هل للرأسمالية مستقبل؟

عرض: كريستل لين على مدونة كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية
ترجمة: نصر عبد الرحمن

يسعى المؤلفون، في هذا الكتاب، إلى اكتشاف مدى إمكانية انهيار النظام الرأسمالي العالمي. كما يدحضون التعميم القائل بعدم وجود بديل له؛ لأنه لا يستند إلى نظرية علمية، وإنما كان ثمرة زعم مُتفائل، يرجع إلى القرن التاسع عشر، حول ارتقاء التاريخ البشري، عبر عدة مراحل، حتى يصل إلى حالة من التوازن المُستنير الذي تخلقه الرأسمالية الليبرالية. وترى كريستل لين أن الكتاب يوفر إجابات مثيرة وبسيطة للأسئلة المطروحة بإلحاح حول مستقبل الرأسمالية.

الكتاب:
Does Capitalism Have A Future? Immanuel Wallerstein, Randall Collins, Michael Mann, Georgi Derluguian and Craig Calhoun. OUP December 2013.

لقد أدى الكساد الاقتصادي الحالي، وما سببه من أزمات اقتصادية، إلى صدور سيل من المطبوعات التي تناقش وضع الرأسمالية العالمية. وتختلف هذه المُساهمات؛ التي قدمها خمسة علماء معروفين دولياً بتخصصهم في مجال الاقتصاد السياسي، عن غيرها من المطبوعات. حيث تتجاوز مجرد تشخيص أصل الأزمة وتداعياتها، وتقدم إجابات معتمدة على البحث، وقاطعة، ومحفزة للتفكير، وسهلة الاستيعاب في ذات الوقت لسؤال بالغ الأهمية: هل ستصمد الرأسمالية؟ وإن لم تصمد، فأي نظام سياسي سوف يحل محلها؟

قدم أربعة علماء، من بين المؤلفين الخمسة، تكهنات جديدة حول مستقبل الرأسمالية، أو بديلها المُحتمل، اعتماداً على أساليب التحليل الكلي لعلم الاجتماع. إنهم لا ينغمسون في علم المستقبليات، بل يعتمدون على استخلاص النتائج من الاتجاهات الهيكلية الواضحة في الطور الراهن من أطوار الرأسمالية. أما العالم الخامس؛ جورجي دلاجيان، فيعمل في اتجاه مُعاكس، حيث يبحث عن الدروس المُستفادة من تاريخ صعود وانهيار الدولة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي السابق. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل المُساهمين يستبعدون قيام نظام اشتراكي على النمط السوفيتي خلفاً للرأسمالية. تسبق الفصول الخمسة للكتاب وتليها مقدمة وخاتمة جماعية لجميع المؤلفين.

9780199330843

يتصور كل من والرشتاين وكولنز انهيار الرأسمالية في غضون العقود الثلاثة أو الأربعة القادمة، في حين يرى مايكل مان أن الرأسمالية سوف تستمر، ولكن بصيغة جديدة مُعدلة. ويشير كالهون إلى ضرورة قيام نظم الاقتصاد السياسي الرأسمالية بإجراء تحولات مؤسسية جذرية تماماً، لكي تحافظ على استمرارها. وفضلاً عن هذا، يركز الكُتّاب الخمسة، وإن بدرجات مُتفاوتة، على تقاطعات التطور الرأسمالي مع الأزمة البيئية. ولأسباب تتعلق بالمساحة المُتاحة، سأعرض لثلاثة فصول فقط، رغم ما تحويه كل الفصول من تحليل متميز.

