النزاع والنزوح و”الحالة العادية” في الشرق الأوسط – كردستان والشتات الكردي

بقلم – زينب ن. كايا
نُشر بموقع Allegra في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2014
ترجمة: عمرو خيري

سيل لا ينقطع منذ سنوات من الأخبار المزعجة القادمة من الشرق الأوسط: نُظم مستبدة تلجأ بشكل دائم إلى تقييد حق المعارضين في التعبير، وصحفيين ومعارضين وراء القضبان؛ جماعات راديكالية إسلامية منخرطة في عنف طليق ضد كل من يعارضها بغض النظر عن دينه أو عرقه أو نوعه الاجتماعي؛ جهاديون من كل أنحاء العالم يتواصلون مع الجماعات المتطرفة في المنطقة: الملايين من المشردين الذين فقدوا أحبائهم وبيوتهم وممتلكاتهم يحاولون التعلق بأهداب الحياة بعيداً عن الوطن.

الأفدح أن الأنباء الواردة من المنطقة تزيد قسوتها وخطورتها بشكل مطرد. ليس من الممكن حتى تخمين كيف سينتهي كل هذا وكيف سيبدأ الناس العاديون في بناء حياتهم في بيئة آمنة، أو كيف سيستخدمون مهاراتهم ويطوعونها للحياة وكيف سيحبون أحبائهم ويسهمون في ازدهار حياة الآخرين.. وهي كلها أمور يومية بسيطة تُعد من المُسلّمات بالنسبة لنا.

يقول بعض المحللين إن عملية بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار هي السبب وراء النزاع المطول ومعدلات الاضطرابات العالية في الشرق الأوسط، ويروا أن العنف نتاج طبيعي لتلك العمليات. بالنسبة لهؤلاء الدارسين فإن جميع التغيرات السياسية الكبرى في تاريخ الجنس البشري اشتملت على العنف والاقتتال، فيما يرونه عملية تكاد تكون حتمية.

لماذا نستسلم لمثل هذه الأقوال بهذه السهولة؟ لماذا نفترض أن الناس سيفقدون أرواحهم وأحبائهم وبيوتهم ويعانون من التعذيب والابتلاء النفسي؟ لماذا هو نتاج “طبيعي” و”متوقع” لعملية إعادة التسوية السياسية سواء كانت عملية إعادة التسوية هذه داخل دولة أو بين عدد من الدول؟

هناك تيار آخر للتفكير يحاول شرح وجود الحرب والنزاع وصلاته بفكرة العدل، ويقول بأن الناس قد يتصورون قضية عادلة وأسباب لدخولهم في نزاعات، مثل الدفاع عن النفس، أو حماية المستضعفين. فكرة دخول الحرب لأسباب سليمة تبرر وتضفي “الاعتيادية” على نتائج الحرب والنزاع في نظر الفاعلين المنخرطين في القتال. لكن تحديد من تعد قضيته عادلة ومن ليس كذلك ليست مسألة سهلة أو مباشرة كما قد تبدو. كما أن على امتداد فترة النزاع المطول، سواء على هيئة توترات متواضعة المستوى أو مصادمات عسكرية مباشرة، فإن عملية النزاع قد تصبح متجذرة لدرجة يصعب معها تمييز الصواب من الخطأ.

معظم التعليقات والتحليلات التي تُكتب عن النزاع والحرب في العراق وسوريا اليوم تنظر في الأغلب إلى تفاصيل العلاقات السببية بين أفعال الفاعلين المتورطين. مثل هذه التحليلات تحقق في العادة في مسألة: من الطرف المُلام على النزاع، ومن بدأه ومن صعّده. هل تصعيد النزاع مع داعش هو خطأ الولايات المتحدة وبريطانيا بسبب قرارهما بالتدخل في العراق؟ هل سبب النزاعات قرار الولايات المتحدة بعدم التدخل في سوريا؟ أم أن المسؤولية تقع على عاتق الأفعال الانتهازية والمستبدة التي يلجأ إليها قادة داعش؟ هل تحركها الطبيعة الطائفية للسياسة والشقاق بين القوى السنية والشيعية العسكرية والسياسية؟ ما المسؤوليات التي تترتب على الثقافة السياسية بالمنطقة من واقع ما نراه اليوم؟

15375618168_5a41bc9236_o-e1413975053582

بغض النظر عن العوامل الأصلية المُحركة للنزاع (وهي بطبيعة الحال خليط من المذكورة أعلاه) فالمدهش أنه ما إن يكتسب النزاع بعض الزخم ويبدأ في التجذر، حتى يصبح للفاعلين المتورطين في النزاع مصلحة في امتداده ومصلحة في الاحتفاظ بالانقسامات التي تعاني منها المنطقة على حالها.

