العادات اليومية لفلاسفة غزيري الإنتاج.. نيتشه وماركس وكانط

كتب – جوش جونز لموقع open culture
ترجمة – محمود حسني

دائما ما نتساءل كيف كان يقضي الفلاسفة المشهورون الساعات الطويلة والضجرة؟ أنا أيضا أتساءل، وقد تعلمت الكثير من مقتطفات سير ذاتية على مدونة Daily Routines، المدونة التي تهتم بكيف يتمكن الكتاب، والفنانون، وآخرون ممن هم محط الاهتمام، من تنظيم حياتهم. وبينما يمكنك أن تجد تنوعا مذهلا في وصف العادات اليومية للأدباء والمشاهير، فهناك وصف علق بذهني: “عاجلا أو آجلا، يتحول الرجال العظماء إلى أن يكونوا متشابهين كثيرا في أنهم لا يتوقفون عن العمل. لا يفقدون دقيقة واحدة. إنه أمر محبط للغاية.” ولكنني أحثكم على ألا تكونوا محبطين. في هذا المقال الموجز عن الحياة اليومية للفلاسفة، نجد كمية من الترفيه التأملي تشغل جانبا ليس قليلا من يومهم. اقرأ هذه الأجزاء من السير الذاتية، وكن بناءً. فالحياة التأملية تحتاج إلى الانضباط والعمل الجاد بالتأكيد. ولكن يبدو أنها تحتاج في بعض الأوقات إلى تلبية الحاجات الجسدية، وأن يكون هناك وقت لا تفعل فيه شيئاً سوى التفكير.

فلنبدأ بفريدريك نيتشه، في الوقت الذي لا يستطيع غالبيتنا الوصول إلى قمم العزلة المتمردة التي تسلقها – وأنا واثق أننا لا نريد – يمكن أن نجد أن توازنه اليومي يهدف إلى أفكار مثل: الحركية، والجمالية، والذوقية والتأملية. وهذه هي مقتطفات من سيرة نيتشه لـ كروتس كيت. حيث يبين لنا عادات غريبة لهذا الرجل غريب الأطوار.

Nietzsche

“اعتاد نيتشه أن يستيقظ صباحا ولا تزال السماء رمادية وضوء الفجر ينفذ منها ضعيفا. بعدها، يأخذ حماماً بماء بارد في غرفة نومه ويتناول بعض الحليب الدافئ. ثم يبدأ العمل دون انقطاع حتى الحادية عشر ظهرا، طالما لا يشعر بصداع أو غثيان. بعدها يأخذ راحة لاستعادة نشاطه، حيث يسير لمدة ساعتين في الغابة القريبة أو بجوار بحيرة “سيلفا بلانا” – جهة الشمال الشرقي، أو عند بحيرة “سيلز” – جهة الجنوب الغربي. يتوقف بين الحين والآخر ليدون بعض الملاحظات في دفتره الذي دائما ما يحمله معه. يذهب إلى فندق “إلبنروز” لتناول الغداء. لم يكن نيتشه يحب الاختلاط بالآخرين. فدائما غرفة الطعام مزدحمة ساعة الغداء وهو يفضل تناول الطعام بشكل أكثر خصوصية، والذي عادة ما يتكون من شرائح اللحم البقري وكمية كبيرة بشكل غير معتاد من الفاكهة والتي كان يعتقد مدير الفندق أنها السبب في المشاكل المتعددة التي كان يعاني منها نيتشه في معدته. بعد الغداء، يرتدي نيتشه سترة بنية مهترئة بعض الشيء حاملا في يده قلمه ودفتر ملاحظاته ومظلة رمادية كبيرة لتظلل عينيه، ويخرج مجددا للمشي لمدة أطول من التي كانت قبل الغداء في غالب الأوقات. بعد ذلك، يعود إلى المنزل بين الرابعة والخامسة، ليشرع في العمل من جديد. متناولا أثناء ذلك بعض البسكويت والخبز الفلاحي والعسل الذي كان يأتيه من نومبرج والفاكهة وأكواب الشاي التي كان يعدها لنفسه في غرفة الطعام. ويظل على حاله من العمل حتى يشعر بالإنهاك التام؛ فيطفئ الشمعة ويذهب إلى النوم في الحادية عشر مساء”.