يدرس والرشتاين التغيرات التي طرأت على “دورات تناوب معدل النمو“، و”دورات الهيمنة” باعتبارها آليات قادرة على حفظ توازن النظام الرأسمالي، في الظروف الطبيعية. ورغم ذلك، سيختل هذا التوازن خلال العقود الثلاثة أو الأربعة القادمة. ويُشخص والرشتاين نفاذ احتمالات تحقيق زيادة تراكم رأس المال، ومن ثم يتوقع انهيار الرأسمالية في المستقبل القريب. ويعتبر مايكل مان أن منظور والرشتاين منظوراً منهجياً، مما يشير إلى وجود تطورات حاكمة، ودورات اقتصادية متكررة، ومنطق أحادي للتحولات السياسية الاقتصادية، وهو ما يدفعه إلى تجاهل التفاعلات المُعقدة لعلاقات القوة، وينتهي به على الأرجح إلى تشخيص انهيار النظام. وعلى الرغم من منظور النظام العالمي الذي يتبناه والرشتاين، إلا أن تحليله لا يولى الاهتمام الكافي للتطورات التي تحدث في الاقتصاديات الناشئة في الصين وأمريكا الجنوبية، والتي لم تشهد بوادر أزمات اقتصادية منذ عام 2008.

وفي القسم النهائي من هذا الفصل، يدرس والرشتاين الصراع السياسي حول البدائل المُمكنة للرأسمالية. وهو قسم مُحبط إلى حد ما؛ حيث يحيد فيه عن الإطار النظري السابق، ويغيب الاقتصاد تقريباً عن النقاش. كما أن اختياره للمسار المستقبلي المحتمل يتسم بغموض والتباس يحول دون الاقتناع بدفوعه.[1]

يشترك راندل كولنز مع والرشتاين في عدة جوانب من منظوره النمطي، إلا أنه يُركز على نقطة ضعف هيكلي طويلة الأمد في الرأسمالية؛ وهي اختفاء الطبقة الوسطى بشكلها التقليدي، حيث تقوم الآلات بالوظائف التي يقوم بها أفراد هذه الطبقة. لقد ناقش كارل ماركس من قبل استبدال التكنولوجيا للعمل اليدوي، وهناك استبدال مماثل للطبقة الوسطى برز حديثاً.

 ويرى كولنز أن الرأسمالية لم تعد قادرة، على عكس الماضي، على خلق مهرب من هذا الاستبدال عن طريق خلق وظائف جديدة لعمال الطبقة المتوسطة[2]. وسوف تختفي الأسواق التي يعتمد عليها الرأسماليون في تحقيق التراكم الدائم، إذا فقدت الطبقة المتوسطة القدرة على الاستهلاك. وسوف يؤدي هذا، مع السخط السياسي، إلى تدمير النظام الرأسمالي. فحينما تتراوح نسبة البطالة عام 2030، من 50% إلى 70% من عدد السكان القادرين على العمل، لن يستطيع النظام الرأسمالي الصمود، بحسب كولنز.

وكما هو الحال في السيناريو الذي يقدمه والرشتاين، يكتنف الغموض عملية كشف النقاب عن ما بعد الرأسمالية – والذي يستلزم إعادة توزيع الثروة على نطاق واسع – خاصة فيما يتعلق بالتطورات التكنولوجية والاقتصادية. وإذا لم يكن من المُتوقع حدوث انتكاسة في مسار التطور التكنولوجي، فإن إعادة توزيع الثروة لن تؤدي إلى حل مشكلة البطالة الهيكلية.

 ويضع كولنز يده على أحد التطورات الجارية حالياً، ويقدم الكثير من الأمثلة على الاستبدال التكنولوجي للأيدي العاملة، إلا أن حجته تظل ضعيفة نظراً لما أغفله من أمور شديدة الأهمية. إنه لا يقدم أي إحصائيات تكشف عن وجود اتجاه تدريجي لاستبدال الطبقة المتوسطة تكنولوجياً؛ والأسوأ من هذا، أنه لا يضع تعريفاً للطبقة المتوسطة، ولا يُحدد منهجياً ما هي الجوانب في عمل الطبقة المتوسطة، والتي تجعل الاستبدال التكنولوجي ممكناً أو غير ممكن. كما لا يضع في اعتباره عدم إمكانية استبدال العمليات المعرفية المُعقدة، أو العمل الذهني. فضلاً عن هذا، لا يضع كولنز في حسابه المقاومة القوية المُحتملة التي قد يبديها العاملون والمستهلكون – في قطاعات معينة مثل الطب، والعمل الاجتماعي، والشرطة – ضد التخلص من العنصر البشري.

