ظهرت ثقافة جديدة لدى الشباب تتمحور حول الحب وعلاماته المميزة ذات الطابع التجاري (قلوب مرسومة على الأشياء، كروت، مفردات وأماكن ترتبط بالمواعيد الغرامية، وزهور، ومجوهرات، وملابس، وحُلي ومشغولات تعبر عن الحب)، ويسعى الشباب للبحث عن منافذ يعبرون بها عن رغباتهم وعلاقاتهم الخاصة.

وتؤدي نزعة الزواج عن حب إلى العديد من الاحتكاكات الكبيرة داخل المجتمع الهندي. يحتج الآباء على الثقافة الجديدة للشباب؛ والتي تنتهك القيم الدينية وخيارات الزواج التي تفرضها الانتماءات الطائفية. سياسات الحب تؤجج الصراع الجنوسي والصراع بين الأجيال، وبين التقاليد والحداثة، وبين أولويات الفرد وأولويات المجتمع، وبين الاختيار الحر ضد الخيارات المفروضة، وبين القيم العُرفية في مواجهة الثقافة السلعية.

لقد انعكست مخاوف الآباء على السياسة القومية، وظهرت حركة قومية في الهند، تعرف باسم هندوتفا، وهي حركة تسعى إلى الحفاظ على، أو استعادة، التقاليد في مواجهة المد الثقافي الأجنبي.

ويساند حزب الشعب الهندي تلك الحركة، وهو واحد من الحزبين الرئيسيين في الهند. ولقد وضع الحزب، وغيره من القوى المتعصبة، الحب على رأس قائمة أهدافهم السياسية، واعتبروه انتهاكاً لما يعتقدون أنه المُثل التي يجب أن تسود في المجتمع.

وتستغل حركة هندوتفا الصراع حول الحب في بناء قاعدتها التنظيمية، واكتساب أعضاء جُدد. ويزعم أعضاء الحركة أنهم “يحمون” المعايير والقيم الأسرية والمجتمعية التي تدعم التقاليد والأعراف. ويعتبرون الحب بمثابة دليل على الانحطاط، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير عن أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية، واختيار شريك الحياة. وتسعى الحركة لاكتساب عضوية جديدة من الآباء الساخطين عبر الهجوم على الحب.

وتعتمد حركة هندوتفا شكلاً جديداً من أشكال تجنيد العضوية، والتسلل إلى حظيرة الأسرة من خلال مناهضة جهاد الحب الذي يشير إلى علاقات عاطفية بين المنتمين إلى طوائف وديانات مختلفة (خاصة بين رجال من المسلمين وفتيات هندوسيات). ويزعمون أن جهاد الحب هو مؤامرة يقوم بها متطرفون مسلمون من أجل تحويل الهندوسيات إلى الدين الإسلامي لزيادة عدد المسلمين، وهي مؤامرة تدعهما حركات إرهابية إسلامية دولية.

وعندما لا يستطيع الآباء السيطرة على تلك العلاقات الاجتماعية الجديدة بين الشباب، قد يستسلمون للفكرة التي تطرحها حركة هندوتفا. وقد صل بعض الآباء إلى حد التقدم بشكوى قانونية تفيد بأن بناتهن تعرضن لفخاخ نصبها لهن رجال مسلمون، وأنهن ضحايا جهاد الحب. ويؤدي ما يقومون به إلى تهيئة الأجواء العامة لأشكال جديدة من الإرهاب الإسلامي.

ولقد نفى تقرير مؤقت أصدرته الشرطة وجود أي شبكات رسمية أو منظمة تورطت في مخطط “جهاد الحب”. كما أن حالات الهرب للزواج بين الديانات المختلفة في إطار “جهاد الحب”، تفتقر إلى الأدلة. إلا أن الشائعات وحالة الهستيريا المحيطة بالحب خدمت أهداف حركة هندوتفا. وأوردت الصحف المحلية تقارير عن حالات عن فتيات مفقودات جراء جهاد الحب.

لقد أدى الحب المحظور، وحالات الهرب من أجل الحب، إلى إقامة علاقات بين منتمين لطوائف وديانات وطبقات اجتماعية مختلفة، إلا أنه هدد الأفكار والمثل المتعلقة بـ “نقاء” العائلات والمجتمعات، وأصبح أرضية لتزايد الكراهية والتوتر الطائفي.

تمنع المحاذير الطائفية والدينية الخيار الحر للحب، ويجد الإرهاب في هذا مصادر جديدة لتغذية الخوف والكراهية الموجودان سلفاً. ويحتل جهاد الحب مقدمة مشهد الكراهية.

