موتى أو مسجونون: فيرجسون ومكافأة قنص حياة السود

بقلم: تيسا براون بموقع The American Reader
ترجمة: رضوى أشرف

خلال الفترة الفائتة، علمنا بقصة حادث فيرجسون، وهي قصة تتكرر أحداثها في أمريكا على مدار أواخر القرن العشرين: قصة تراجع معدلات الصناعة، وانتقال سكان المدن البيض إلى الضواحي هروبًا من الأقليات، وفقدان القاعدة الضريبية، وانتشار المدارس غير المؤهلة، والعنف. وقد تمت رواية الزاوية الاقتصادية لحادثة فيرجسون بالكامل في صحيفة سانت لويز أمريكان، وهي صحيفة مخصصة للسود.

وفي سياق حديثنا عن أمة بأكملها تعاني من كارثة اقتصادية، لك أن تتخيل الضغوطات التي قد تتعرض لها قوى الشرطة المكونة من البيض بأكملها تقريبًا في فيرجسون ذات الأغلبية السوداء، وهي ضغوطات لطالما عبرت عنها الشرطة البيضاء على الأفراد السود على مدار تاريخ أميركا.

ولكن تظل الحقيقة بأن رجال الشرطة هؤلاء يحملون أسلحة عسكرية ويركبون مدرعات ويصوبون أسلحتهم تلك في وجه المواطنين قائمة، هذا هو الوجه الثاني من القصة الاقتصادية الذي يجب علينا معرفته.

تفاجأ البعض من حادث فيرجسون، بينما أكد آخرون بأنه لا يوجد داع للمفاجأة، فلطالما استفادت أمريكا من قتل الأشخاص ذوي البشرة الملونة – سواء في الخارج أو في عقر دارهم. ما كان مفاجئ حقًا في حادث فيرجسون هو الإيجاز الذي تم به الأمر: مشهد فيه دبابات الجيش يعلوها القناصة، مع عشرات من رجال الشرطة المحليين مرتدين ملابس عسكرية، وصفوف من الرجال والنساء السود غير مسلحين، بعضهم يحملون لافتات، ومعظمهم يرفعون أيديهم لأعلى في استسلام، وكأنهم في انتظار أن يُقتلوا أو يُعتقلوا، رغم ذلك يأملون بأن يظلوا آمنين.

في فيرجسون نشهد انهيار الاقتصاد الحضري وازدهار صناعة التسليح والدفاع في مشهد واحد. ما نراه هو في الواقع ازدهار لاقتصادنا ونمو بنسبة 1% ولكن على حساب حياة البشر، بشر مثل مايكل براون. تلك هي الصورة الكاملة للرأسمالية الأمريكية في مراحلها الأخيرة: أسلحتنا التي نشرناها في كل بقاع الأرض لم يعد لها أهداف تقتنصها سوى أنفسنا.

بالطبع لطالما اعتمد بيض أمريكا على العنف لتحقيق رفاهيتهم، فقد بُنيت هذه الدولة بأيدي عمالة مسروقة تعتمد على خشب مسروق فوق أرض مسروقة. وقد قوبلت الاضطرابات الدورية بامتيازات وتشريعات أرادوا لها أن تبدو بمظهر الثورية. ولكن وتحت عباءة التقدم الوهمية، قام سماسرة السلطة بابتكار طرق جديدة على الدوام لاستخلاص ثرواتهم من أشخاص بنوا هذا البلد مقابل لا شئ.

وقد ساهم قانون لينش في الإبقاء على تكاليف العمالة منخفضة، وقتل هؤلاء الذين يسعون لتوفير حياة حقيقية بمرتبات واقعية، وأرهبوا البقية ليجبروهم على تقبل الديون ونظام الجمود الاجتماعي الذي بدا وكأن الأمور لم تتغير عما كانت عليه الأحوال قبل تحرير العبيد. وفي كتابها الشهير “قانون لينش في كل مراحله” تروي إيدا ويلز قصة اثنان من أصدقائها السود، رجلان ناجحان ويمتلكان مشروعهما الخاص، قتلهما منافسوهما البيض ليستولوا على متاجرهما.

في هذه الدولة، تعتبر الأجسام البنية والسوداء كمثل الموارد الطبيعية التي يمكن استخراجها والاستفادة منها ماديًا مثل النفط أو الحديد. وفي عام 1970، عبر الاقتصادي ويليام تاب عن رأيه في علاقة الدولة بالسود قائلاً أن الدولة تتعامل مع أحياء السود كما تتعامل الدولة الاستعمارية مع مستعمراتها، تستخرج منها ثرواتها فحسب.