يعلقون في عملية مرتبطة بمسار محدد تصعّب بالتدريج من التنازل عن فكرتهم الأصلية: فكرة الانخراط في حرب.

لعل أسباب النزاع الأصلية لم تعد بالغة الأهمية كما كانت، فالأمر الآن مرتبط أكثر بعملية النزاع حتى يستسلم طرف من الأطراف أو حتى يتمكن الطرفان من الاتفاق على حل؛ أي صفقة قد يشعر معها جميع الأطراف بأنهم كسبوا شيئاً من الاتفاق.

المقلق في هذا الفهم لتجذر النزاع هو أن بالنسبة للفاعلين المشتبكين في القتال، فإن مصلحتهم في استمرار النزاع والتعويل على مسار واحد لا حيد عنه، تضفي الاعتيادية على مفاهيم النزاع والحرب والموت والنزوح. لكن بالنسبة لمن هم على الأرض ويعانون من هذه التجارب، فالقصة تختلف تماماً. بالنسبة للإيزيديين المنحدرين من منطقة سنجار الذين واجهوا غارات داعش وهربوا منها، بالنسبة للناس في كوباني على الحدود السورية التركية الذين تركوا ديارهم وأصبحوا لاجئين للفرار من قتال بين مقاتلي وحدات حماية الشعب – الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا – والجماعات المسلحة الداعشية، وبالنسبة لكل الأشخاص العاديين الآخرين: مسيحيون ومسلمون شيعة وسنة، كرد وعرب وإيزيديين وكلدانيين وآشوريين، فإن الحرب ليست عملية “تزايد مكاسب” يمكن أن تصبح “اعتيادية” ومقبولة. هؤلاء الناس يعانون الآن من صدمة النزاع والعنف وخسارة أحبائهم وديارهم/أوطانهم.. لا شيء يمكن أن تتحقق “اعتياديته” ها هنا.

بالنسبة لأعداد الناحين الكبيرة، ممن حاولوا التكيّف مع ألم الانفصال عن أقاربهم الذين تركوهم خلفهم ويحاولون التعامل مع القلق على مصائر من اختُطفوا، فإن أولوياتهم في الحياة تغيرت بشكل جذري. بدلاً من الإدارة اليومية للحياة، كما كانوا يحيون، فقد أصبحوا الآن في عداد الباحثين عن مكان للمعيشة، وللتعامل مع المشاكل الصحية في ظروف صعبة، ومحاولة البحث عن غذاء ومياه آمنين. الملابس والأسرّة والمدارس أصبحت بمثابة سلع مترفة بالنسبة لهم، في ظل بطالتهم عن العمل الذي يشغل أوقاتهم، ومع غياب أي شيء يفعلونه باستثناء انتظار مصيبة أخرى تضيف إلى مصاعب الحياة في مخيمات اللاجئين. يعتري القلق الكثيرين منا لمجرد تخيّل أن نزاع كهذا بآثار كتلك الآثار يمكن أن يصبح “اعتيادياً” مع مرور الزمن.

كيف يمكن “اعتياد” مثل هذه الأشياء في حين أن أحلامهم بملاذ آمن يعيشون فيه، ببيت وسلامة أحبائهم أو القدرة على العمل والإنفاق على احتياجاتهم اليومية هي التي تبقيهم في مضمار السعي، وليس السعي إلى “التكيف” فحسب.

إن تخيّل العراق وسوريا والمنطقة من دون نزاع مسألة غير واقعية نظراً لشدّة التوترات ونظراً للانقسامات المتجذرة بين مختلف الجماعات والفصائل السياسية. لكن الانقسامات العميقة والمتجذرة والعداوة الشديدة بين الفصائل السياسية والعسكرية لا تعني ضرورة معاناة الناس العاديين في المجتمع من تلك الانقسامات بدورهم. يعن للمرء أن يأمل في أنه مع اتفاق الفصائل السياسية والعسكرية على إنهاء النزاع ألا يطالب الناس العاديون باستمرار النزاع. لكن، يبدو أن صنع السلام ليس من السمات الطبيعية اللصيقة بالجنس البشري كحال الاختلاف والجدل كسمات بشرية. إن العثور على الانقسامات وإلقاء الضوء على الاختلافات، والتركيز على تضارب المصالح وتكريس الاحتقان والعداوة أمور أسهل على ما يبدو من الكلام والاتفاق والإجماع. على الأقل هذا هو ما ينبئنا به التاريخ الحديث للعالم.

لكن هل هذا طبيعي؟ لماذا نستسلم بسهولة لمقولات وحجج أن الجنس البشري مجلوب على توليد النزاعات؟

زينب ن. كايا: باحثة في مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s