لا شك في أن هذه الحياة، على الرغم من عزلتها، قد أدت إلى إنتاج بعض من أهم النصوص الفلسفية التي هزت طريقة تفكير العالم بشكل لم يسبق له مثيل. ربما لا ينافسه في القرن التاسع عشر سوى “كارس ماركس”. كيف كانت الحياة اليومية لماركس بالمقارنة مع الكآبة والرهبانية التي غلبت على حياة نيتشه؟ بالتأكيد ماركس أيضا كان له روتين يومي ثابت، وإن لم يكن متوازن بشكل دقيق.

Karl_Marx_001-e1380782299771

“كان روتينه اليومي يتكون من زيارة معتادة للمتحف البريطاني. يذهب لغرفة القراءة، حيث من المعتاد أن يبقى هناك من التاسعة صباحا حتى يغلق المتحف أبوابه في السابعة مساء. يتبع ذلك بساعات طويلة من العمل ليلا يصاحبه في ذلك تدخين بشكل مستمر. الأمر الذي تحول من مجرد رفاهية إلى مهدئ لا غنى عنه. أثّر هذا على صحته بشكل لا رجعة فيه وأصبح ماركس عرضة بشكل متكرر لنوبات مرضية بسبب مشاكل في الكبد مصحوبة بالتهاب في العيون ومشاكل أخرى، الأمر الذي أثر على عمله وجعله غاضبا ونافد الصبر”.

مخاوف ماركس المادية ساهمت بشكل ما في زيادة شكواه الجسدية. بالتأكيد بالقدر نفسه الذي أحدثه القلق الاجتماعي لدى نيتشه. ولكن ليس لكل الفلاسفة مثل هذه الحياة الدراماتيكية المثيرة عاطفيا. فالتدخين يلعب دورا هاما في المساعدة اليومية بشكل جيد أو سيئ على مدار اليوم لدى العديد من الفلاسفة مثل عملاق الفكر في القرن الـ 18 “إيمانويل كانط” والذي كان يعاني من فقر مدقع على الأقل كما في سيرته التي كتبها “مانفريد كوين”.

immanuel-kant-e1380782445785

“اعتاد كانط أن يستيقظ في الخامسة صباحا. يوقظه خادمه “مارتين لامب” الذي عمل لديه من 1762 وحتى 1802. لم يكن كانط ينام كثيرا. كان فخورا أنه لا يستيقظ ولو نصف ساعة متأخرا. على الرغم من أنه كان يجد الاستيقاظ مبكرا بهذا الشكل أمرا صعبا. ويبدو أنه في خلال سنواته الأولى كان ينام مبكرا في كثير من الأحيان. وبعدما يستيقظ يشرب كوبا أو اثنين من الشاي الخفيف ويدخن معها غليون من التبغ. كان يخصص وقت التدخين للتأمل. وعلى ما يبدو، فإنه كان يدخن غليونا واحدا فقط ولكن يقال إن الأمر زاد بمرور السنوات بشكل كبير. في السابعة، يبدأ كانط الإعداد لمحاضراته ويستمر فيها حتى الحادية عشرة، وبعد الانتهاء منها يعود للعمل مرة أخرى حتى الغداء. حيث يخرج لتناول الطعام ويمشي بعض الوقت. وغالبا ما كان يقضي وقت ما بعد الظهر مع صديقه جرين. بعد ذلك يعود لمنزله ليستكمل بعض الاعمال الخفيفة ويقضي الوقت المتبقي في القراءة”.

على الرغم من كل هذه الشكاوى والمعاناة طوال سنوات عمرهم الأكثر إنتاجية، كان الأمر مثمرا للغاية. وكأنهم جميعا تبنوا مقولة غوستاف فلوبير “كن منظما وذو إيقاع يومي في حياتك، تكون قويا وأصيلا في أعمالك”. دائما ما اعتقدت في هذه الكلمات سواء في العيش أو العمل. مع إضافة القليل من الأشياء الممتعة التي تعطي مذاقاً للحياة.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s