وفي عام 1994، وصفت الناقدة أر. أي. تي. جودي هذه الظاهرة مستخدمة كلمات المغني أيس تي، إن كان أيس تي قد استخدم لغة النظريات في ألبومه “رجل العصابات الأصلي” لعام 1991. فتستنبط جودي حديثها من أحد أغنياته باسم “الهرب من حقول القتل” حيث ترى جودي تجسد لويليام تاب في أيس تي: الاعتراف بالفائدة السياسية والاقتصادية لحي الأقليات، أو بمعنى آخر بفائدتهم. وتكتب جودي، “حقول القتل هي مكان بدون عمل حقيقي يهدف لاستهلاك طاقات العمال بالكامل.” بمعنى آخر، هي تلك الأحياء التي تترك الدولة فيها مواطنيها الفائضين ليموتوا.

وطبقًا لجودي، “القوم السود دومًا ما يتم تقييمهم بناءً على عملهم.” انتهى ذلك العمل، ولكن المواطنين ذوي البشرة الملونة لازالوا يتم تقييمهم في سوق العمل، ويتم دعم هذا المنطق في هتافاتنا العنصرية: الأسود هو “الطاقة الدفينة، والقوة المحتملة التي يحتويها الجسم… وتلك القوة هي كل ما يملكه المزارع. هي ملكية المزارع الأسود. الأسود هو ذلك الشئ المفعم بالطاقة.”

عكفوا على تصنيف القوم السود طبقًا لقيمتهم في العمل، ولكن بعد اختفاء العمل، ماذا سيحدث للعامل؟ وتتمكن جودي في سياق الحديث عن ما بعد مرحلة التصنيع من الحديث عن “الزنجي”: “الزنجي هو ما يظهر بعد زوال رأس المال البشري، ما يظهر بوضوح عندما يفقد المزارع الأسود قيمته في العمل.” هذا يعني أن الفرد الأسود يصبح زنجي عندما لا يصبح هناك ما يقوم به – أي عندما يصبح، اقتصاديًا على الأقل، بدون جدوى.

وهذا المنطق هو ما نرغب بالتصدي له، لأن أرواح السود مهمة.

ولكن كونها مهمة لا يعني بأنهم يستحقون المال. لأن رجال الأعمال العظام بأمريكا– أمثال جون جالتس ممن يتحكمون في العالم – يستطيعون إيجاد القيمة في أكثر الأمريكيين إهمالا. فبالنسبة للأمريكيين المنبوذين، هؤلاء الأكثر عرضة للسجن والقتل على يد الشرطة، تكمن فيهم القيمة. هناك قيمة بمعنى أن المزيد من المساجين يعني المزيد من عقود السجون، والمزيد من المجرمين يعني مكافحة الجريمة بشكل أكبر، ولذلك إن كانت مكافحة الجريمة مجزية ماليًا، ستجد أن في نظرهم هؤلاء المجرمين يستحقون المال – وستصبح الجريمة ضرورة اقتصادية.

وعلى الرغم من كون الكثير من مواطني الدولة يعانون الفقر والإدمان وآثار العنف إلا أن وجه الجريمة يظل أسود، وقد أظهرت وسائل الإعلام الشخصية كيف تنجح وسائل الإعلام الكبرى في شيطنة ضحايا العنف السود. وتساعدنا نظرية جودي في رؤية المنطق الاقتصادي الصريح وراء هذه العنصرية. فلكي يصبحوا الأهداف المثالية للحملة المكثفة المسماة “الحرب على المخدرات” – والحرب على الهجرة، بينما نحن نتحدث عن ذلك أيضًا – يجب على هؤلاء ذوي البشرة الملونة أن يصبحوا مجرمين غير بشريين. يجب أن تطلق الشرطة النار عليهم، وتقول جودي عن دور الشرطة، “عليهم كمندوبين من الدولة، أن يقوموا بتطبيق قوانين الملكية. أي أن دور الشرطة هو أن يقوموا بتحويل الزنجي مجددًا إلى فرد أسود.” وفي تلك الأثناء تستمر عمليات قتل الرجال السود العُزل على يد قوات الشرطة البيضاء – بمعدل اثنان في الأسبوع، كما علمنا منذ فترة، ومن يعلم ما هو أقصى حد وصلوا له – لأن اقتصادنا العظيم يعتمد على ذلك. عمليات القتل تعلن بأن تلك الأجسام هي سلعة للبيع، جرائم القتل تصنفهم كمجرمين وبالتالي صالحين للتدمير، والمكافآت مهولة.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s