ومن يجرؤ من الشباب على اختيار شريك حياته من خارج الطائفة أو الدين، يُصبح هدفاً للعائلات والتنظيمات؛ حيث تسعى المنظمات الهندوسية المتطرفة إلى تأديب من ينتهك قواعدها.

أدى “جهاد الحب”، مثله مثل الشائعات والتضليل، إلى زيادة التوتر على المستويين العام والخاص، وإشاعة مناخ عدم الثقة. وفرضت العائلات على الشباب نوعاً من حظر التجول، ووضعت معايير لمن يختلط بأطفالهم والثياب التي يجب عليهم ارتدائها. كما أخذ أعضاء هندويفا ومناصريهم، على عاتقهم توفير الحماية والعقاب.

كما يقوم سائقو الحافلات في مانجالور؛ وهي مدينة ساحلية بها عدد كبير من المؤسسات التعليمية والشباب، يقومون بمنع وعقاب ما يرون أنه اختلاط أو صحبة “خاطئة وسيئة” بين الشباب والفتيات. ويفرضون كذلك فصلاً صارماً بين الركاب، وهو ما يُعد دليلاً واضحاً على تنامي تلك النزعة.

وتوجد تحذيرات من الحب على المقاعد في الحدائق العامة، على شكل عبارات كتبها حزب بهاراتيا جاناتا؛ الذي يشكل الحكومة الحالية. ومن بين تلك العبارات: “مظاهر الحب المُبتذلة تستوجب العقاب”، و”لا تتسبب في إحراج الآخرين باستعراض الحب”، و”يُمنع أي سلوك غير لائق”.

ومع تزايد الاختلاط المفتوح والعلاقات الرومانسية بين الشباب، في ظل عدم توافر أماكن خاصة، وحظر مثل تلك العلاقات، يلجأ الشباب إلى الأماكن العامة لتبادل الحب. وحين يفعلون هذا، يصبحون فريسة لأشكال جديدة من الوصاية، ويتم اعتبار أفعالهم نوعاً من الحب “الخاطئ”.

إلا أن هذه الجهود لتشويه الحب لا تمر دون مقاومة. فلقد انطلقت الجماعات المؤيدة للحق في الحب في مسيرات يوم عيد الحب دعماً للحق في الحب، في مدن مثل مدينة بنجالور. إلا أن هذه الأمثلة هي أبعد ما تكون عن كونها أشكالاً شعبية لمقاومة الأصولية المُتنامية، وتعتبر مجرد حالات للتعريف الضيق الذي تتبناه الطبقات المتوسطة للديموقراطية والحرية.

لقد بادر المشاركون في المسيرات إلى الاحتشاد في مواجهة الحظر الصارم على الحب، إلا أنهم أغفلوا العديد من الطرق التي تؤدي إلى تآكل القاعدة الديموقراطية، خاصة في مجالات المشاركة العامة، ومحاسبة المسؤولين، والاهتمام الأوسع بجميع الأقليات الدينية وبالطبقة العاملة.

لقد تغافلت الطبقة المتوسطة، وقطاع عريض من مؤسسات المجتمع المدني، الانتهاكات الجسيمة للديموقراطية في جميع أنحاء البلاد، ضد الفلاحين، والأقليات الدينية، وغيرها من القضايا. إنهم يواجهون هذه القضايا بالصمت والحيادية، ويقتصرون في احتجاجاتهم على الحب ومظاهره، وحرية الشباب المرتبطة به.

الهند مجتمع يتسم بالتشظي، ويشهد عدم مساواة على نحو متزايد. ولا يتوحد المجتمع الهندي في مواجهة مشكلة عامة أو أحد التحديات المشتركة. وفي خضم هذا التشظي المتزايد، أثبت المجتمع المدني عدم قدرته على التعاطي مع الاستنزاف الذي تتعرض له الديموقراطية، والتآكل الذي انتاب الأشكال الراسخة من الشراكة المجتمعية.

وفي ظل هذا المناخ، أصبح الحب ساحة تنافسية على المستويين الرمزي والواقعي.

ولقد أصبح الصراع بين حركة هندوتفا وبين مناصري الحق في الحب، صراعا حول معنى الديموقراطية، وقدرة الطبقات المختلفة على الدفاع عن حقوقها، وتأكيداً على حقوقها الديموقراطية، كما يضع تلك الحقوق على المحك في نفس الوقت.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s