نقاط التحول التاريخية.. هل يمر العالم بلحظة تحول تاريخية الآن؟

كتب – دانيال ليتل لمدونة “فهم المجتمع
ترجمة – ضي رحمي

هل هناك نقاط تحول في التاريخ؟ وكيف يتثنى لنا معرفة إذا ما كنا في خضم إحداها الآن؟ وهل تمثل الأزمة المالية الحالية نقطة تحول في تطور الاقتصاد الأمريكي؟ وهل كان انتخاب رونالد ريجان بمثابة نقطة تحول في الحكم والسياسة الأمريكية؟

في كثير من الأحيان ما يعلن عنه على أنه نقطة تحول لا يعدو كونه تغيير دون فارق جوهري. مثل إعادة ترتيب المقاعد على سطح السفينة تايتانيك، أو مثل تغيير السائقين مع الإبقاء على نفس الاتجاه. تولى نجوين فان ثيو[1] رئاسة فيتنام عام 1967 وحينها أعلن عن بداية عهد جديد؛ لكن بعد ذلك استمرت نفس السياسات القديمة وانزلقت فيتنام أكثر من أي وقت مضى نحو الهيمنة الشيوعية.

نقطة التحول ممكن أن تكون على شكل حدث أو فعل أو اختيار ذو تأثيرٍ عميق يغير من اتجاه سلسلة كاملة من الأحداث اللاحقة. ربما تكون الصفقة الجديدة[2] أو الاتفاق الجديد عاملًا من عوامل تطوير الثقافة السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة – حزمة جديدة من السياسات، والقوانين، والخطط التي من شأنها السير بالولايات المتحدة في اتجاه جديد، وعلى نحو كبير قيّد هذا من خيارات الحكومة فيما بعد.

إن فكرة نقطة التحول هي تحويل الوضع من طارئ إلى دائم – فلنفترض وضع مستقر نرمز له بالرمز (أ) بعد اندماجه مع حدث ما طارئ رمزه (ب)، فحتى وإن استمرت الأمور في نمطها القائم القديم فإن (أ) بعد اندماجه مع (ب) يتحول ويصبح (أ ب). وهذا بالتالي يغيّر من المسار التبعي بالضرورة – والآن بعد ان حدثت نقطة التحول بالفعل، و (أ ب) تجسد أمامنا في هيئته الجديدة، فإن هذا يجعل من الصعوبة عودته إلى حالته الأولى (أ) مرة أخرى.

 وهكذا، وكما شهدنا،  تنتج نقطة التحول عن بعض الأحداث الطارئة  التي تقع داخل نظام ما في وقت معين لتُحدث تغيير كبير فيما يطرأ عليه من تطور في المستقبل. تتحول الفكرة على خلفية الافتراض بأن هناك آليات أو قوى تدعم تطوير النظام، وأن بإمكان تلك الأحداث الطارئة “دفع” النظام على مسار مختلف لفترة من الوقت.

ما هي الحالات التي يحدث فيها نقاط تحول؟ وهل يختبرها الإنسان في حياته الشخصية الفردية؟ وهل تحدث في إطار الأسرة والزواج؟ وماذا عن العمل أو الجامعة؟ والأهم كيف تحدث في حياة أمة أو حضارة؟

 يمكننا القول بأن أي شيء له نمط تطور مستقر إلى حد ما يمكن أن يتعرض لنقطة تحول. وهكذا فإن كل الشؤون الإنسانية عرضة لذلك. قد يتأثر الفرد بحدث أليم، أو بشخصية جذابة (كاريزمية) مما يجعله يغير من سلوكه؛ وانطلاقًا من تلك النقطة يتصرف بشكل مختلف – قد يصبح أكثر صراحة، أو أكثر حذرًا، أو أكثر رحمة. لقد مثّل هذا الحدث نقطة تحول في مسار تطوره وحياته.