ويختلف طرح مايكل مان عن الطرحين السابقين حيث يتصور”عملية إعادة تركيب متعددة الأطياف لأربعة أشكال مُتمايزة من شبكات القوى الاجتماعية. ويرى، بالتالي، أنه لم يتم تحديد المستقبل من خلال فهم إخفاقات الرأسمالية وحدها. ولقد تمكن من تقديم تحليلات قيمة للغاية للسيناريوهات المستقبلية المحتملة بسبب معرفته التاريخية العميقة، إلى جانب أطروحته المنطقية حول التحول الاجتماعي مُتعدد الأسباب.

وأشار إلى وجود عدد من السيناريوهات المُحتملة في المستقبل، من بينها بقاء الرأسمالية، اعتماداً على استقراء عدد من النزعات الهيكلية في شبكات القوى الأربعة في الوقت الحالي.

ويعتبر أحد هذه السيناريوهات مُبشراً للغاية. يفترض “مان” حدوث نمو منخفض في الرأسمالية العالمية عام 2050 أو نحوها، حيث سيتم استبدال الهيمنة الأمريكية بقوة أخرى مُتعددة الأقطاب، وينفي من جانبه أن يؤدي هذا إلى حدوث الأزمة النهائية واندلاع الثورة.

كما يرى أن النمو المنخفض مصحوباً بمعدل بطالة يتراوح ما بين 15 و 20 في المائة من البطالة قد يدوم، إذا كان مصحوبا بعملية إعادة توزيع ذات نزعة اشتراكية أو ديمقراطية اجتماعية إصلاحية. ويمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى ظهور عدة أشكال رأسمالية، أرقى من شكلها النيولبيرالي الحالي. ولكن قبل أن نبتهج لهذه الفكرة، يُحدد “مان” تهديداً أكثر خطورة على العالم، وهو ذلك الناجم عن الاحتباس الحراري. ورغم تشاؤمه من العواقب الاجتماعية لهذا التهديد، إلا أنه يرى إمكانية وجود إدارة سياسية وحلول لهذه المشكلة البيئية.

وتقارن الخاتمة الجماعية الرائعة للكتاب بين العديد من التكهنات التي تم التطرق إليها، ودراسة الدور الذي يمكن أن يلعبه علم الاجتماع في “مستقبل تحولي”. ومن المسلم به أن التحليل التاريخي الكلي الذي قاموا به لا يمكن أن يزيد عن كونه: “توصيل بين عدة نقاط في لعبة أحجية كبيرة”. ومع ذلك، يقترح المؤلفون أن كل علماء علم الاجتماع النظري والتجريبي سيكون لديهم الكثير من العمل الفكري الحاسم في مواجهة التحديات والفرص المُتاحة، التي يفرضها التحول المقبل للرأسمالية، أو ربما زوالها.

 

كرستيل لين، أستاذة علم الاجتماع الاقتصادي في قسم علم الاجتماع في جامعة كامبريدج.

[1] واجه المترجم صعوبة في الوصول لدلالة دقيقة لهذه الجملة الأخيرة فاضطر لاختزالها، وهي بالإنجليزية:
Also his selection of the spirit of the Porto Alegre camp as one candidate for pointing towards a possible future remains too broad and vague to convince.

[2] استبدال الأيدي العاملة بالآلات، تؤدي إلى تغير في طبيعة العمل وليس إلى انخفاض عدد العمال. فمثلاً، مصنع النسيج الذي يستبدل العمال بالآلات، يواكبه إنشاء مصنع آخر، كثيف العمالة، لصنع آلات النسيج. ولا يمكن الاعتماد على هذه الفكرة في التنبؤ بمصير الرأسمالية أو الطبقة العاملة على السواء. المترجم.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s