مثال آخر، ممكن أن تندلع “ثورة مخملية”[3] قائمة على أفكار ومبادئ تولي اهتمامًا كبيرًا بالتكتيكات الغير عنيفة. ثم يحدث شيءٌ ما –أن تقمعها الدولة بعنف شديد، أو ربما ظهور زمرة جديدة لقادة أكثر انفتاحًا على العنف. وعندئذٍ تمر الثورة المخملية بنقطة تحول وتتبنى استراتيجيات أكثر عنفًا.

بيانيًا، فإن فكرة نقطة التحول تنطوي على شيء من علم الوجود (الأنتولوجيا)[4]، كالشكل التالي: خصائص النظام الحالي < الحدث < خصائص النظام الجديد.

فكيف إذن نعرف أننا بصدد نقطة تحول؟ يبدو أن الجواب الوحيد الممكن هو: لا نستطيع معرفة ذلك. فقط المسارات التاريخية الكبيرة بإمكانها الإشارة إلى ما إذا كانت التغيرات المعاصرة ستكون ضخمة ومستمرة، أو مجرد عمليات تجميلية زائلة.

ربما تكون فكرة “نقطة التحول” واحدة من التصنيفات التحليلية التي نستخدمها لوصف وتحليل الانقلابات التاريخية الكبرى. إنها أداة سردية تسلط الضوء على الاستمرارية، والأحداث الطارئة، والمسار. وعلى ما يبدو، فإن علينا أن ننتظر حتى تفرد بومة مينيرفا[5] جناحيها قبل ان نقول بثقة أننا نمر بنقطة تحول.

[1]  نجوين فان ثيو: أصبح رئيس فيتنام الجنوبية، عام 1967، خلال حرب فيتنام، استقال من منصبه في إبريل 1975 تحت ضغط من خصومه السياسيين غير الشيوعيين.

[2]  الصفقة الجديدة: الصفقة الجديدة أو الاتفاق الجديد أو نيو ديل (New Deal) هي مجموعة من البرامج الاقتصادية التي أطلقت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 – 1936 وتضمنت هذه البرامج مراسيم رئاسية أو قوانين قام بإعدادها الكونجرس الأمريكي أثناء الفترة الرئاسية الأولى للرئيس فرانكلين روزفلت. جاءت تلك البرامج استجابة للكساد الكبير وتركزت على ما يسميه المؤرخون الألفات الثلاثة وهي: “الإغاثة والإنعاش والإصلاح”.

[3]  ثورة مخملية: الثورة المخملية أو الثورة الناعمة اسم يطلق على الثورات السلمية، مثل التي اندلعت في تشيكوسلوفاكيا عام 1989 بقيادة الطلاب وجموع المتظاهرين ضد حكم الحزب الواحد.

[4]  الأنتولوجيا: (ontology) أو علم الوجود، يدرس هذا العلم الكينونة (being) أو الوجود (existence) إضافة إلى أصناف الوجود الأساسية في محاولة لتحديد وإيجاد أي كيان أو كينونة (entities) وأي أنماط لهذه الكينونات الموجودة في الحياة. إن مفهوم الأنتولوجيا ظهر في الفلسفة بمعنى علم الوجود ولكن منذ التسعينات أصبحت الأنتولوجيا من أهم مجالات البحث العلمي. حيث أصبح لها مفهوم ما تحديدا تفصيليا (ظاهريا) لتصميم مجال معين. وهذا التفصيل (conceptualisation) يضع معنى لكل مفهوم ومصطلح ولفظ في المجال. وتوضع المفاهيم في نموذج بياني من المصطلحات والعلاقات التركيبية والمعينية (sémantique)

[5]  بومة مينيرفا: تقول الأسطورة إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سد وله. وقد  ذكر هيجل العبارة السابقة في تصدير لكتابه (فلسفة الحق) وخلافاً للشرق الذي يتخد البومة رمزاً للشؤم, اعتاد الغرب أن يتخذ منها رمزًا للحكمة. وأما( منيرفا) فهي آلهة الحكمة عند الرومان, ولذلك فتركيب( بومة منيرفا) هو ترميز للحكمة, أتى به هيجل كاصطلاح خاص يعبر به عن الفلسفة بصفة عامة, وعن الفلسفة السياسية بصفة خاصة.‏

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s